وافق سييون على دعوة الموعد بسهولة غير متوقّعة.
كان ردّ فعله في البداية متردّدًا بعض الشيء، لكنّه في اليوم التالي، وبحلول الظهيرة، خرج أمام العربة في الموعد المحدّد تمامًا.
“سبق أن درَسنا في الهواء الطلق، لكنّ موعدًا… هذا هو الأوّل، أليس كذلك؟”
تغيّر تعبير سييون بشكل خفيف عند كلامه. كان وجهه يعيد مضغ كلمة “موعد” وحدها. بالنسبة إلى من كان يتكلّم عن الحبّ أوّلًا، كان ردّ فعله جافًّا جدًّا.
حسنٌ، أنا من رسمتُ الحدود دائمًا، فربما بدا الأمر غريبًا له.
كان لديّ سببٌ واضح لطلب موعدٍ من سييون.
السبب الأوّل: قلتُ له إنّ الحبّ يأتي بأشكالٍ مختلفة في هذا العالم، لكنه لا يزال غير قادر على استيعاب ذلك.
السبب الثاني: اعترفُ أنني أصبحتُ أشعر بمودّة إنسانيّة تجاه سييون. أتمنّى له السعادة من قلبي، وهذا صادق تمامًا، حتى لو كان هو لا يصدّقني.
لذلك قرّرتُ وصفة خاصّة لهذا الرجل:
أجعله يشعر بالحنان البسيط بين البشر، وبالحبّ الصغير والكبير المتناثر في العلاقات المختلفة!
“ما الفرق في موعد ‘الشعور بالدغدغة’ هذا؟”
“ستعرف تدريجيًّا اليوم ما يميّزه عن موعد الأمس.”
ابتسمتُ له ابتسامة مشرقة رغم شكوكه. فازداد تعبيره غموضًا.
“لا تعقّد الأمر، اعتبره تمرينًا عمليًّا على المواعيد. درسٌ في الهواء الطلق بمعنى ما.”
ما إن ذكرتُ كلمة “درس” حتى خفّت ملامح الريبة على وجهه. حسنٌ أنني لم أقل “لنتقرّب أكثر”.
لكن… هل طلبي لموعدٍ منه غريبٌ إلى هذا الحدّ؟
شعرتُ بغرابة خفيفة، لكن سييون قطع حبل أفكاري:
“يبدو أن آنيت أكثر جدّية في التدريس مما كنتُ أظنّ.”
مَن أنا في رأس سييون بالضبط؟ فتحتُ باب العربة وأجبته بلطف:
“أنا دائمًا جادّة في كلّ شيء، يا سموّكَ.”
رفعتُ زاوية فمي قدر الإمكان ومددتُ يدي. نزلت عيناه إلى كفّي.
“اليوم، ثق بي فقط. سأريكَ كيف يكون موعدٌ عاديّ ممتع.”
كلّ ما عليكَ هو أن تشعر بالحنان الذي يُمنَح لكَ من الآخرين.
كتمتُ بقية الكلام وهززتُ يدي لأحثّه.
فهم سييون الإشارة، فوضع يده فوق يدي. رغم أنه لم يقف طويلًا في الخارج، كانت يده باردة كالثلج.
صعد سييون العربة أوّلًا ممسكًا بيدي، ثم صعدتُ أنا ودلكتُ أصابعه بكلتا يديّ برفق.
“يدكَ باردة جدًّا، يا سموّكَ.”
ما إن أغلق الباب حتى سحب يده. لم يبدُ منزعجًا، بل لا يزال غير معتاد على لمس الآخرين.
“يدكِ أنتِ الدافئة.”
فتح سييون يده وقبضها وهو يجيب. قلّدته ففتحتُ يدي وقبضتها. شعرتُ بفراغٍ غريب في الكفّ الذي مرّت عليه حرارة جسدٍ آخر.
توقّفت العربة قرب السوق المزدحم. لم يكن لدينا وجهة محدّدة، فسننزل ونمشي حيث نشاء.
نزلتُ أولًا ومددتُ يدي لسييون. ولأنها المرّة الثانية، أمسك يدي دون تردّد ونزل.
“أوّل مرّة تُصطحب فيها، صحيح؟”
أومأ سييون بعد أن أفلت يدي. عادةً ما يكون الرجل من يقدّم ذراعه للمرأة، فمن الطبيعي ألّا يكون قد اختبر العكس.
“وأوّل مرّة أرى فيها من يمدّ يده أوّلًا.”
“كلّه لأنني أهتمّ بكَ، أليس كذلك؟ لا يتقيّد المحبون بما يفرضه العالم، بل يريدون فقط أن يعبّروا عن اهتمامهم.”
أطبق سييون شفتيه على صراحتي.
شخصٌ غريب. بدا هكذا مكتوبًا في عينيه وهو ينظر إليّ من الأعلى. رغم أني كنتُ صادقة تمامًا.
“أفكّر بكَ أكثر ممّا تظنّ.”
يتألّم في عالمٍ عرفتهُ بنفسي، فكيف لا أهتمّ؟ عبس سييون غير مدركٍ لما في قلبي.
“هذا أيضًا جزء من الدرس؟”
“هل يبدو كذلك؟”
“نعم. يصلح لخداع شخصٍ ساذج.”
يعني أنه لا ينطلي عليه هو، غير الساذج.
هزّ كتفيه بحذر. يبدو أن تغيّر موقفي المرن بعد طول دفاعيّة جعله يشكّ.
“بعد أن نقضي اليوم معًا، ستظهر الإجابة، أليس كذلك؟ هل كلامي مجرّد درس، أم هو ما أريد حقًّا أن أقوله لكَ؟”
“……”
“وستعرف أيضًا إن كان ينطلي على شخصٍ غير ساذج.”
ابتسمتُ له ببراءة، فهرب بنظره. يبدو أنه لا مناعة له أمام الصدق المباشر.
يا لها من وسامةٍ تجعل الهروب بالعينين لطيفًا! لو كُنّا أقرب قليلًا، لكنتُ اقتربتُ من وجهه وأجبرته على مواجهة عينيّ وأنا أمازحه.
“هيّا إذًا، يا سموّكَ! إلى الموعد الحقيقيّ!”
صرختُ بحماس ومشيتُ أمامه. تبعني سييون ببطء بعد أن وقف مذهولًا لحظة.
كان شارع فرناندي الأكبر نابضًا بالحياة. جوٌّ مختلف تمامًا عن صخب القصر الهادئ دائمًا.
“فكّرتُ في ذلك المرّة الماضية أيضًا، لكنّ هذا المكان حقًّا رائع للعيش.”
“يبدو كذلك؟”
“نعم. انظر إلى وجوه الناس، كلّها مشرقة. لا بدّ أن هذا بفضل عملكَ الدؤوب كلّ يوم، يا سموّكَ.”
لم يظهر أيّ ردّ فعل على مديحي. ربما ليس معتادًا على الثناء، أو ببساطة لا يهتمّ.
رمقتُ وجهه ثم عدتُ أتفقّد الشارع. لا ظلال على وجوه الناس. كان مزاحًا، لكنّ قولي إنّ المكان رائع للعيش كان صادقًا.
يبدو أن حبس سييون نفسه في مكتبه وتجاهل الحبّ والزواج والحياة الشخصيّة كان له ثمرة. أومأتُ لنفسي، ثم انتفضتُ فجأة.
رائحة حلوة مُبهّرة! سُرتُ في خطواتي باتجاه الرائحة المألوفة التي دغدغت أنفي، حتى وجدتُ مصدرها.
لا شكّ، إنها أسياخ الدجاج!
توقّفتُ أمام البائع المتجوّل ولوّحتُ لسييون. اقترب بهدوء رغم إشاراتي الحثيثة.
“سمووو…”
كتمتُ اسمه في آخر لحظة. قلّة من الناس تعرف وجهه لأنه نادرًا ما يخرج، فلا داعي لإعلان هويّته وإحراج الطرفين.
أشيد بسرعة بديهتي وأنا أطلب عودين من أسياخ الدجاج.
“كل هذا ولنمشي!”
مددتُ عودًا لسييون الذي وصل متأنّيًا كسلحفاة. اخترتُ له صوصًا غير حارّ لأنني لا أعرف ذوقه.
“سمعتُ أنكِ تناولتِ فطورك.”
“للمُقبّلات معدة منفصلة دائمًا، يا سموّكَ. ألم تعلم؟”
أجبتُ ببرود على تذمّره. لا نأكل معًا، فكيف عرف أنني تناولتُ الفطور؟
لكنه لم يقبل العود. ظلّ يحدّق في يدي فقط، يفكّر بعمق، وخمّنتُ ما يدور في رأسه:
“هل تفكّر الآن: كيف تكون هناك معدة منفصلة للمقبّلات؟”
“المعدة واحدة، فكيف يمكن تقسيم المساحة؟”
“هناك من يستطيعون ذلك. دائمًا يبقى مكانٌ للمقبّلات في المعدة.”
هززتُ العود أمامه وعضضتُ من عودي. العصارة المناسبة والصوص الحلو كانا لذيذين جدًّا.
بينما أسجّل في ذهني معلومة جديدة عن وجود مطعم أسياخ دجاج ممتاز في إقليم فرناندي، انحنى سييون فجأة وعضّ قطعة من عودي. لم يأخذ عوده بعد.
“دجاج متبل.”
“أوّل مرّة تأكل أسياخ دجاج؟”
“نعم.”
“عشت حتى الآن دون أسياخ دجاج… لم تضيّع حياتكَ تمامًا، لكنّكَ أوّل شخص أراه لم يجرّبها!”
هززتُ العود مجدّدًا أمامه، لكنه هزّ رأسه رافضًا. يبدو أن طعمه لم يعجبه بعد لقمة واحدة.
لا بأس، إذًا كلّه لي.
أمسكتُ العودين بكلتا يديّ واستمتعتُ بهما ببطء، مفكّرة أن ذوق سييون وذوقي مختلفان تمامًا.
“وأنا أوّل من يقول إن لديه معدتين أيضًا.”
تابع سييون كلامه بعد أن راقبني أمزّق الدجاج بشراهة. كانت عيناه كمن يرى كائنًا عجيبًا.
“يشرفني أن أكون رفيقة “أوّل مرّة” لسييون …”
رددتُ بمرح، فأطبق شفتيه. بدا أن ثمّة شيء أزعجه مجدّدًا.
ما الذي أزعجه هذه المرّة؟
كنتُ أحاول قراءة وجهه، حتى رنّ في وسط السوق جملةٌ لا يُفترض أن تُسمع في مكان عام:
“إن لم أقبّلكَ سأموت!”
بصوتٍ أنثويّ حادّ جدًّا.
التعليقات لهذا الفصل " 20"