تحرّكتُ نحو الجهة التي جاء منها صوتٌ مُثيرٌ للاهتمام.
تساءلتُ إنْ كانت مشاجرةَ غَيرةٍ قد اندلعت، فكلّما اقتربتُ من الضجيج ازداد عددُ الناس.
وحين تبعتُ الجموع، ظهرتْ على مسافةٍ غير بعيدة ساحةٌ واسعة.
وفي وسط الساحة كان هناك منصّةٌ صغيرة، تتدفّق منها بلا توقّف حواراتُ مسرحيّةِ غَيرة.
“لا تتحدّث وكأنّكَ تعرفُ قلبي كلَّه!”
وعلى خلاف ما توقّعت، كان سببُ الضوضاء مسرحيّة.
يقولون إنّ مشاهدةَ الشجارات ممتعةٌ بعد مشاهدةِ الحرائق.
أمسكتُ بيدٍ واحدة سيخَيّ الطعام اللذين فرغتُ منهما، ولعقتُ شفتيّ بشهيّة.
بسببِ الحشدِ المكتظّ، أخذت خطواتُ سييون تُصبح أبطأ فأبطأ.
كان على وجهه تعبيرُ انزعاجٍ واضح.
يبدو أنّه يكرهُ الأماكنَ المزدحمة.
ولمّا رأيتُه وقد بدا عليه الضجر، توقّفتُ عن التوغّل بين الناس.
كان يكفينا أنْ نُشاهدَ المشهد من بين الفجوات.
“أنتَ لا تعرفُ كم أحببتُكَ!”
“ليزا، كيف لا أعرف ذلك، هاه؟”
امرأةٌ بشَعرٍ بنّيٍّ فاتح، ورجلٌ بشَعرٍ كُحليّ، أدّيا دورَيهما بحرارة.
احتضنَ الرجلُ المرأةَ بحذر.
فانهالت دموعُها بلا توقّف.
كان أداءً مُتقنًا بحقّ.
في الساحةٍ مفتوحة، كانت مسرحيّةٌ دراميّة في وضحِ النهار.
راقبتُ تمثيلَهما قليلًا، ثمّ لمحتُ سييون بنظرةٍ جانبيّة.
“……”
رغم أنّه بدا بلا اكتراث، إلّا أنّه كان منغمسًا في المسرحيّة على غير المتوقّع.
ظننتُ أنّه سيطلبُ الرحيل فورًا، أو يقطّبُ حاجبَيه بانزعاج.
تبعتُ نظرتَه نحو المنصّة.
وكان البطلُ الذَّكَر قد اختفى، وصعدَ رجلٌ أشقرُ جديد إلى الخشبة.
يبدو أنّ المشهدَ قد تغيّر.
كان الرجلُ الأشقرُ هو الشِّرير.
ذاك الذي أحبّ البطلةَ حدَّ العذاب، الشابَّ الثانيَ التعيس.
شدّني مظهرُه اللافت، فتابعتُ المسرحيّة بانتباه.
“لا تقترب!”
عند صرخةِ البطلة التي بدت كالعويل، تراجعَ سييون خطوةً إلى الخلف.
هناك، لم تكن تُخاطبكَ أنتَ، كما تعلم؟
لكنّ سييون كان يتراجع قليلًا في كلّ مرّة تصرخ فيها البطلة.
هل أيقظَ ذلك شيئًا من صدمته القديمة؟
شعرتُ بالقلق، فأمسكتُ بطرفِ كمِّ سييون.
لذلك لم يتراجع أكثر، لكنّ عينيه وهو يُشاهد المسرحيّة امتلأتا بمشاعرَ مُعقّدة.
“سُموّكَ، هل أنتَ بخير؟”
لم يُجب.
كان منغمسًا إلى حدٍّ بدا معه وكأنّه صار أحدَ شخصيّات القصّة.
وبسببِ المساحة التي خَلّفها تراجُعُ سييون، أخذ أشخاصٌ جدد يدخلون باستمرار.
ولأنّ المنصّة منخفضة، لم يعُد يظهر أمامنا سوى مؤخرةِ رؤوسِ الواقفين.
وبينما أُراقب تعبيرَ سييون، دوّى صوتٌ عالٍ فالتفتُّ.
لم أكن أراه، لكنّي أدركتُ أنّ الرجلَ الذي يؤدّي دورَ الشِّرير كان يصرخ من خلفِ الحشد.
“على الأقلّ حاولتُ إنقاذَك!”
في لحظةٍ خاطفة، ارتجفَ جسدُ سييون.
عرفتُ ذلك لأنّي كنتُ أمسكُ بكمِّه.
كان ارتباكًا خفيفًا، لكنّه كان واضحًا.
هل تُشبه المرأةُ التي تؤدّي دورَ البطلة حُبَّه الأوّل؟
وبينما تتزاحمُ الأسئلةُ في رأسي، قالت المرأةُ بحدّة.
“إنقاذ؟! أهذا ما تُسمّيه إنقاذًا، وأنتَ تحاول قتلَ الرجلِ الذي أحبّه؟!”
“اسمعيني. أنا أحاول مساعدتكِ، ليزا.”
“لا! أنتَ تقتلني، وبطريقةٍ بائسةٍ جدًّا!”
ومع بلوغِ المسرحيّة ذروتَها، تراجعَ سييون خطوةً أخرى.
تلونَ وجهُه بذلك الشعورِ الدقيق الذي كان يظهرُ كلّما استحضرَ حبَّه الأوّل.
هل كان حبُّه الأوّل يُشبهها فعلًا؟
رفعتُ نفسي على أطرافِ أصابعي لأرى وجهَ البطلة.
حبُّه الأوّل الذي قيل إنّه يُشبه الربيع، كنتُ دائمًا أتساءل عن ملامحه لأنّ وجهه لم يظهر يومًا في الأحلام.
“لا أرى…….”
رفعتُ كعبيّ إلى أقصاهما، لكنّ ما رأيتُه لم يكن سوى قممِ رؤوسِ الناس.
مع أنّ طولي ليس قصيرًا أبدًا!
أصابني العناد، فبدأتُ أقفز.
لمحتُ الشِّريرَ لحظة، وظهرَ رأسُ البطلة قليلًا ثمّ اختفى.
“أنتَ تعرف أنّني فعلتُ ذلك لأنّي أحببتُك.”
لا أعرفُ ملامحَ البطلة جيّدًا، لكنّي أعلم أنّ الشِّرير وسيم.
بعد عدّة قفزات، بدأ فخذاي يؤلماني.
ربّتُّ على ساقيّ بقبضتيّ، ثمّ هممتُ بالقفز مجدّدًا لأرى البطلة.
“هل تُريدين حقًّا أنْ تريها إلى هذا الحدّ؟”
سألَ سييون، وقد بدا أنّه خرج لتوّه من دوّامةِ مشاعره.
يبدو أنّ قفزي أمامه أزعجه.
“لا، فقط…… أردتُ أنْ أرى وجهها عن قرب.”
“ولِمَ؟ هل هو وجهٌ يُسيل اللُّعاب مرّةً أخرى؟”
“ماذا؟ آه، لا، ليس هكذا…… فقط تساءلتُ كم هي جميلةٌ البطلةُ التي يتنافس رجلان على حبّها؟”
لم أستطع أنْ أقول إنّي فضوليّة لأنّها قد تُشبه حبَّك الأوّل.
“هل أُريكِ إيّاها؟”
“كيف؟ هل تستطيع شقَّ طريقك بين الناس؟”
وأنتَ تكرهُ الأماكنَ المزدحمة.
عند كلماتي، رمشَ سييون بعينيه.
بدا وكأنّه يُفكّر قليلًا.
ثمّ فجأةً رفعني عاليًا.
“هاه!”
لفَّت ذراعاه القويّتان خصري وساقيّ.
لا بدّ أنّه لم يحمل الناس كثيرًا من قبل، لكنّ حضنه كان مريحًا على نحوٍ غريب.
مع أنّه رفعني كما لو كنتُ متاعًا.
“سُموّكَ، أظنّ أنّ هذا…….”
“قلتِ إنّكِ تريدين الرؤية.”
حين انحنيتُ وهمستُ له، ردَّ عليّ هو أيضًا بصوتٍ منخفض، وكأنّ الأمر لا إشكال فيه.
أنتَ لا تُحبّ لمسَ الآخرين، لكنْ هذا مقبول؟
هل لأنّ جلديَ لا يلامسُك ؟
“قد أكونُ ثقيلة.”
“لستُ ضعيفًا إلى حدٍّ يجعلني أصفُ آنبت بالثقيلة.”
عند نبرته الواثقة، فقدتُ كلماتي.
صحيح، سييون ليس ضعيفًا.
هززتُ رأسي وحدي، ثمّ عضضتُ باطنَ شفتي.
كان جمالُ سييون وهو ينظرُ إليّ طاغيًا لدرجةٍ كتمت أنفاسي.
كان هجومَ ملامحٍ جعلني أنسى سببَ مجيئي لمشاهدة المسرحيّة أصلًا.
“لكنْ، حتّى إنْ لم أكن ثقيلة، أنزلني لو سمحت. نحن بارزون جدًّا هكذا.”
قلتُ ذلك بصوتٍ منخفض وأنا أحرّك ساقيّ.
ماذا سيظنّ الناس؟
لكنّ سييون شدّ قبضتَه أكثر كي لا أسقط، ولم يُبدِ أيّ نيّة لإنزالي.
هذا الرجل يُظهر العناد في أغربِ المواضع.
وعندما حرّكتُ قدميّ مجدّدًا، قطّب سييون حاجبَيه.
ثمّ أشار بذقنه إلى اليمين.
“لسنا الوحيدين.”
وفي الجهة التي أشار إليها، كان هناك فعلًا رجلٌ يحمل امرأةً مثلنا.
وبجانبه زوجان آخران، وفي الجهة المقابلة زوجان كذلك.
يبدو أنّ سييون قلّد فعلهم.
“انظري إلى الأمام، آنيت. ألم تقولي إنّكِ تريدين الرؤية؟”
وبينما كنتُ أتفحّص ما حولي، دارَ سييون بجسده.
اختفى الأزواج من مجالِ رؤيتي، وحلّت المنصّة مباشرةً أمامي.
“سأنظرُ قليلًا فقط.”
لم يُجب سييون.
وبدا أنّ المسرحيّة تقترب من نهايتها، إذ كان الشِّرير راكعًا أمام الأبطال.
بموضوعيّة، لم يكن جمالُ البطلة يُشبه الربيع.
لا في ملامحها فحسب، بل حتّى في الهالة التي تُحيط بها.
أقربُ إلى خريفٍ عليل.
وبينما أُخمّن، أنزلتُ رأسي.
فالتقت عيناي مباشرةً بعيني سييون، اللتين كانتا موجّهتَين نحوي.
“هل تُسيل اللُّعاب أكثر منّي؟”
“ماذا؟”
فاجأني سؤالُه، فسألته مُرتبكة.
عدّلَ سييون حملته لي، ثمّ أشار بعينيه إلى المنصّة.
“آنيت، أنتِ كلّما رأيتِ جميلًا أو وسيماً لعقتِ شفتيكِ أوّلًا.”
“هل لعقتُ شفتيّ الآن؟”
تساءلتُ إنْ كنتُ فعلتُ ذلك بلا وعي، فعضضتُ شفتي وأدخلتُهما إلى الداخل.
عندها هزَّ سييون رأسه قليلًا.
“هذه المرّة لا. مع أنّكِ تفعلين ذلك كثيرًا عادةً.”
عادةً……
توقّفتُ عن التفكير لحظة.
هذه الأيّام، الوجهُ الوحيدُ الذي أراه هو سييون.
“هل كنتُ فاضحةً إلى هذا الحدّ؟”
هل كنتُ أتصرّف وكأنّي منحرفة؟
“وأنتِ من تقولين إنّ وجهي هو الأفضل. نسيتُ أنّ معاييرَ آنيت ليست عالية.”
كونك وسيمًا ليس كذبًا فعلًا.
لم أفهم لماذا ظنَّ سييون أنّ ذائقتي منخفضة.
مع أنّ الشخصَ الوحيدَ الذي أراه هذه الأيّام هو أنتَ.
لم أكن مسحورةً بالمسرحيّة، بل فقط فضوليّة إنْ كانت تُشبه حبَّه الأوّل.
حتّى الرجلُ الذي يؤدّي دورَ الشِّرير كان حسنَ المظهر، لكنّه لا يُقارَن بسييون.
كنتُ على وشك الاعتراض بدافعِ الظلم، لكنّ سييون لم يُتح لي فرصة.
“وأنتِ تجيدين الكذب هكذا، كيف لي أنْ أصدّق محبّتَكِ لي؟ مهما كانت عاطفةً إنسانيّة.”
كان يعلم سببَ إحضاري له إلى الشارعِ الصاخب.
كنتُ أريد أنْ أقترب منه أكثر، وأنْ أُظهر له المودّةَ المختبئة في علاقةٍ عاديّة.
لكنّ سييون بدا وكأنّه لا يثقُ كثيرًا بجهدي.
“لا بدّ أنّ هناكَ من يُحبّك في مكانٍ ما.”
دوّى آخرُ سطرٍ للبطلة على المنصّة في أذني بوضوحٍ خاص.
ربّما لأنّه كان الكلامَ الذي أردتُ أنْ أقوله لسييون.
“حتّى أنتِ تخلّيتَ عنّي، فمن سيُحبّني بعد ذلك؟”
وكان ردُّ الشِّرير عليها، كأنّه كلامُ سييون لي.
التعليقات لهذا الفصل " 21"