1 - الضيفة غير المدعوة
الفصل 1 : الضيفة غير المدعوة
كان قاعة الزفاف مزينة بكل ما هو نادر وثمين، كما يليق بمكانة عائلة لوفيرو الشهيرة.
لم تكن الأعمال الفنية لنحاتين مشهورين فحسب، بل كانت الجدران والسقف مليئة بالأضواء المتلألئة والزهور الطبيعية الكبيرة اليانعة في كل مكان.
جذبت الأزهار الغريبة، التي نادرًا ما تُرى في الإمبراطورية، أنظار الكثيرين.
وعلى الطاولات، كانت هناك أوانٍ وشمعدانات مصنوعة من الذهب، مع قطع وسطية فاخرة مزينة بالزهور الطازجة.
‘أجمل مما قيل عنه في الإشاعات.’
جلست فيليا في أقصى ركن من مقاعد المدعوين، وهي تُطلق تعليقًا داخليًا مندهشًا.
نظرت إليها بعض السيدات الجالسات بالفعل بنظرات خاطفة وجانبية.
وجه غريب، ومظهر بسيط… لا بد أنها نبيلة ريفية حصلت على دعوة بالصدفة وجاءت إلى العاصمة للاستمتاع، هكذا ظنن، ففقدن الاهتمام بها سريعًا.
بينما كانت معظم المدعوات يتزينن بفساتين مبهرجة ومجوهرات باهظة لإظهار مكانتهن وثروتهن، كانت فيليا ترتدي ثوبًا كريمي اللون بسيطًا ومتواضعًا.
الزينة الوحيدة على فستانها كانت شريط الدانتيل المرصع باللؤلؤ على أطراف الأكمام، وكانت ترتدي قبعة تغطي شعرها بالكامل فلا يكاد وجهها يظهر بوضوحٍ.
ربما الشيء الوحيد اللافت قليلاً هو القفص الصغير الذي تمسكه بيدها.
كان القفص مغطى بقماش أبيض ناصع، فلم يعرف أحد ما بداخله، ومع ذلك لم يثر ذلك اهتمام السيدات كثيرًا.
‘لا بد أن بداخله حيوان أليف عادي لا يستحق النظر، مثل مظهر صاحبتهِ.’
هكذا فكرن، ثم عدن للثرثرة.
“هل سمعتن عن القصة؟ عن السيد بيرسون؟”
ما إن ذُكر اسم السيد بيرسون حتى لمعت أعين السيدات بالفضول.
“يا للأسف… أنفق خمسة آلاف مارك!”
قالت سيدة ترتدي فستانًا أصفر، وهي ترفع مروحتها لتغطي فمها. وراء المروحة، رسمت شفتاها ابتسامة مقوسة.
“وإذا أضفنا الغرامة التي فرضها سمو الأمير لينوس، فهذا يعني أنه أنفق خمسة آلاف وخمسمئة مارك على تبني قطة!”
تدخلت فيليا فجأة في الحديث وهي تستمع بهدوء.
اتسعت أعين السيدات عند سماع «خمسة آلاف وخمسمئة مارك». وسألت إحداهن بدهشة:
“ماذا؟ هل فُرضت عليه غرامة خمسمئة مارك فعلاً؟”
“إنه شخص صارم جدًا. وفوق ذلك، كانت قدَ خُودع بإنها قطةٌ من عرق السوين.”
انتشرت قصة السيد بيرسون السخيفة – أنه خُدع من تاجر عبيد ودفع خمسة آلاف مارك لتبني قطة – في العاصمة حتى لم يعد هناك من لا يعرفها.
غطت السيدات أفواههن وكتمن ضحكاتهن بصعوبة.
في الآونة الأخيرة، صار تربية الحيوانات الأليفة موضة في العاصمة. كانت تُعامل كإكسسوار نوعًا ما، وكلما كانت أكثر ندرة وأغلى ثمنًا، زاد فخر صاحبها بها.
ومن بينها جميعًا، كان عرق السوين هو مصدر الفخر الأكبر بلا منازع.
وخاصة صغار السوين الذين لم يكتمل تحوّلهم البشري بعد؛ فقد كان مظهرهم اللطيف سببًا، لكن السبب الأهم هو سهولة ترويضهم وهم صغار.
السوين غير المروَّض لا يُبدي ولاءً لصاحبه، وبالتالي تنخفض قيمته كسلعة.
عرق السوين مِلك للإمبراطورية الملكية؛ يُربَّون تحت إشراف القصر حتى يبلغوا سن الرشد. لذلك لا يمكن لأي شخص أن يمتلكهم.
السوين المربون بهذه الطريقة يُقدَّمون كهدايا دبلوماسية، أو يُمنحون كمكافآت لمن قدموا خدمات جليلة للإمبراطورية.
بمعنى آخر، هم امتياز لا يناله إلا قلة مختارة من قبل العائلة الإمبراطورية.
والناس دائمًا يشتاقون أكثر لما لا يستطيعون امتلاكه.
ومع انتشار موضة تربية الحيوانات الأليفة في العاصمة، تصاعد الشغف بعرق السوين بشكل متزايد.
ومن الطبيعي أن يستغل البعض هذا الشغف ليبدأوا بتجارة غير رسمية للسوئين عبر قنوات سرية.
للأسف، كانت معظم هذه الصفقات – مثل حالة السيد بيرسون – مجرد نصب واحتيال.
“أوه! يبدو أن الحفل على وشك البدء.”
عند صيحة إحداهن، توقفت السيدات عن الكلام فجأة، واستدرن لينظرن نحو الباب.
بدأت الأوركسترا التي كانت تنتظر في الجهة الأخرى بالعزف، فامتَلأت القاعة بلحن مهيب. ثم فُتح الباب.
تحت الأضواء، ظهر رجل.
بطل هذا الزفاف: راسكال لوفيرو.
“يا إلهي…!”
ما إن ظهر حتى انطلقت همهمات إعجاب قصيرة من هنا وهناك.
لم يكن هناك امرأة في الإمبراطورية بأسرها لا تتوق إليه؛ كان يمتلك جمالاً ساحرًا.
ملامح متناسقة تمامًا، شعر وعينان يشعان بلمعان خافت كضوء القمر – كل ذلك جعل الكثيرين يتوقون إليه.
ولم يكن هذا كل شيء.
هو الوريث المقبل لعائلة لوفيرو، العائلة الأولى في الإمبراطورية منذ تأسيسها وحتى اليوم دون انقطاع.
وأمه، السيدة صوفيا، تنتمي للعائلة الإمبراطورية. وإن كان ترتيبها في الوراثة منخفضًا، فإن راسكال نفسه يحمل – نظريًا – أهلية أن يصبح وريثًا للعرش.
“كنت أراه زوجًا مثاليًا لكلارا… لكنني استسلمت مسبقًا لأنني ظننت أنه مستحيل. لو كنت أعلم، لكنت حاولت على الأقل.”
نظرت إحدى السيدات إلى راسكال وهو يسير بخطوات راقية، ثم شربت كأس شمبانيا كمن يحاول تهدئة ألم داخلي.
“عائلة باندانسون، أليس كذلك؟”
“أظن أن هذا هو الاسم.”
انتقل محور الحديث الآن إلى العروس التي ستظهر بعد قليل.
لم يتوقع أحد أن ابنة عائلة شمالية متواضعة ستكون عروس راسكال لوفيرو.
“يقولون إن آدابها وتصرفاتها في حالة فوضى تامة.”
“سمعتهم يقولون إنهم تعبوا كثيرًا في تعليمها.”
استمعت فيليا بانتباه مشدود، ثم ألقت فجأة سؤالاً:
“هل سبق ورأيتموها بأعينكم؟”
ساد صمت قصير على الطاولة. مهما كان الأمر، لم تكن لديهن الجرأة الكاملة ليثرثرن بهذا الشكل أمام غربية تمامًا.
أضافت فيليا بسرعة.
“أقصد… إذا استطاعت أن تخطف قلب السيد راسكال، فلا بد أنها جميلة بشكل استثنائي، أليس كذلك؟”
“لم نرها بنفسنا، لكن سمعنا أن مظهرها عادي جدًا.”
“أنا أيضًا سمعت الشيء نفسه. لا شيء مميز في جمالها على الإطلاق.”
ما إن أعطتهن مادة طرية للثرثرة حتى تلاشى حذرهن كالثلج تحت الشمس، وبدأن يتبادلن الإشاعات كأنهن يكشفن أسرارًا عظيمة.
“يبدو أنها على وشك الخروج.”
أشارت إحداهن نحو الباب. توجهت كل الأنظار إليه.
فُتح الباب، وظهرت العروس مرتدية فستانًا أبيض ناصعًا.
آلاف الخرز المطرز على الفستان تلألأت تحت الأضواء بشكل مبهر.
مال الكثيرون نحو الممر المركزي ليروها عن قرب.
حاولت فيليا أيضًا الانحناء لترى وجه العروس، لكن دون جدوى؛ كانت طرحة الوجه الطويل تغطي وجهها بالكامل.
نقلت فيليا نظرها بدلاً من ذلك إلى راسكال. كان يبتسم بلطف ويمد يده نحو العروس الآتية نحوه.
عند رؤية ذلك، امتلأت عينا فيليا – ذات اللون الأحمر – بالاحتقار والغضب.
‘في يوم من الأيام، خُدعت بتلك الابتسامة.
في يوم من الأيام، تخيلت نفسي أسير هذا الممر بجانبه.
لكن الآن… لم يعد الأمر كذلك.
الآن، أكثر من أي وقت مضى، أتمنى أن أرى يأسه وألمه.’
في تلك اللحظة بالذات –
اقترب جندي بخطوات متعجلة من راسكال. كان أحد الجنود الذين يتفقدون دعوات المدعوين عند الباب.
همس الجندي بشيء في أذن راسكال، فاختفت الابتسامة من وجهه على الفور.
كأن ضوء القمر البارد هبط فجأة، بدأت هالة جليدية تُحيط به.
فجأة، استدار راسكال مبتعدًا عن العروس، ونظر نحو مقاعد المدعوين.
في الوقت نفسه، بدأت همهمةُ المدعوين يملأ القاعة.
جال ببصره ببطء على الحضور… وأخيرًا استقر نظره على
فيليا.
“أمسكوها.”
بمجرد صدور الأمر، تجمع جنود خاصون من العدم حول فيليا. وجهت سيوفهم الحادة نحوها في آن واحد.
“آه!”
صرخت السيدات الجالسات على الطاولة نفسها من الذعر عند رؤية السيوف اللامعة. وسقط بعضهن من على كراسيهن من شدة الرعب.
أما فيليا –
فقد بقيت هادئة.
جلست منتصبة الظهر، كأنها كانت تتوقع هذا المشهد، ونظرت إلى راسكال بهدوء تام.
أمسكت بالقفص الصغير في يدها بقوة.
نظر إليها راسكال للحظة، ثم استدار نحو المدعوين، وابتسم بلطف وقال:
“أعتذر. يبدو أن ضيفًا غير مدعو تسلل خفية.”
انحنى راسكال للمدعوين بأدب نبيل.
نظروا إليه بدهشة، ثم إلى فيليا.
اقتربت سيوف الجنود أكثر من رقبتها. شعرت فيليا بلحظة خوف من البرودة الحادة، لكنها دفعت الشعور بعيدًا بقوة.
لم يكن بإمكانها أن ترتجف عاجزة.
بدلاً من ذلك، رفعت عينيها ونظرت إليه مباشرة وسألت، وعيناها خاليتان من التردد أو الاضطراب:
“هل أنا حقًا ضيفة غير مدعوة؟”
عبس راسكال بامتعاض ورفع حاجبه.
“ألستِ كذلك؟”
تقدمت فيليا خطوة بهدوء وثقة. تحرك الجنود معها، لكنهم لم يعودوا يشكلون أي تهديد بالنسبة إليها.
نظرت إليه طويلاً بعينين ثابتتين، ثم قالت:
“هذا زفافي أنا.”
هزت القاعة همهمة مفاجئة.
فيليا باندانسون.
هي بالذات عروس هذا الزفاف.
ارتجف نظر راسكال للحظة وهو يحدق بها.
في تلك اللحظة –
“من الأفضل أن تأمر جنودكَ برفع سيوفهم.”
تدخل صوت آخر في حديثهما.
كان رجل يدخل القاعة بخطوات جريئة وواثقة.
خطواته تحمل أناقة وكبرياء مميزين. شعر ذهبي يشع كضوء الشمس، وملامح وسيمة لفتت أنظار الجميع.
عندما عرف الحضور هويته، ازداد همهمهتم. لكنه لم يبالِ بنظراتهم، بل رفع ذقنه واتجه نحو راسكال مباشرة.
تراجع الجنود وأنزلوا سيوفهم.
في الوقت نفسه، لف الرجل ذراعه حول خصر فيليا وحملها برفق.
“إنها الرفيقة المستقبلية لي. ألا تعتقد أنه ينبغي معاملتها باحترام أكبر؟”
أمسكت فيليا – وهي في أحضانه – بطية معطفه بخفة.
تدفقت ذكريات الزمن الماضي كعاصفةٍ دوامةٍ داخل قلبها.
Chapters
Comments
- 1 - الضيفة غير المدعوة منذ 7 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 1"