كان في الرواية الكثير من الأشياء تشبه عالمنا الأصليّ، على الأرجح لأن الكاتب لم يضع تفاصيل دقيقة لعالم القصّة.
ومن بين تلك الأشياء: الأدب. في مكتبات المدينة المزدحمة، كانت هناك عناوين مألوفة جدًّا.
“سموّك، هل أنجزتم الواجب؟”
أجاب سييون بورقة واحدة فقط. منذ أن اشتريتُ كتبًا من السوق، صرتُ أكلّفه كلّ بضعة أيّام بكتابة انطباع عن رواية.
〈روميو وجولييت〉
“كيف وجدت هذا الكتاب؟”
سألته وأنا أتحقّق من العنوان في أعلى الصفحة. لم أستطع قراءة كلّ روايات هذا العالم بنفسي، لذا بدأتُ أُقدّم له أوّلًا الروايك الكلاسيكيّة من عالمي الأصليّ.
“لم أفهمه أكثر من الكتب السابقة.”
“ما الذي لم تفهمه؟”
“من الغريب أن يقول إنه يحب روزالين، ثم يغيّر رأيه فورًا لمجرّد أن التقى جولييت.”
قرأتُ انطباعه وهو يشرح. حتى الآن، كان سييون يقيّم الروايات بموضوعيّة شديدة.
[خفّة في القلب تجعله ينسى روزالين التي أحبّها أصلًا، تهوّر في الحكم على الحبّ من المظهر فقط، حماقة في رمي النفس إلى الموت بسبب تقدير متسرّع للوضع.
لو استمرّ في حبّ روزالين لما وقعت هذه المأساة أصلًا.]
هذا ليس انطباعًا، بل مقالة ضدّ روميو!
“هل من المعقول أن يتغيّر الشخص الذي نحبّه؟ يجب أن يبقى الإعجاب الأوّل في القلب إلى الأبد.”
هزّ سييون رأسه بقوّة، كأنما يحمل ضغينة شخصيّة تجاه روميو.
بالنسبة إلى من احتفظ بحبّه الأوّل سنوات طويلة، فالأمر غير مفهوم بالمرّة.
“الحبّ يمكنهُ ان يتغيّر، يا سموّك.”
نظرتُ إليه ثم قلتُ الحقيقة بهدوء. الحبّ يتغيّر يومًا ما.
عندما ألمحتُ له بهذه الحقيقة البسيطة، توقّف فم سييون الذي كان يحتقر روميو.
“ربما كلمة ‘تغيّر’ ليست دقيقة. ليس أن مشاعره نحو روزالين بردت، بل أصبح يحبّ جولييت، هكذا أصحّ.”
“على أيّ حال، روزالين كانت أولى.”
“الحبّ ليس سباق، يا سموّك.”
“……”
يطبق سييون شفتيه حين ينزعج. عادة اكتسبها بعد أن منعته من الردود الجديدة.
“علاوة على ذلك، لم تكن هناك فرصة تقريبًا مع روزالين، أما جولييت فكانت أمامه مباشرة. الظروف لعبت دورها أيضًا.”
كتب سييون كلمة “الظروف” على الورقة. منذ أن شدّدتُ على أهميّة التدوين، صار يكتب أفكاره بين الحين والآخر.
“ركّز على حبّ البطلين الرئيسيين بدلًا من روزالين.”
“حبٌّهما أحمق جعلهما يفقدان بعضهما في أيّام معدودة.”
“يمكن اعتباره حبًّا رقيقًا لا يستطيع إبطاء نبضاته رغم علمه أن الحبّ يفتح أبواب المعاناة.”
نظر إليّ سييون طويلًا دون كلام، ثم كتب شيئًا.
امتلأت الورقة البيضاء بعلامات استفهام صغيرة مائلة، كأنها رسمها لا شعوريًّا.
“كان هناك خيارات أفضل كما تقول يا سموّك، لكن القلب سبق العقل.”
“عندما يسبق القلب التفكير هو حبّ من نوعٍ أخر؟”
“نعم. كلما ازداد حبّه لها، ازداد قلقه عليها، وازداد تسرّعه.”
رفع سييون حاجبًا واحدًا. وجهه يقول: لا يزال غير مقتنع.
“الحبّ لا يلتفت إلى الظروف ولا الشروط. العقل والحبّ لا يجتمعان.”
كتب سييون: العقل، الحبّ. خطٌّ أنيق بخلاف علامات الاستفهام المهتزّة قبل قليل.
“صعب الفهم، أليس كذلك؟”
سألته مبتسمة لوجهه الخالي من الحماس. توقّعتُ أن يومئ فورًا.
كنتُ أنوي أن أقول له: أتمنّى أن يأتيكَ يومًا حبٌّ رومانسيٌّ، أحمقٌ قليلًا، وأن أشجّعكَ من قلبي.
“لا. الآن فهمتُ. لماذا اختار الطريق الخطير رغم وجود خيارات أفضل.”
خالف توقّعي وهزّ رأسه. تمتم كأنه يحدّث نفسه بصوت منخفض:
“كان القلب الذي يحبّ هو الفائز في السباق. أحبّها أكثر من نفسه.”
بغباء، وبشقاء.
كانت الكلمة الأخيرة كأنفاسٍ خافتة. راقبتُ سييون الذي خفض عينيه بهدوء. جوُّه مألوفٌ وغريب في آن.
“لو استطاع أن يحبّ بعقلانيّة لكان الأمر أسهل. أن يكون الحبّ هو عدم القدرة على اختيار الطريق الآمن…”
هل يفكّر في حبّه الأوّل مجدّدًا؟ رفع سييون رأسه ببطء بعد أن غرق في التفكير.
“أتمنّى ألا ترتكبي آنيت مثل هذه الحماقات.”
لم يقل إنه هو لن يفعل، بل تمنّى ألّا أقع في الحبّ أصلًا.
أنا ما زلتُ في ريعان الشباب، وهو يريدني أن أعيش وحدي؟ أهذه لعنة؟
* * *
مرّة في الأسبوع، كان سييون يخوض اختبارًا مقابل “قسيمة أمنية”.
نطاق الاختبار كان المحتوى الأساسيّ الذي درسناه في الأسبوع، مع الروايات التي أعطيتها واجبًا.
وبفضل تطبيقه مشاهد من الروايات، لم يعد أداؤه بائسًا كالسابق.
التعليقات لهذا الفصل " 17"