كانت عينا سييون الصغيرتين جافّتين تمامًا، لكنّهما مع ذلك بدتا على وشك أن تفيضَا بالدموع في أيّ لحظة.
“يحقّ لكَ أن تبكي.”
هدّأه صوتٌ رقيقٌ. فعصر سييون قبضته الصغيرة بقوّة، وانتفخت خدّاه الطريّتان كأنّهما يعبران عن الضيق.
“لن أبكي.”
“لماذا؟”
“لأنّه لا سبب للبكاء.”
تنهّد صوتٌ خفيفٌ على عناده. كانت تلك تنهيدة حبّه الأوّل التي لم تفارق جانبه أبدًا.
“ليس من الضروريّ أن يكون هناك سببٌ لتبكي.”
مدّت يدٌ بيضاء صغيرة ودلكت خدّه. انبعج خدّه الطريّ تحت أصابعها الغضّة.
“يحقّ لكَ أن تبكي متى شئت.”
ساد صمتٌ طويلٌ بعد هذه الكلمة. حدّق الطفلان في بعضهما. “لا بأس”، كأنّ هذه الكلمة قيلت دون أن ينطق بها أحد.
ما لبث أن احمرّت عينا سييون، لكنه لم يذرف دمعة واحدة في النهاية.
ظلّ يحدّق بحبّه الأوّل بنظراتٍ عنيدةٍ لا تُقاوم.
‘لو بكيتَ فقط لكان أفضل.’
ما إن فكّرتُ حتى غشّت الرؤية. رُمشتُ عينيّ لكن الطفلين بدآ يتلاشيان كظلالٍ بعيدة.
ابتلع الظلام المكان الضبابيّ، وخفت ماضي سييون تدريجيًّا، وانتهى الأمر بظلّ سييون ينغمر في أحضان حبّه الأوّل قبل أن يغمرني الظلام تمامًا.
“آه…”
كنتُ متأكّدة أنّ الظلام ابتلعني.
رمشتُ عينيّ ببلاهة ونظرتُ حولي، فلم أجد الطفل الصغير، وبدلاً منه كان سييون الضخم يحدّق بي.
“كابوس؟”
أعادتني كلمته إلى الواقع. مكتب سييون الدافئ، الطاولة المشمسة، وأنا منهارة عليها نائمة.
“ها! الموعد! كنا في موعد!”
انتفضتُ فور استيعابي، وفركتُ خدّي المسحوب من الطاولة متظاهرة، ثم مسحتُ زاوية فمي. لو تركتُ أثر لعاب لمتّ خجلاً.
“هل يمكنني معرفة ما الذي حلمتِ به؟”
سأل سييون مجدّدًا وأنا أمسح فمي بقوّة. هل يهمّه الحلم إلى هذا الحدّ؟
حدّقتُ في وجهه ثم هززتُ رأسي برفق.
“لم أحلم بشيء.”
“لقد ناديتِ اسمي.”
كذبتُ ببرود فانكشفتُ فورًا. لم أتوقّع أن أنادي اسمه في الحلم أيضًا.
تردّدتُ في الردّ، فأضاف سييون:
“وبكيتِ.”
“أنا؟”
“نعم. سمعتُ آنيت تبكي، فعرفتُ أنها نامت وحدها أثناء الموعد.”
كان في صوته ضيقٌ واضح. نظرته حادّة إلى درجة اضطررتُ للهرب بعينيّ.
كنتُ أنوي تمرير الأمر بذكاء، تغيير الموضوع، وتجاهل الحلم تمامًا.
“هل مات أحدٌ في الحلم؟”
لكن إصراره جعلني أشعر أنه لن يتراجع حتى يعرف.
فكّرتُ قليلاً ثم هززتُ رأسي. غاصت عيناه أكثر عند رؤية حركتي.
“لم أبكِ. ربما ابتلعتُ ريقي؟ لقد ظهرت في الحلم.”
لا يمكنني قول إنني رأيتُ ماضيه، لذا مزجتُ الحقيقة بالكذب.
“إذًا… كان كابوسًا؟”
“كيف يكون كابوسًا وأنتَ فيه؟”
“قد يكون كابوسًا لأنني فيه بالضبط.”
“مستحيل! مع جمالكَ يمكنني العيش في الحلم إلى الأبد! ههه!”
عبّس على مزاحي. كان الأمر كأنه يقول: “تكلّمي عن الحلم حالا”.
المزاح لم ينفع. عنيدٌ جدًّا.
ابتلعتُ تنهيدتي واخترتُ كلماتي بعناية. بقي سييون ينتظر جوابي بشراسة. وجهه يشبه طفولته، لكن هالته مختلفة تمامًا.
راقبته مليًّا ثم أجبتُ ببطء:
“حلمتُ أنكَ تُحبّ وتُحبّ، فشعرتُ بالفخر وتمنّيتُ لكَ سعادة أكبر… فربما بكيتُ لذلك.”
لا أعرف إن بكيتُ فعلًا، لكن لو فعلتُ فهذا هو السبب على الأرجح.
سييون الصغير لم يكن بلا تعبير أو عابسًا دائمًا، لكنه لم يبدُ وحيدًا. وجهٌ ناقصٌ لكنه ليس فارغًا.
بخلاف سييون الآن.
“آنيت.”
تلاشت صورة طفولته من رأسي عند ندائه. أومأتُ برفق، فرفع يده.
اقتربت يده الكبيرة. أغمضتُ عيني تلقائيًّا، فلمست أطراف أصابعه جفني.
كانت يده التي تمسح عينيّ الجافة حذرةً وخشنة في آن. كأنها تمسح أثر دمع، أو تلامس دون سبب.
“نادرًا جدًّا… أفكّر بهذا.”
“بماذا؟”
“بأن مشاعر آنيت تجاهي ربما ليست سيّئة تمامًا.”
أدركتُ فجأة: سييون لا يثق بي.
حتى مزاحي عن الحبّ، وحتى قولي إنني أحمل له عاطفة إنسانيّة… كلّه اعتبره كذبًا.
“أتمنّى… ألا يكون ذلك وهمًا.”
ظننتُ أن علاقتنا جيّدة جدًّا، لكنها كانت وهمًا محضًا.
* * *
هل يجب أن تكون هناك رابطة متينة بالضرورة بين الأستاذ والتلميذ؟
لم أجد جوابًا لهذا السؤال الجديد. كلّ شيء مع سييون صعب.
“على أيّ حال، بعد انتهاء العقد لن نلتقي مجدّدًا، فلماذا…”
تمتمتُ بقسوة وحدي ثم عضضتُ شفتي بقوّة.
سييون دائمًا بلا تعبير أو عابس، لكنني أعرف جيّدًا نقص الحنان العميق الذي يخفيه.
الشرط الأساسيّ لعدم عودة هذه الرواية إلى الظلام هو سلامة الثنائي الرئيسيّ فقط. سعادة سييون ليست شرطًا أصلًا.
لذلك إن لم يخطف إيرين البطلة، فلن ينهار العالم. لو لم أعرف ماضيه لقلتُ إن هذا مثاليّ تمامًا.
لو لم أعرف أن والديه سلبا منه الحنان، وأن الحبّ الوحيد الذي ذاقه انتهى بحبّ من طرفٍ واحد… لتبرّرتُ أن سعادته غير ضروريّة.
طق طق، ضربتُ الطاولة بأظافري ثم نهضتُ فجأة
. مهما حاولتُ النسيان، يطاردني وجه سييون الطفل الذي يشبه جروًا حزينًا.
نفس الوجه بلا تعبير… فلماذا يبدو كجروٍ تعيس؟ هل وضع أحد فلترًا على عينيّ؟!
تخيّلتُ نظارات تجعل سييون يبدو ككلبٍ كبيرٍ مجهول السلالة، ثم مشيتُ.
الوجهة: مكتب سييون. المهمّة: واحدة فقط!
طق طق. طرقتُ وفتحتُ الباب دون انتظار الإذن، ثم صرختُ بقوّة:
“سموّكَ!”
رفع سييون رأسه على صوتي الحماسيّ. كومة الأوراق أمامه لم تقلّ رغم عمله المتواصل.
كيف يفكّر بالحبّ وهو لا يجد وقتًا للعمل؟ طردتُ الفكرة بسرعة.
الآن ليس هذا المهم!
“اذهب معي في موعد!”
تقدّمتُ بجرأة، لكنه حدّق بي فقط، ثم أنزل رأسه مجدّدًا إلى الأوراق.
تجاهلني بعد أن جمعتُ شجاعتي! ليس رفضًا، بل تجاهلًا تامًّا. حدّقتُ في قمّة رأسه ثم اقتربتُ.
“سموّكَ، هل علّمتكَ يومًا أن تتجاهل من يدعوكَ لموعد؟”
“لا. قلت إمّا الرفض بأدب أو تحديد موعد.”
فلماذا تتجاهلني أنا إذًا؟
كتمتُ الكلمة وهي على طرف لساني، لأنه سحب الكرسي بجانبه ونظر إليّ.
“حسنًا، هذا موعد. اجلسي.”
ربتّ على الكرسي. ها هو يفعلها مجدّدًا. يشير إلى المكان الذي جلستُ فيه حتى الغداء.
بالنسبة إليه، الموعد هو الجلوس معًا في المكتب، لا أكثر ولا أقل. لكن هذا النوع من المواعيد لا يناسب دروسي، ولا يقلّل المسافة بيننا.
“لا يا سموّكَ، ليس هذا النوع من المواعيد.”
“هل هناك نوعٌ تفضّلينه؟”
وضع سييون قلمه عندما رأى جدّيتي، وثبّت عينيه فيّ كأنه يقرأ أعماقي.
لا بدّ أنه يتذكّر أنني كرّرتُ أن كلّ ما أتحدّث عنه من مواعيد وحبّ ليس معي أنا.
رسمتُ خطًّا واضحًا كي لا أتورّط معه…
“موعدٌ يدغدغ القلب قليلًا، ويحمل شيئًا من الحلاوة والرومانسية.”
الآن أريد أن أدعه يشعر بالسعادة العاديّة، مهما كلّف الأمر.
“لنذهب في مثل هذا الموعد معًا.”
بأيّ طريقة كانت.
التعليقات لهذا الفصل " 19"