ضمت إيلينا ابنتها ريتشي، التي كانت تعتصر يدها الصغيرة بقوة، بين ذراعيها بحنان. لربما كان هذا هو الطلب الذي أرادت البوح به طوال الأيام القليلة الماضية… وربما بدأت تفكر في الأمر منذ علمت أن الكونتيسة كوتشيل تنتظر طفلها الثالث. فكل صديقاتها لديهن إخوة، بينما ريتشي هي الوحيدة التي تفتقر لذلك.
“لقد أردتِ أن تطلبي أخًا كهدية لعيد ميلادكِ… لا بد أن الأمر كان شاقًا عليكِ وأنتِ عاجزة عن إخبار أمكِ.”
“أممم… لكن لا بأس الآن، لأنني أخبرتُ والدتي… سأكون سعيدة جدًا إذا لبت والدتي طلبي.”
همست الطفلة بصوت خافت وهي ترنو نحو الحمام حيث يتواجد فلويد. بدا وكأن ريتشي لم تجرؤ على البوح برغبتها في الحصول على أخ أمام والدها.
لكن… إيلينا وفلويد كانا قد محوا تمامًا فكرة إنجاب طفل آخر من مخيلتهما منذ اللحظة التي وُلدت فيها ريتشي. حتى الأطباء أكدوا مرارًا وتكرارًا أن الحمل مرة أخرى أمر محظور تمامًا، وكان فلويد تحديدًا معارضًا بشدة لفكرة إنجاب طفل آخر غير ريتشي.
ورغم أنهما لم يصرحا لريتشي أبدًا بأنهما لن يمنحاها أخًا، إلا أن فلويد ربما أظهر دون قصد علامات توحي برفضه للفكرة.
“هل هذه… هي هدية عيد الميلاد التي ترغبين بها من أمكِ حقًا؟”
“نعم! وإذا كانت الهدية أكبر من أن أحصل عليها في عيد ميلادي هذا العام… فلا بأس أن تكون هدية للعام القادم والذي يليه معًا! لقد سمعتُ أن إنجاب أخ هو أمر شاق جدًا على الأم…”
“تعرفين أن إنجاب أخ هو أمر شاق جدًا على أمكِ… ابنتي ذكية حقًا.”
“ولكن هل هو حقًا… شاق جدًا جدًا؟ الكونتيسة كوتشيل والأميرة هيليان لديهما الكثير من الأطفال.”
“ممم… الأمر يختلف من شخص لآخر، ولكن بالنسبة لأمكِ… كان أمرًا يفوق طاقتها.”
في تلك اللحظة، نزلت إيلينا من فوق السرير المرتفع وجثت على ركبتيها لتتلاقى عيناها مع عيني ريتشي. كانت الأم واثقة من قدرتها على فعل أي شيء لأجل ريتشي… لكن ريتشي منحتها مهمة في غاية الصعوبة.
تألم قلبها وهي تفكر في الطفلة التي ظلت تعاني لأيام وهي تحاول طلب أخ. لم تطلب الأمر ببساطة، بل إن تلك الطفلة الصغيرة عرضت أن تكون الهدية مقابل ثلاث سنوات من هدايا عيد ميلادها.
ومع ذلك، لم تستطع إيلينا أن تعد ريتشي بتلبية طلبها. فرغم مرور سبع سنوات على ولادة ريتشي، إلا أن ذكريات ذلك اليوم لا تزال حية في مخيلتها.
يا صغيرتي، لقد التقيتُ بكِ بعد مخاض مرير استمر لأكثر من يومين، وكدتُ أن أرحل وأترككِ بعد أن التقيتكِ بصعوبة. وقبل ذلك، كدتُ أفقدكِ عدة مرات، وفي كل مرة كنتُ أصلي لأجلكِ لتعيشي. حتى والدكِ، لا تعلمين كم كان قلقًا عليّ وعليكِ…
“و.. والدتي؟”
يبدو أن الطفلة قرأت التردد الكامن في عيني أمها، فجذبت طرف فستان إيلينا بصوت متهدج. كرهت إيلينا نفسها لأنها لم تستطع الموافقة، لكن إخبارها بالحقيقة كان أفضل من خذلانها بوعد لا يمكن تحقيقه.
آثرت إيلينا التفكير في قضاء وقت طويل وسعيد بجانب فلويد وريتشي على عهدها بفعل أي شيء لأجل ابنتها. وتذكرت الكلمات الحازمة التي سمعتها من الأطباء منذ ولادة ريتشي، وحاولت أن تقسي قلبها. لكن رؤية الطفلة وهي على وشك الانفجار بالبكاء جعلت قلبها يتمزق إربًا.
“ألا ترغبين في شيء آخر… غير الأخ، يا ريتشي؟”
لا بد أنها لاحظت عدم رغبة والدها في ذلك، فظلت تعاني وحدها قبل أن تبوح للأم أخيرًا… حاولت إيلينا تهدئة الطفلة المجروحة بمسح وجنتيها الناعمتين برفق، لكنها أدركت أن محاولاتها لم تكن كافية.
“أممم… لا أحتاج لشيء آخر… لا بأس… إذا كان الأمر شاقًا على والدتي، فلا بأس ألا يكون لدي أخ…”
“يا صغيرتي…”
إن التخلي عن شيء كنتِ تتوقين إليه بشدة ليس بالأمر السهل. أخفت الطفلة عينيها المغرورقتين بالدموع تحت اللحاف دون أن تنبس ببنت شفة. الطفلة التي اعتاد الجميع على نعتها بالرزانة، لم تكن تعرف كيف تتدلل حتى أمام والديها.
غرقت إيلينا في همومها وهي تنظر إلى ريتشي التي لم يظهر منها سوى وجهها المغطى جزئيًا. كانت تعلم أن الكثير من صديقات ريتشي لديهن إخوة، وأن الأطفال في هذا العمر غالبًا ما يرغبون في رفيق، لكنها لم تتوقع أبدًا أن ريتشي ستحمل هذه الرغبة أيضًا.
لم تطلب ريتشي أخًا قط حتى الآن. وكان فلويد وإيلينا يبذلان قصارى جهدهما يوميًا، متسائلين عما إذا كان هناك شيء ينقصها مقارنة بالآخرين، وعملا جاهدين لتكوين أسرة سعيدة ثلاثية الأركان.
ومع ذلك، يبدو أننا قصرنا كثيرًا…
بدا أن الطفلة لم ترغب إطلاقًا في إظهار بكائها، فغاصت تحت اللحاف وأصدرت صوت نشيج خافت قبل أن تغط في النوم ثانية. وظلت تتمتم بنفس الكلمات بشفتيها الصغيرتين حتى عاد فلويد الذي تعمد التأخر في الحمام.
“ريتشي تريد أخًا…”
ساد الهدوء غرفة نوم إيلينا وفلويد في غياب ريتشي. كان من المفترض أن ينام الثلاثة معًا في سرير واحد حتى يوم عيد ميلاد ريتشي، لكن ريتشي التي نامت وهي تبكي أصرت على أن تنام وحدها.
أرادت إيلينا تهدئة الطفلة التي كان جرحها واضحًا، لكنها لم تستطع أبدًا أن تعدها بما تريده.
“ما الذي حدث في الصباح يا إيلا؟”
“أنا حزينة جدًا… يا فل.”
“سواء ريتشي أو أنتِ… ألن تخبراني بما جرى؟”
كيف تشرح لفلويد، الذي لم يرَ حالة ريتشي في الصباح، الأمر من بدايته؟ من أعماق قلبها، أرادت أن تنجب طفلًا كما تمنت ريتشي. لكنها تعلم أن ذلك سيحزن فلويد كثيرًا؛ فهو لن يتردد في الركوع والتوسل لمنع حدوث ذلك.
منذ ولادة ريتشي، كان الزوجان يمارسان حياتهما الطبيعية، لكنهما كانا حذرين للغاية بشأن منع الحمل، مستخدمين الأدوية والوسائل اللازمة. فرغم أن الأطباء قالوا إن جسد إيلينا سيجد صعوبة في تحمل الحمل، إلا أن إمكانية حدوثه كانت قائمة، مما جعلهما أكثر حذرًا.
نظرت إيلينا إلى فلويد الذي لم يستوعب الموقف بعد، ثم تنهدت بعمق. لم ترد الطفلة إخبار والدها بما حدث، لكن الوقت لم يعد مناسبًا للتألم في صمت. بصفتهما والدي ريتشي، كان عليهما مناقشة أمرها معًا.
“لقد كنا غافلين عن ريتشي… لم يكن ينبغي لنا أبدًا أن نجعل ريتشي الذكية تكتشف أننا لا نرغب في طفل آخر…”
عندما قصت إيلينا بصوت كئيب ما حدث مع ريتشي، خيمت الظلال على وجه فلويد في لحظة. منذ أن بدأت ريتشي تمشي وتتحدث بطلاقة، كان فلويد يقضي وقتًا معها أكثر من إيلينا.
لذا، كان يعتقد أنه يعرف ريتشي الحالية أكثر من أي شخص، ويعلم ما تحبه وما تكرهه، والكثير غير ذلك. لكنه لم يدرك أنها اكتشفت الأمر. وبسبب شعور الذنب الذي داهمه، مسح فلويد وجهه بيده بخشونة. كان يريد دائمًا أن يمنحها أغلى ما يملك، وأن يغمرها بالحب لتعيش في سعادة دائمة. لكنه فشل في ذلك…
“ليس خطأك يا فلويد… فأنا أيضًا لم أكن أعلم…”
لم يستطع فلويد التخلص من مشاعر الارتباك رغم كلمات إيلينا المواسية. بل زاد عجزه أمام حقيقة عدم قدرته على تحقيق أمنية ريتشي في الحصول على أخ.
“طفل آخر… هل ريتشي تريد أخًا حقًا؟”
“نعم، قالت إنها تريد أخًا كهدية لعيد ميلادها.”
تنهد فلويد مع إيلينا بعد استيعاب الموقف تمامًا، ثم أمسك بيد إيلينا التي تدلى كتفاها يأسًا. لم يتخيل أبدًا أن ريتشي قد ترغب في أخ. كان واثقًا من قدرته على إحضار النجوم من السماء إذا طلبتها ريتشي، لكن هذا كان الشيء الوحيد الذي لا يمكنه فعله.
كانت إيلينا بالنسبة لفلويد لا تقل غلاوةً عن ريتشي. فقد كان يعلم تمام المعرفة المعاناة المريرة التي خاضتها إيلينا لتلد ريتشي، ويدرك جيدًا أن إنجاب طفل آخر هو أمر مستحيل تمامًا. لم يكن بوسعه أبدًا أن يترك إيلينا تواجه الخطر وحدها مرة أخرى.
“لكن يا إيلا… لقد اتفقنا أن تكون ريتشي هي طفلتنا الوحيدة. والأطباء أكدوا أن الأمر ممنوع منعًا باتًا.”
“أعلم ذلك… أعلم أن هذا الطلب لا يمكننا تلبيته مهما بلغت شدة توسل ريتشي…”
كانت إيلينا تحبس دموعها بوجهٍ يشبه وجه ريتشي تمامًا. وبما أن ريتشي كانت طفلة رصينة لا تتدلل أبدًا—لدرجةٍ تثير غبطة الآخرين—فإن إيلينا وفلويد لم يسبق لهما أن رفضا لها طلبًا من قبل. لقد كانا مستعدين لفعل أي شيء لأجلها.
“إذًا أنتِ… ماذا قلتِ لريتشي؟”
سأل فلويد بصوت متهدج، يحدوه أمل في أن تكون إيلينا قد رفضت طلب ريتشي هذه المرة رغم كل شيء. فلو كانت إيلينا قد وعدتها بإنجاب أخ، فلن يكون هناك سبيل للرجوع عن ذلك.
“لقد قالت ريتشي إنه… إذا كان الأمر شاقًا على أمها، فلا بأس ألا يكون لها أخ. أما أنا… فلم أستطع النطق بكلمة واحدة.”
أخذت إيلينا، التي احمرت عيناها بشدة، أنفاسًا متلاحقة قبل أن تواصل حديثها وهي تنظر إلى فلويد. بدا وكأنها تحاول التظاهر بالثبات، لكن كان جليًا أن قلبها قد جُرح بعمق. ريتشي، وإيلينا، وحتى فلويت؛ لم يكن أحد منهم بخير.
“فهمت… لنعرض على ريتشي هدية أخرى لعيد ميلادها بدلاً من الأخ. سنجد شيئًا أثمن من حجر الزبرجد الذي حصلنا عليه بالفعل.”
جذب فلويد إيلينا الباكية إلى صدره وضمها، متمنيًا في داخله ألا تكون رغبة ريتشي في الحصول على أخ نابعة من حاجة ملحة وعميقة.
“ولكن ريتشي… كانت تنتحب. رغم أنها قالت أمامي إنها ستكون بخير بدون أخ، إلا أنها نامت وهي تبكي وتتمتم بأنها تريده.”
لقد أدرك فلويد، من شدة حزن إيلينا، أن الأمر لن يكون بالبساطة التي كان يرجوها.
التعليقات لهذا الفصل " 121"