1 - النبوءة الأخيرة.
1. النبوءة الأخيرة.
“لو سمحت…”
انتحبت امرأة.
كان السيفُ مغروساً في صدرها. سال الدم البارد على النصل، مشكلاً بركة قرمزية داكنة على الأرض.
خطوة– خطوة…
اقترب شخص ما من المرأة الساقطة.
كانت تعرف من هو بالفعل. وبينما كانت تنظر إلى الأعلى، كان الضوء ساطعاً للغاية – كأنها تحدق مباشرةً في الشمس.
كانت عيناه ذهبيتين مبهرتين، شديدتي الإشراق بحيث لا يستطيع أي إنسان النظر إليهما مباشرة.
تأوهت المرأة كما لو أن عينيها تحترقان.
“أرجوك… ارحمني. لا تدعني أموت هكذا.”
كان صوتها الضعيف مفجعاً، غارقاً في مشاعر جياشة.
ارتجف معصمها الرقيق كغصنِ زهرةٍ وهي تتمسك بحافة ثوب الرجل.
“لا تبتعد عني. أنا قدركَ ، أنت فقط لا تدرك ذلك بعد.”
لم تصل إليه مناشدتها اليائسة.
نظر الرجل إلى المرأة النازفة بعيون باردة خالية من المشاعر.
“لا، لا يمكن أن يكون هذا قدراً. أنتِ لستِ قدري.”
كانت كلماته قاسية.
وأخيراً، فهمت المرأة.
لم يحبها قط – ولا حتى مرة واحدة.
حتى لو ماتت أمام عينيه مباشرة، فلن يتغير قلبه.
“إذا كان هذا كل ما لديكِ لقوله….”
بعد تلك الكلمات الأخيرة، استدار الرجل ومشى بعيداً.
كانت هيئته المنسحبة قاسية لا ترحم. وكان لامبالاته حتى النهاية بنفس القدر من الوحشية.
لقد كان عديم الرحمة منذ البداية.
نهضت المرأة مترنحة على قدميها، ترتجف بشدة وهي تستجمع قواها الأخيرة.
“لا يمكن أن يكون هذا…”
أزال الشك اللون من وجهها. وتحول تعبيرها إلى تعبير جامد وهي تتمتم بيأس.
“من المفترض أن تحبني… هذا هو قدرنا.”
عندها أغمضت عينيها وانهارت.
بقي اعترافها المهجور، ملطخاً وجهها الشاحب برائحة الدم النتنة.
{الصورة التوضيحية }
❈❈❈
آه……!
هنا انتهى الحلم.
فتحت راسِيليا فمها مطلِقةً أنينًا بلا صوت، ثم فتحت عينيها ببطء.
” سيدتي راسِيليا؟ هل أنتِ بخير؟”
سألتها فلوتا التي كانت تجلس إلى جوارها.
في تلك اللحظة، كانت راسِيليا في طريقها على متن العربة، ولا يرافقها سوى حارسة الأحلام وحدها. كانت قد أغمضت عينيها قليلًا داخل العربة، ويبدو أنّها غفت فرأت ذلك الحلم.
” نعم… أنا بخير.”
رفرفت رموش راسِيليا التي ابتلّت بعرقٍ بارد.
كان الحلم شديد الوضوح إلى درجة جعلت الواقع يبدو ضبابيًا، وكأن نصف وعيها ما يزال غارقًا داخله.
فما كانت تراه الآن لم يكن فلوتا التي تنظر إليها بقلق، بل تلك العينان الذهبيتان الباردتان اللتان بثّتا في جسدها قشعريرة مرعبة.
كانتا كحدِّ نصلٍ مغروس في صدرها، فشدّت على أسنانها دون وعي.
“هل كنتِ تحلمين؟”
كانت راسِيليا مَبعوثة مملكة ديلارتا.
كانت ترى رؤية عن المستقبل من خلال أحلامها. وكانت رؤاها تمر عبر حُرّاس الأحلام، ثم تُختم في المذبح لتصبح وحيًا.
‘ لقد حلمتُ… لكن لا أظنّه كان نبوءة.’
فالنبؤة كانت دومًا واضحة؛ تُري ما سيحدث، ليُتاح الاستعداد له.
أما ما رأته الآن، فكان أناسًا لا تعرفهم، يتحدثون عن أمور لا تمتّ لمملكة ديلارتا بصلة، وهذا لا يمكن أن يكون نبوءة.
“هل ترى السيدة راسِيليا أحلامًا عادية أيضًا؟”
” يبدو ذلك. لكن… إلى أين وصلنا الآن؟ هل ما زال الطريق طويلًا؟”
قالت ذلك وهي تحاول كبح قلقها، ثم نظرت من نافذة العربة.
قبل أن ترى ذلك الحلم الغريب الذي ظهر فيه رجل ذو عينين ذهبيتين، كانت راسِيليا قد شهدت نبوءة مروّعة قادرة على قلب مملكة ديلارتا رأسًا على عقب.
كانت قد رأت الأمير الثاني ريكاردو يقطع رأس الإمبراطور.
ما إن انتهى الحلم حتى سارعت راسِيليا إلى ختمه في المذبح، وأرسلت رسالة عاجلة إلى الإمبراطور.
الشاهد الوحيد كان فلوتا. فقد كانت النبوءة بالغة الخطورة، لدرجة أنها لم تجرؤ على إخبار أحد آخر بها. ففي المعبد العظيم حيث تقيم راسِيليا، كان هناك عدد غير قليل من أتباع الأمير ريكاردو. لم يكن بالإمكان الوثوق بأحد.
لكن رغم إبلاغها عن وجود نبوءة عاجلة، لم يصلها أي رد من القصر الملكي. وفي النهاية، قررت راسِيليا أن تذهب بنفسها إلى الإمبراطور.
نادرًا ما يغادر المَبعوث المعبد بنفسه. ومع ذلك، خرجت راسِيليا سرًا دون علم الكهنة، ولم يكن على علم بوجهتها سوى فلوتا، التي رافقتها منذ الطفولة بوصفها حارسة أحلامها، وسائق العربة فقط.
” سيدتي راسِيليا… ألم يسبق لكِ أن رغبتِ في النظر إلى المرآة؟”
سألت فلوتا فجأة، بلا مقدّمات.
” ماذا…؟”
استدارت راسِيليا من النافذة نحوها.
” لماذا تسألين ذلك؟ “
لم تتفادَ فلوتا نظرتها، بل قابلتها مباشرة.
لم تكن جالسة باعتدال كعادتها، بل كانت ترفع قدميها قليلًا، وتلف خصلة من شعرها حول إصبعها. بدا مظهرها غريبًا على غير عادته.
” كنت أتساءل دائمًا… كيف لا يراودك الفضول بشأن مظهرك؟ أعني، أنتِ مبعوثة، لكنكِ في النهاية امرأة أيضًا.”
” النظر في المرآة لا علاقة له بالنبوءة. ثم إنكِ أنتِ من يتكفّل بمعظم تلك الأمور.”
“نعم، صحيح. ولهذا كنت أكره الأمر. إن كان جمالكِ بهذه الدرجة من التفاهة في نظرك، فكان الأجدر أن تمنحيني إيّاه أنا.”
“…لماذا تقولين هذا يا فلوتا؟”
ارتسمت على وجه فلوتا ابتسامة غريبة، باردة، تنذر بالسوء.
“أردتُ فقط أن تعرفي. حتى لا تشعري بالظلم كثيرًا حين تموتين.”
” تموتين…؟”
ما الذي كانت تقصده فلوتا؟
منذ أن كانت صغيرة، لم يكن لراسِيليا أهل ولا أصدقاء. كانت فلوتا هي كل ذلك بالنسبة لها.
ولهذا لم تستطع فهم ما تقوله الآن. فلوتا التي أمامها بدت كأنها شخص آخر، شخص لم تعرفه من قبل.
“فلوتا… ما الذي يجري؟ هل أنتِ غاضبة مني؟ هل ارتكبتُ خطأً ما؟”
قهقهت فلوتا فجأة.
“أخطاء؟ ارتكبتِ الكثير منها. أولها أنكِ مبعوثة، وأنا مجرد حارسة أحلام حقيرة. يسمّونني حارسة، لكنني في الحقيقة لا أختلف عن خادمة. والأسوأ من ذلك أنكِ لم تحاولي يومًا حتى استخدام القوة التي تملكينها حقًا.”
وفي اللحظة التالية، اختفت الابتسامة من وجه فلوتا كما لو أنها مُسحت تمامًا.
“كنتُ أريد كل ذلك… كل ما تملكينه أنتِ.”
” فلوتا…”
لم تعرف راسِيليا ماذا تقول. فالمشاعر التي كُشفت أمامها للمرة الأولى كانت موجعة حدّ الاختناق.
وفي اللحظة التي عضّت فيها شفتها…
!!–
توقّفت العربة فجأة بعنف.
آه!
كادت راسِيليا أن تسقط إلى الأمام.
” يبدو أننا وصلنا.”
قالت فلوتا وقد تبدّل تعبيرها تمامًا.
ثم فُتح باب العربة بعنف.
“ماذا……؟!”
شحب وجه راسِيليا فجأة.
فالذي فتح باب العربة لم يكن سوى الأمير ريكاردو نفسه.
“وصلتِ في الوقت المناسب تمامًا، يا صاحبة السمو.”
قالت فلوتا مبتسمة ابتسامة مشرقة.
ضربها إدراك الحقيقة كصفعة قاسية.
“فلوتا… لا تقولي إنكِ…؟”
لقد خانتها. فلوتا هي من أفشت الطريق السري الذي تسلكه، وأخبرت الأمير ريكاردو بوجهتها. ولا بدّ أنها أخبرته أيضًا بمضمون النبوءة.
“قلت لكِ، أليس كذلك؟ أردتُ فقط أن لا تموتي وأنتِ لا تعرفين شيئًا. أليس من الأفضل أن تموتي وأنتِ على علم بالحقيقة بدلًا من الجهل؟”
تقدّم الأمير ريكاردو وأمسك بذقن راسِيليا بقوة.
“هاه، يا لها من مصادفة… أن ألتقي بمبعوثة ديلارتا الجميلة هكذا.”
كانت قبضته قاسية إلى حد شعرت معه أن عظم فكّها سيتحطم.
“ارفع يدك… أنا مبعوثة المعبد.”
قالت ذلك وهي تكتم ألمها.
ابتسم ريكاردو ابتسامة مشوّهة.
وفي تلك اللحظة، بدا وجهه ووجه فلوتا متشابهين على نحوٍ مريب، كأنهما توأمان.
“سمعتُ أنكِ تنبأتِ بأنني سأقطع رأس أخي؟ ولهذا كنتِ مسرعة لإبلاغه؟ لا بدّ أنكِ كنتِ تتساءلين عمّا سيفعله حين يعلم، أليس كذلك؟ سيبادر بقطع رأسي أولًا، أليس كذلك؟”
“ذلك لأن الرب يحمي مملكة ديلارتا…!”
لكن ريكاردو شدّ قبضته حول عنقها بقسوة، فقطع عنها أنفاسها.
“اسمعي جيدًا، أيتها النبية الجميلة. القرار الآن بيدك. إما أن تموتي هنا، أو تعيشي. إن أردتِ النجاة، فعودي إلى المعبد بهدوء، واصمتي إلى الأبد. سأقتل أخي وأعتلي العرش كما تنبأتِ. وعندها… قد أُخرجكِ من ذلك القبر المسمّى معبدًا. وإن كان لهذا الوجه ثمن، فقد أجعلكِ إحدى محظياتي.”
بدأت الرؤية تظلم أمام عينيها، ورأت فلوتا تحدّق بها بوجه متشنّج.
“لا جدوى من ذلك، يا سمو الأمير. راسِيليا لن تتعاون أبدًا. إنها عنيدة إلى حد لا يُحتمل.”
لم يلتفت ريكاردو إلى كلامها.
“إذًا اختاري. إما الموت هنا، أو الحياة.”
“……”
أجبرت راسِيليا عقلها على التفكير.
يجب أن تهرب. يجب أن تُحذّر الإمبراطور من خيانة الأمير.
لكن كيف؟
“لا بد أن أكذب… سأسايره، ثم أجد طريقة…”
لم يكن هناك خيار آخر. فلوتا خانتها، وسائق العربة إما قُتل أو كان متواطئًا.
“…لا أريد أن أموت.”
ابتسم ريكاردو بسخرية.
“إذًا لا ترغبين في الموت ، أليس كذلك؟ حسنًا…”
في تلك اللحظة—
“إنها تكذب.”
جاء الصوت من الجانب، ثم شعرت راسِيليا بألم حاد يخترق خاصرتها.
“ماذا تفعلين؟!”
صرخ ريكاردو.
كانت فلوتا هي من طعنتها.
“آه…!”
اجتاحها ألم حارق، وكأن النار اشتعلت داخل جسدها.
ربما لأن المشهد شابه ما رأته في الحلم، اختلط عليها الواقع بالخيال.
“لا تصدقها، سمو الأمير. أنا أعرف راسِيليا أكثر من أي أحد. لن تتعاون معك أبدًا. من الأفضل أن تقتلها الآن.”
طُعنت مرة أخرى.
كانت الطعنة هذه المرة أعمق، أكثر قسوة.
“فلوتا… أنتِ…”
مدّت راسِيليا يدها نحوها، لكن فلوتا لم تنظر إليها حتى. كانت تنظر إليها كما يُنظر إلى جثة.
“تبًّا… هكذا إذًا.”
سحب ريكاردو السكين من جسدها، فتدفّق الدم بغزارة.
“ارمِيها.”
أمسك بذراع فلوتا وسحبها نحو باب العربة.
ألقت فلوتا نظرة أخيرة على راسِيليا المضرّجة بالدم.
“وداعًا، يا سيدتي. لن نلتقي مجددًا.”
“فـ… لو… تا…”
أُغلق الباب بقوة.
ثم دوّى صوت الطَرق.
“ارموا العربة من فوق الجرف، واجعلوا الأمر يبدو كحادث. وتخلّصوا من السائق أيضًا.”
“أمرك، سمو الأمير.”
لا… لا… يجب أن أنهض… يجب أن أُخبر الإمبراطور … يجب…
حاولت راسِيليا تحريك أصابعها، لكن جسدها لم يستجب.
ثم—
دحرجت العربة من على الحافة.
❈❈❈
“لقد وصلت.”
“نعم، وصلت.”
“إذًا… نبدأ؟”
كان الهمس يحيط بها من كل جانب.
فتحت راسِيليا عينيها بصعوبة.
كان أول ما رأته ضوءًا ساطعًا.
“……؟”
كان المكان مضيئًا على نحو لم تعهده من قبل.
“هل… أنا ميتة؟”
رفعت نظرها بتثاقل.
النافذة أمامها كانت مزخرفة بإتقان، تتسلل منها أشعة ضوء ذهبية، وعلى حافتها وقفت طيور غريبة لم ترَ مثلها من قبل.
“كااا… كيك… تشيك…”
“…هل تتكلمون؟”
تساءلت بصوتٍ واهن.
وفي تلك اللحظة—
“جلالتكِ، هل استيقظتِ؟”
“……؟”
مالت راسِيليا برأسها بارتباك.
من… أي جلالة؟

♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪ ─┄── ♡ ֪ ࣪
رابط قناة التلجرام لنشر الفصول كملفات+تسريبات وإعلان:https://t.me/AMYNOVELS
حسابي على الإنستا:@empressamy_1213
حسابي على الواتباد: @Toro1316
ترجمة: ✧𝐀𝐌𝐘✧
Chapters
Comments
- 3 - موتُ القمرِ ² منذ 3 أيام
- 2 - موتُ القمرِ ¹ منذ 3 أيام
- 1 - النبوءة الأخيرة. منذ 3 أيام
التعليقات لهذا الفصل " 1"