1
الفصل 1 :
تركت الأم كلماتٍ تطلب فيها أن تعيش ابنتها بسعادة، ثم غادرت العالم.
أصبحت دوروثي يتيمةً في طفولتها، وحين بلغت الثامنةَ عشرة من عمرها خُطِبت.
كان خطيبها صديقَ طفولتها، واسمه تشارلز.
لكن مع مرور الوقت، بدأت تساؤلاتٌ مفاجئة تخطر في بالها.
هل يمكنها حقًّا أن تعيش بسعادة إن تزوّجت تشارلز؟
“هل تعلمين هذا؟ أنا الآن ثريٌّ! لم أعد ذلك القرويّ الصغير الذي يسيل أنفه.”
كانت السنةُ الماضية هي المرّة الأولى التي جاءت فيها دوروثي إلى سيلبرمز تبعًا لخطيبها تشارلز.
فبعد فترةٍ قصيرة من الخطوبة، ورث تشارلز إرثًا ضخمًا.
إذ انتقلت ثروةُ عائلةٍ لم يكن لها سوى بنات، بعد طول انتقال، لتصل أخيرًا إلى تشارلز.
ذلك الشاب الذي كان يعيش في غرفةٍ ريفيّةٍ متواضعة، أصبح في لحظةٍ واحدة وريثَ قصرٍ فخمٍ يملك حتى خدمًا.
“قلتُ لكِ يوم خطوبتنا، أليس كذلك؟ سأجعلكِ سعيدة.”
“أنتِ حقًّا محظوظة.”
كان يردّد هذه العبارة كعادته.
ومنذ ذلك الحين، بدأ سلوكه يتغيّر.
صار يُنفق المال بإسراف، ثم ما لبثت أن سمعت دوروثي أنّ لتشارلز عشيقةً سرّيّة.
“أشعر بالراحة معكِ، لكن هذا لا يعني أنّ قلبي يخفق.”
بل كان أحيانًا يصرخ في وجهها، أو يسخر منها بلا اكتراث.
“عندما أكون مع امرأةٍ أخرى أشعر بالإثارة، ويخفق قلبي بقوّة. لكن الغريب أنّ هذا لا يحدث معكِ.”
هل يمكن حقًّا أن تكون سعيدة إن تزوّجت تشارلز؟
وبالأحرى، لم تعد متأكّدة أنّ الزواج وحده سيجعل حياتها مميّزة.
وفي تلك الفترة التي كانت تغرق فيها في الحيرة، تحدّثت إليها والدة تشارلز، السيّدة مارت.
“يا دوروثي.”
“نعم، يا أمّي.”
“كلّما جلستُ معكِ، أشمّ رائحةً غريبة.”
“أيُّ رائحةٍ تقصدين؟”
“رائحة الريف.”
لكنّ دوروثي لم تفهم كلامها، فأمالت رأسها متحيّرة.
“هل تبرّزت بقرةٌ في الجوار؟”
“…….”
“هل أُغلق النافذة؟”
فرغم أنّ سيلبرمز مدينة، إلّا أنّها ليست العاصمة، وكانت الحقول والمواشي تمتدّ على طول الطريق المؤدّي خارجها.
ظنّت دوروثي أنّ بقرةً تجرّ عربةً قد خلّفت روثها، فسألت بأدب.
فبدت السيّدة مارت وكأنّها فقدت القدرة على الردّ، وأجابت بفتور.
“……لا.”
“حسنًا.”
ومع ازدياد فخامة الفساتين، ازدادت حدّة معاملة السيّدة مارت تجاه دوروثي.
في الماضي، كانت تحبّ إخلاص دوروثي لابنها، أمّا الآن فلم يعد الأمر كذلك.
‘مهما نظرتُ، أشعر أنّ ابني ثمينٌ أكثر مِمّا تستحقّ.’
رأت أنّ مستواهما لا يتناسب على الإطلاق.
ألن يكون من الأفضل أن تطمح قليلًا، وتزوّجه فتاةً مِن عائلةٍ نبيلة؟
شعرت أنّ زواج ابنها الوحيد من فتاةٍ ريفيّةٍ مثل دوروثي أمرٌ مؤسف.
وفي النهاية، نصحت السيّدة مارت دوروثي بفسخ الخطوبة.
وكان التوقيتُ مصادفًا، إذ كانت دوروثي نفسها تفكّر في أمر الزواج.
“هذا مال.”
“لماذا تعطينني المال؟”
تسلّمت دوروثي المال فجأة، فأمالت رأسها باستغراب.
فخلال عيشها مع حماتها المستقبليّة، أدركت دوروثي أمرًا واحدًا عنها.
وهو أنّ والدة تشارلز شديدةُ البُخل.
ولهذا، لم يكن من المعقول أن تعطيها مالًا لسببٍ شخصيّ دون غايةٍ كبيرة.
‘لا بدّ أنّها ستُكلّفني بأمرٍ خطير.’
ارتسمت الجديّة على وجه دوروثي.
“بهذا المال.”
“……هل تريدين تهريب المال؟”
فقد كانت هناك سابقةٌ تتعلّق بتهريب أموالٍ مرتبطة بأسهم.
سألت دوروثي بجدّيةٍ وهي متيقّنة أنّها ستُكلّف بالمهمّة ذاتها.
“ليس هذا.”
“إذًا، هل أذهب لسداد ديونٍ مؤجّلةٍ منذ عام؟”
“ليس هذا أيضًا.”
“آه، إذًا عليّ أن أسدّد المال الذي استدانه أقاربنا في مسقط رأسي، أليس كذلك؟”
“قلتُ لكِ لا!”
كحّ، كحّ.
تنحنحت السيّدة مارت بإحراج.
“أنا أتحدّث عنكِ، يا دوروثي. سأعطيكِ هذا المال، فافسخي خطوبتكِ من تشارلز.”
“فسخ الخطوبة؟”
ومن دون أن تعلم بما كان يجول في خاطر دوروثي تجاه ابنها، رفعت السيّدة مارت ذقنها وتحدّثت بتعالٍ.
“الشرط أن لا تعودي لاحقًا متوسّلةً أو متعلّقةً به.”
في تلك اللحظة التي قدّمت فيها المال، غمرت السيّدة مارت نشوةٌ لذيذة.
“أمر تشارلز انتهى بالفعل. كلّ ما عليكِ هو أن تأخذي المال وتغادري.”
ربّما ستجهش بالبكاء، وتمسك بذيل فستانها متوسّلة.
وعندها، ألن يكون من الممكن منحها مكانة عشيقةٍ على الأكثر؟
تخيّلت السيّدة مارت دوروثي راكعةً والدموع في عينيها.
لكنّ ردّة فعل دوروثي كانت على عكس كلّ توقّعاتها.
“أمّي! شكرًا لكِ جزيل الشكر على تفكيركِ بي إلى هذا الحد!”
“ماذا؟ متى قلتُ إنّي فكرتُ بكِ…….”
“أمّي!”
اقتربت دوروثي بوجهٍ متأثّر، وعانقت السيّدة مارت بقوّة.
“كحّ، كخ، خنقتِني. ما هذه القوّة في ذراعيكِ!”
وجدت السيّدة مارت نفسها محشورةً في حضنها، تختنق من شدّة العناق.
“ألم تسمعي ما قلتُه؟ أفسخي الخطوبة، ولا تفكّري أبدًا بالزواج من ابني مرّةً أخرى…….”
“لن أفعل.”
“ولا تتراجعي لاحقًا…….”
“حتى لو متُّ، لن أفعل.”
لم تفكّر دوروثي يومًا في فسخ الخطوبة.
ففسخها لم يكن أمرًا سهلًا، كما أنّها لم تكن تملك مالًا تعيش به وحدها.
لكنّ هذا العرض بدا لها مناسبًا جدًّا.
لن تضطرّ بعد الآن لأن تتألّم وهي ترى لتشارلز عشيقة.
وقبل كلّ شيء، شعرت بامتنانٍ عميق لأنّ السيّدة مارت بادرت بهذا الاقتراح من أجلها.
‘أليس هذا دليلًا على أنّها قرأت ما في قلبي، وقدّمت العرض قبل أن أطلبه؟’
“أمّي!”
“كحّ، لا أستطيع التنفّس.”
وظلّت دوروثي تعانق السيّدة مارت طويلًا، وقد غمرها التأثّر.
***
“شكرًا جزيلًا حقًّا، يا أمّي! تمنّياتي لكِ بالسعادة، ولتغمركِ البركة.”
بعد أن أخذت ظرف المال، جمعت دوروثي أمتعتها وغادرت بعد فترةٍ قصيرة.
وبالطبع، لم تنسَ أن تشكر السيّدة مارت.
“……اذهبي بسرعة.”
“لا تقلقي عليّ!”
ظنّت دوروثي أنّ الشحوب على وجه السيّدة مارت نابعٌ من الحزن.
ولذلك، لم تنسَ أن تعانقها مرّةً أخيرة قبل مغادرتها القصر.
وبعد وداعٍ مؤثّر، توجّهت دوروثي إلى المنزل الذي استأجرته حديثًا، وهي تشعر بالفراغ.
‘يجب أن أكتب لها رسالةَ شكرٍ لاحقًا.’
كانت ممتنّةً من صميم قلبها على لطف السيّدة مارت وكرمها الدافئ.
أن تنصحها بفسخ الخطوبة في اللحظة التي كانت تفكّر فيها بالزواج!
كم كانت مراعيةً لمشاعرها.
لم يكن المال الذي أعطته إيّاها كافيًا لحياةٍ مترفة، لكنّه كان أكثر من كافٍ لحياةٍ مريحة.
وبفضله، استطاعت للمرّة الأولى في حياتها أن تستأجر خادمةً، وأن تجد مسكنًا مؤقّتًا.
كان منزلًا حضريًّا أنيقًا في منطقةٍ حيويّة.
وأثناء تجوالها حول المنزل بإحساسٍ من الامتنان.
“عذرًا، يا آنسة.”
تقدّم رجلٌ أشقر، بعينين زرقاوين صافيتين، وهو يبتسم عند أطراف عينيه.
“إن لم يكن في الأمر إزعاج، هل يمكنكِ حمل القبّعة والعصا قليلًا؟”
كان كلامه مهذّبًا ونبرته راقية.
جسمه نحيل وطويل، ويرتدي بدلةً أنيقةً بلا أيّ تجعّد.
كان يبدو كنبيلٍ خرج من لوحةٍ فنيّة، مع قبّعةٍ ضيّقة الحافة وعصا.
“بالطبع.”
حين وافقت دون تردّد، شكرها وقدّم لها القبّعة والعصا.
ثم توجّه بخطاه إلى المنزل المجاور مباشرةً لمنزلها.
‘هل هو جارنا؟’
شعرت دوروثي بسعادةٍ خفيّة، ظنًّا منها أنّها التقت جارًا لطيفًا.
ولمّا شعر بنظراتها، ابتسم لها ولوّح بيده بهدوء أمام المدخل.
فلوّحت له دوروثي بدورها بحماس.
‘يا ترى أيُّ جارٍ هو؟ لا بدّ أنّه لطيفٌ ودافئ……!’
كوااانغ!
في تلك اللحظة، أخذ الرجل نفسًا عميقًا، ثم ركل الباب الأمامي بقوّة، ففتحه عنوة.
انهار الباب المتين بلا مقاومة، وارتفع الغبار في الهواء.
ففزع المارّة القريبون من الضجيج المفاجئ.
وتسمّرت دوروثي في مكانها من شدّة الصدمة.
كادت تشعر بأنّ قلبها سيقفز خارج صدرها.
“شكرًا لكِ، يا آنسة.”
اقترب الرجل الذي حطّم الباب منها وهو يبتسم، غير مبالٍ بنظرات الناس من حوله.
بل كان مشيه حيويًّا على نحوٍ غريب.
“فهذه قبّعتي وعصاي المفضّلتان.”
“آه، نعم.”
“لماذا هذا التعبير؟ هل أنتِ بخير؟”
اقترب منها بملامح قلقة.
تأمّلت دوروثي وجهه بذهول.
وعند التدقيق، لاحظت أنّ بياض عينيه ظاهرٌ بشكلٍ ملحوظ.
“قد يكون من الحكمة أن تزوري طبيبًا للاطمئنان.”
بدا وكأنّه لم يخطر بباله إطلاقًا أنّ تحطيمه للباب هو سبب فزعها.
“إذًا، شكرًا لكِ.”
لوّح لها بيده، وتركها مذهولةً، ثم دخل منزله المجاور.
═════• •✠•❀•✠ •═════
الترجمة: فاطمة
أنستا: fofolata1 ✿
التعليقات لهذا الفصل " 1"