على الرغم من أن بنيامين كان الأقوى بين الرجال الثلاثة، إلا أنه كان يواجه خصمَين.
علاوةً على ذلك، كان كلٌ من أرون ولامبرت من ذوي القدرات الحسّية من الفئة (أ)، وكانا يقاتلان بتصميم غير اعتيادي.
لذا، اعتقدتُ بطبيعة الحال أن المعركة ستكون غير مواتية لبنيامين.
لكن بنيامين كان يتعامل مع أرون ولامبرت ببراعة.
سرعان ما تصدّى بنيامين لسيفَي لامبرت، بينما كان يراوغ بمهارة الأشياء التي كان أرون يقذفها عليه بقوة تحريكه الذهني.
“ارون. لا مانع لديّ من مهاجمتك لي، لكن لا تقذف الأشياء باتجاه إيرينا. قد تتأذى.”
لقد كان يحميني حتى أثناء قتاله.
أتساءل إن كان يعلم أنني، أنا الشخص الذي كان يحميه بحماس شديد، لم أكن أبحث إلا عن فرصة للهرب؟
“كفاك هراء! كيف تجرؤ على التظاهر بالاهتمام بها الآن بعد أن أسأت معاملة إيرينا؟”
صرخ أرون وهو يقذف ثريا معلقة في سقف قاعة الاحتفالات باتجاه بنيامين.
“إيرينا، كان يجب أن تستمعي إليّ. لقد أخبرتكِ أبداً بأن تتورطي مع بنيامين! أرأيتِ ماذا يحدث عندما تتجاهلين نصيحتي؟”
لأسمع مجدداً كلمات أرون المقززة عن أن أثق به وحده.
كشّرتُ عن وجهي وقفزتُ إلى الخلف لتفادي الثريا المتطايرة.
كان أرون يهاجم وكأنه لا يبالي إن أصابني أذىً طفيفاً
إنه حقاً وغدٌ لعينٌ، وهو الذي يفترض أنه يساعدني.
في هذه الأثناء، ظل بنيامين هادئاً، حتى مع تطاير الثريا باتجاهي.
وقبل أن تلمس جسدي، أطلق كرة أرجوانية اللون حطّمتها في الحال.
تكسّر –!
مع صوت مدوٍ، تحوّلت الحطام إلى ضباب كثيف من الغبار غطى قاعة الاحتفالات.
ونتيجةً لذلك، أصبحت الرؤية مشوشة نوعاً ما.
“سُعال، سُعال”.
بينما خرجت مني سعلة جافة لا إرادياً، كانت الطيور الغريبة القريبة ترفرف بأجنحتها الصغيرة باستمرار لتبديد بعض الدخان.
لقد كانت طيوراً مخلصة حقاً.
في تلك اللحظة، ظهرت كرة صغيرة من الزغب الأبيض الجميل من خلال الدخان.
كان مينكي، الذي كنتُ أنتظره.
بدون نباح، أشار مينكي برأسه، موحياً بوضوح أن نتجه نحو المخرج.
لا بد أن رئيس النقابة هنا!
“جميعاً، حان وقت الهروب الآن. اتبعوني عن كثب.”
همستُ للطيور بصوت خافت.
ثم ركضتُ بجنون نحو مدخل قاعة الاحتفالات.
اغتنمتُ انشغال بنيامين بمقاتلة لامبرت، حتى مع ضعف رؤيتي بسبب الغبار.
لا يمكنني أن أكون أكثر امتناناً لأنني لم أكن أرتدي الأغلال في يوم زفافي.
بعد فترة وجيزة، شعرتُ بشخص يمسك بمعصمي بلطف.
لما رأيتُ الطيور التي تحلق بالقرب مني للحماية كانت هادئة، لم يبدُ أن أحد المغفلين الثلاثة هو من أمسك بي.
الدفء الذي لامس معصمي كان مألوفاً بشكل غريب.
تخيلتُ على الفور ذلك الرجل الذي لا أعرف وجهه ولا اسمه.
“عزيزي…؟”
ثم سمعتُ صوت ذلك الرجل الذي اشتقتُ إليه حد البكاء.
“هل تأخرتُ كثيراً؟”
لقد كان هو حقاً.
صوت رئيس النقابة، الذي كنتُ أرغب في رؤيته كل لحظة، كل يوم بلا فشل.
اندفعتُ على الفور إلى أحضانه.
لا يمكنني وصف كم اشتقتُ لذلك الحضن القويّ الواسع.
عن قرب، كانت تفوح منه تلك الرائحة المألوفة.
ذلك العطر اللطيف الذي كنتُ أشمه دائماً عندما كنتُ معه.
احتضنني رئيس النقابة بحذر من ظهري.
كانت يده تربت على ظهري بإيقاع هادئ.
كانت تربيتة مريحة، تطمئنني أن كل شيء سيكون على ما يرام الآن.
“هل أصابك أذى في أي مكان؟”
“…لا”.
“أنا آسف لأنني تأخرت كثيراً.”
كان صوته ولمسته حنونين لدرجة أن عينيّ لذعتا.
لم أستطع الإجابة خوفاً من أن أنفجر بالبكاء.
في تلك اللحظة، سمعنا صرخة ارون.
“اللعنة! تخلصوا من هذا الغبار.”
ألقى كرسياً ليكسر نافذة في قاعة الاحتفالات، فطرد الغبار والدخان إلى الخارج.
مع تلاشي الدخان، أصبحت رؤيتي واضحة.
عندها فقط تمكنتُ من رؤية هيئة رئيس النقابة.
حتى في هذه اللحظة، كان يرتدي قلنسوته.
تلك القلنسوة المصممة خصيصاً والتي لا تنزع أبداً، حتى مع الرياح القوية أو المؤثرات الجسدية.
“…إيرينا؟”
تحدث بنيامين، مدركاً أخيراً أنني هربتُ منه.
أخفاني رئيس النقابة خلف ظهره ورفع رأسه بصلابة.
مرت لحظة من الصمت.
الرجال الثلاثة الذين كانوا يندفعون نحو بعضهم ليقتلوا بعضاً، تجمّدوا في أماكنهم محدقين فقط بي وبرئيس النقابة.
لم يملأ الصمت سوى أنفاسٍ خشنة.
بدا أن الجميع أصيبوا بجروح بالغة من المعركة الشرسة التي خاضوها بلا توقف.
كانت قاعة الاحتفالات ملطخة بدماء حمراء، لا يُعرف لمن تعود.
كان لامبرت يُرخي ذراعه المصابة، وكان الدم يسيل على جبين أرون.
حتى بنيامين، الذي ظننتُه غير مصاب، بدا جريحاً.
لم يقتصر الأمر على أن زيّه الرسمي تحوّل إلى خِرَقٍ فحسب، بل بدت إحدى ساقيه أيضاً مصابة بقطع.
الوحيدون غير المصابين هنا هم أنا، ورئيس النقابة، والطيور، ومينكي.
“بليس، أخبر أصدقاءك بالانتظار بالخارج الآن.”
همستُ لبليس بصوت خافت جداً.
كان الوضع متقلباً، ولا نعرف كيف سيرد بنيامين. كانت الطيور معرضة لخطر أن تُؤخذ كرهائن.
في هذا الموقف المتأزم، كان من الصواب إرسالهم للخارج.
بدا أن بليس شاركني رأيي، فأرسل الطيور باتجاه النافذة المكسورة.
الطيور التي كانت بجانبي لأيام، هربت بسرعة من قاعة الاحتفالات.
يبدو أنها هربت بأمان بينما كان المغفلون الثلاثة مذهولين.
“أنت…”
أخيراً، استجمع بنيامين صوابه، وألقى نظرة حادة على رئيس النقابة الذي ظهر حديثاً.
كانت عيناه قد غرقتا بالكامل في اللون البنفسجي، مما يدل على أنه كان متحمساً للغاية لدرجة أنه لم يعد يسيطر على نفسه.
تلك النظرة الحادة التي كانت تقشعر لها أبداني لمجرد التلاقي معها، وقعت عليّ.
أخذ بنيامين نفساً عميقاً ثم قال محذراً:
“إيرينا. عودي.”
همس رئيس النقابة لي بهدوء:
“لا تجيبي.”
لكنني لم أعد أرغب في التزام الصمت تجاه بنيامين بعد الآن.
“هل تعتقد أنك عاملتني بدرجة كافية من التقدير لأعود إليك؟”
“فعلتُ كل ما طلبتِه! لم أقتُل أي شيء. لم أفعل ما طلبتِ مني ألا أفعله.”
صرخ بنيامين بغضب، ثم أخرج زفيراً جافاً وهدأ قليلاً.
“لذا، إيرينا، أرجوكِ… لا تذهبي.”
ارتجف صوت بنيامين بخفوت.
كانت رنّة مليئة بالإخلاص.
لكن لسوء الحظ، لم أشعر بأي تعاطف.
حتى لو ذرف الدموع، لم أعتقد أنه سيبدو مثيراً للشفقة.
لأنني لم أكن أريد أن أحبه وأنا أسيرة لديه.
“أنا آسفة. أريد أن أكون مع الشخص الذي أحبه.”
لأنني بالفعل أملك شخصاً أحبه.
“….”
لم يقل بنيامين المزيد وحاول القفز باتجاهنا بقفزة كبيرة.
لكن لامبرت اعترض طريقه.
“لا يمكنك التقدم أكثر من هنا.”
“لامبرت، هل جننتَ؟ أتعرف من يكون ذلك الرجل وما زلت تعترض طريقي؟”
“لقد اتفقنا على أن نتحد معه، على الأقل لهذا اليوم، لتحقيق الهدف نفسه.”
“…ماذا؟”
مستغلاً ارتباك بنيامين، أدار لامبرت سيفه بحركة واسعة.
السيف المُنقَع بقدرة [التعزيز] غاص في كتف بنيامين بقوة فتاكة.
“آخ، آخك!”
هل كان لأنه كان شديد التركيز عليّ؟
تباطأت حركات بنيامين، التي كانت تراوغ كل الهجمات بنجاح.
تصدّى لسيف لامبرت بعد فوات الأوان، بعد أن كان كتفه قد شُقّ بعمق.
سقط بنيامين في النهاية على ركبته اليمنى.
أرون الماكر لم يفوّت تلك اللحظة.
“أنت بحاجة إلى المزيد من التأديب.”
استخدم قوته الذهنية لرفع عدة كراسي في الهواء ودفعها نحو بنيامين.
لم يتفادَ بنيامين الهجمات التي لا تُحصى والمتساقطة عليه، بل تلقّاها مباشرة.
“بنيامين. استسلم الآن. لقد انتهى كل شيء.”
رداً على كلمات لامبرت التي بدت وكأنها تختتم الموقف، خرج بنيامين من بين حطام الكراسي المكسورة.
“…ماذا تعني باستسلم؟ من عطّل زفافي؟ تذكر هذا. لن أدع أيّاً منكم يفلت من العقاب.”
وحتى وهو يُصدر هذا التحذير، لم يبتعد نظر بنيامين عني أبداً.
النظرة التي أظهرت لحظة ضعف للحظة وجيزة، كانت الآن لا تتموّج إلا بالغضب.
إلى من كان هذا الغضب موجهاً؟
أليّ؟ أم إلى كل من في هذه القاعة ممّن عارضوه؟
أخيراً، فتح رئيس النقابة، الذي كان ينتظر أن يتقاتل الرجال الثلاثة حتى يدمّر بعضهم بعضاً، شفتيه.
“بأي سلطة كنتَ ستتزوج الشخص الذي يخصني؟ هل كان هذا زفافاً وافقت عليه إيرينا؟”
في تلك اللحظة، وللمرة الأولى، ارتبكتُ لمن ينتمي هذا الصوت.
لأن الصوت المنخفض المهيب بدا تماماً مثل صوت دونكان.
لو كان خفيفاً ومرحاً لكان بالضبط نبرة رئيس النقابة.
“موافقة؟ توقف عن هذا الكلام المتغطرس.”
بنيامين، رغم ترنحه، حاول المجيء أمامنا مجدداً.
هذه المرة، كان رئيس النقابة نفسه هو من تقدّم، وليس لامبرت أو أرون.
أخرج رئيس النقابة مسدساً كان قد أخفاه داخل ردائه وصوّبه بدقة نحو ساق بنيامين اليسرى.
يتبع في الفصل القادم
ترجمة مَحبّة
التعليقات لهذا الفصل " 128"