***
ابتسمت كلوديل ابتسامةً بريئة.
“إنه ليس شيئًا مُريبًا. إذا كان الأمر يُقلقكِ، يمكنكِ التحقّق منها مُسبقًا، وإذا لم ترغبي في ذلك، فيمكنكِ التخلّص منها.”
“…….”
لقد كانت في وضعٍ استلمت فيه بالفعل تبرّعًا ماليًا.
وإذا كانت تسمح لها بفتح الرسالة، فلا بد أن محتواها ليس مهمًّا إلى هذا الحد.
علاوةً على ذلك، حتى أنها حصلت على تأكيدٍ بأنه يمكنها التخلّص منها إن شاءت.
في النهاية، سحبت رئيسة الدير الرسالة بيدٍ متردّدة.
“قد لا أُوصلها.”
“بالتأكيد. افعلي ما يناسبكِ.”
أجابت كلوديل باستعداد، ونهضت من مقعدها بخفّة. ثم أضافت وكأنها تذكّرت شيئًا للتوّ.
“آه، هل يمكنني الحصول على بضع علبٍ من المربّى؟”
“المربّى؟ ليس الأمر صعبًا ولكن …”
“من فضلكِ. سأدفع الثمن كاملاً.”
في تلك اللحظة، شكّت رئيسة الدير ما تراه عيناها.
لم يعد هناك أثرٌ للسيدة النبيلة الذكيّة التي كانت أمامها حتى لحظةٍ مضت.
بوجهٍ يشبه وجه آنسةٍ صغيرةٍ غارقةٍ في حبّها الأول، لا تعرف ماذا تفعل، أنهت كلوديل كلامها بصوتٍ خجول.
“إنه لذيذٌ حقًا، لذا أردتُ مشاركته مع الدوق.”
***
في طريق العودة إلى قلعة الدوق.
نظرت بينيلوبي إلى كلوديل بنظرةٍ خاطفةٍ ثم أطبقت فمها بهدوء.
‘اممم، يجب أن أبقى هادئة.’
هذا طبيعي، لأن كلوديل الآن كانت غارقةً في أفكارها.
ضاقت عيناها الزرقاوتان.
‘من المرجّح أن الأخت أنتونيا، الراهبة الرئيسية، موجودةٌ في كونتية فريزر.’
عادةً ما تُرسل الكنيسة بشكلٍ دوريٍّ كاهنًا رئيسيًا لنقل الحبوب نيابةً عن الكونتية إلى العائلة المالكة.
وترافقه في مرافقته الراهبة الرئيسية.
وعادةً ما يبقى لمدّة نصف عامٍ للقيام بمهامٍ مختلفة.
وهذا يعني أنه يمكن زيارة الكونتية بشكلٍ طبيعيٍّ بحجّة مقابلة أنتونيا.
وأيضًا.
‘أنتونيا امرأةٌ طموحة.’
عدم العدالة المتمثّلة في ضرورة مرافقة الراهبة للكاهن رغم أن كلاهما في منصبٍ رئيسي.
التمييز والازدراء الصريحان.
كما أن طبيعة أنتونيا لا تتحمّل مثل هذه اللا معقولية.
‘على الأقل … سوف تنظر في اقتراحي.’
كان الأمر كذلك أيضًا في حياتها الماضية.
كانت أنتونيا مستاءةً جدًا من الوضع الحالي في الكنيسة حيث يتم التقليل من شأن الراهبات، وحاولت إصلاحه بأيّ طريقة.
رغم أنها فشلت.
‘والثمن الذي يجب دفعه لجعل أنتونيا شريكة …’
نظرت كلوديل بهدوءٍ إلى وعاء المربّى الذي تحمله في يدها.
تحرّكت يداها البيضاء بهدوءٍ وهي تتلمّس وعاء المربّى.
في نفس الوقت، ارتسمت ابتسامةٌ عريضةٌ على شفتيّ كلوديل.
‘لم أكن أعلم أن حلّاً لم أكن أتوقّعه سيظهر.’
مربّى الفواكه من دير سانت باسيليكا.
من خلال هذا المربى، يمكن تحقيق الكثير. رينهاردت أيضًا …
‘بالمناسبة، هل سيحبّ الدوق المربّى؟’
شعّ دفءٌ خفيفٌ في عينيها الزرقاوتين الباردتين طوال الوقت.
‘بالطبع، يبدو أنه لا يستمتع كثيرًا بالأطعمة الحلوة، ولكن هذا لذيذٌ حقًا.’
كانت لا تزال ترغب في جعله يتذوّقه ولو لمرّةٍ واحدة.
‘ما أفعل بحق الجحيم، إنه ليس طفلًا.’
احمرّوجه كلوديل، لا إراديًّا.
ولكن كانت يداها لا تزالان تمسكان بوعاء المربى بتقدير.
***
غادرت دوقة فالديمار لمكتب الدير.
بعد توديع الدوقة، فتحت رئيسة الدير أخيرًا مظروف الرسالة التي تركته.
ظهرت ورقة رسالةٍ مكتوبةٍ بخطٍّ أنيقٍ وكثيف.
[إلى الأخت أنتونيا، الراهبة الرئيسية الموقّرة.
مساء الخير، أيتها الراهبة الرئيسية.
إنها المرّة الأولى التي أتوجّه إليكِ فيها برسالة.]
اشتعل بريقٌ ساطعٌ من عيني رئيسة الدير وهي تفحص محتوى الرسالة.
[في الآونة الأخيرة، بسبب شعوري بالمسؤولية كمضيفة الدوقية، لدي رغبةٌ في البوح والاستشارة مع شخصٍ ما.
سمعتُ أن الراهبة الرئيسية واسعة المعرفة.
هل يمكنني أن آتي لمقابلتكِ وأطلب إرشادكِ؟
على أيّ حال، يجب أن تكون هناك جوانبٌ متشابهةٌ بين مسؤوليات الكنيسة التي تتحمّلينها كراهبةٍ الرئيسية، ومسؤوليات السيدة النبيلة.
أتمنى أن أتمكّن من مقابلتكِ والاستمتاع بسعادة وضع الأعباء الثقيلة على عاتقي ولو لوقتٍ قصير.]
كان هناك سببٌ لثقة الدوقة فالديمار عندما قالت أنه يمكنها التحقّق من المحتوى مسبقًا.
‘حسنًا، إنه حقًا ليس محتوى مُريبًا.’
نظرت رئيسة الدير إلى الرسالة بوجهٍ غامض.
كما أن عدم توصيل الرسالة التي طلبتها الدوقة بنفسها كان مزعجًا بعض الشيء.
وأيضًا.
‘… يبدو أن استغلال هذه الفرصة للتواصل مع نبيلةٍ مؤثرةٍ مثل الدوقة سيكون جيدًا.’
معاملة الراهبات سيئةٌ جدًا مقارنة بالكهنة.
إذا أصبحت علاقتهم بالدوقة وثيقة، فمن المؤكّد أن وضع الدير سيكون أفضل مما هو عليه الآن.
الأهم من ذلك، إذا كان بإمكانهن التواصل مع عائلة دوق فالديمار بشكلٍ منفرد …
‘لن نضطرّ بعد الآن إلى الخضوع للكهنة.’
بعد تردّدٍ طويل، استدعت رئيسة الدير في النهاية إحدى الراهبات.
“هذه الرسالة، قومي بتوصيلها إلى الأخت أنتونيا، الراهبة الرئيسية.”
***
حلّ الظلام على قلعة الدوق.
ولكن كان هناك مكانٌ واحدٌ لم تنطفئ أنواره بعد.
كان ذلك في مكتب دوق فالديمار.
تحت الضوء الساطع، كان صوت تقليب الأوراق يُسمَع بشكلٍ متقطّع.
“هااه.”
أشاح راينهارد، الذي كان يُمعن النظر في الوثائق، بنظره بعيدًا وضغط على جبهته.
كانت عيناه متعبتان من التحديق في الأوراق لفترة طويلة.
في نفس اللحظة التي كان يدلّك فيها كتفيه المتعبين.
طرق، طرق
دقّ الباب بطرقٍ قصيرة.
‘مَن هذا؟’
رفع راينهاردت رأسه بنظرةٍ متسائلة.
في نفس الوقت، سمع صوتًا من خارج الباب.
“دوق، هل أنتَ هناك؟ إنها أنا كلوديل.”
“كلوديل؟!”
تفاجأ راينهاردت، فنهض وفتح الباب فورًا.
“هـ هذا ط، أحضرتُ لكَ لتأخذ استراحة.”
حيّته كلوديل بحرج حين التقت عيناها بعينيه.
كانت تحمل صينيةً عليها كوب شايٍ وإبريق، ووعاء مربّى.
“كلوديل.”
تلقّى راينهاردت الصينية من يدها بوجهٍ مرتبك.
“ظننتُ أنكِ نمتِ بالفعل.”
بدلاً من الإجابة، ابتسمت كلوديل لراينهاردت ابتسامةً خجولةً ونظرت إليه.
“ماذا عن الدوق، ألن تنام أنتَ أيضًا؟”
“في الواقع، لم أنتهِ من الاطّلاع على جميع الأوراق بعد.”
أجاب راينهاردت بوجهٍ مُتعبٍ على الفور. اتسعت عينا كلوديل.
“هل هناك ما يمكنني فعله من أجلك؟”
“لا، لا بأس. لقد انتهيتُ من معظمها تقريبًا.”
“…….”
عبس وجه كلوديل قليلاً عند سماعها هذه الإجابة.
في هذه الأثناء، شعر راينهاردت أنه يفهم شعور كلوديل إلى حدٍّ ما.
‘هل تعتقد أنني لا أثق بها؟’
إذا كانت تعتقد أنه لم يعرض عليها الأوراق لأنه لا يثق بكلوديل …
فتح راينهاردت فمه بحذر.
“كلوديل.”
“نعم؟”
“أنا لا أفعل هذا لأنني أعتقد أن قدرتكِ على القيام المَهام غير كافية، أو لأنني أشكّ فيكِ.”
في نفس الوقت، ارتعشت كلوديل.
كبح راينهاردت، الذي كان يشاهد هذا المشهد، تنهيدةً كانت على وشك الخروج بشدّة.
يبدو أنه أصاب نقطةً حساسة.
“أنا أفعل ذلك فقط لأنني لا أريدكِ أن تُرهقي نفسكِ. هل فهمتِ؟”
“هذا… نعم.”
أومأت كلوديل برأسها، بينما كانت تحاول قول شيءٍ ما.
أخيرًا، أشرق وجهها قليلًا. غيّر راينهاردت ضاحكًا الموضوع.
“بالمناسبة، ما هذا؟”
وقعت عيناه البنفسجيتان على الصينية التي أحضرتها كلوديل.
أمسكت كلوديل، التي ارتسمت على وجهها حُمرة، بوعاء المربّى بسرعة.
“آه، هذا؟ يقال إنه مُربّى يصنع في دير باسيليكا. إنه لذيذٌ جدًا لذا أحضرتُ وعاءً.”
“هل هو لذيذٌ إلى هذا الحد؟”
عند هذا السؤال، أومأت كلوديل برأسها بسرعةٍ وابتسمت ابتسامةً عريضة.
“نعم. لذا أعتقد أنه سيكون جيدًا أن تتذوّقه أنتَ أيضًا، سعادتك.”
“…….”
للحظة، فاض قلب راينهاردت بالعاطفة.
هذا يعني.
أنها أحضرته عمدًا لأنها أرادت أن تجعله يتذوّق المربّى اللذيذ.
واصلت كلوديل حديثها بلطف.
“والآن وقد حان وقت النوم … لذا أردتُ أن يسهّل عليكَ النوم ولو قليلاً.”
“هذا …”
“يقال إن شرب الحليب الدافئ يساعد على النوم بشكلٍ جيد.”
سكبت كلوديل الحليب في الكوب.
داخل الكوب المتصاعد منه البخار الساخن، وضعت ملعقةً كبيرةً من المربّى.
عندما حرّكته بالملعقة، ذابت قطع التوت البري مع صوتٍ خفيف.
“تفضّل.”
دفعت كلوديل الكوب نحو راينهاردت.
لعب راينهاردت بالكوب للحظة، غارقًا في أفكاره، قبل أن يتكلّم.
⋄────∘ ° ❃ ° ∘────⋄
ترجمة: مها
انستا: le.yona.1
التعليقات لهذا الفصل " 32"