ومضت لحظات طويلة قبل أن يشقَّ أحد القادة ذلك الصمت.
[أظن أن أذنيَّ تخذلانني.]
[إن كان الحديث عن أساليب التربية، فيبدو أنك سمعت صحيحاً. آها…]
حتى يويس ونائب القائد ضمَّا حاجبيهما.
“ما الذي تعنيه؟“
“نعم، تفضَّل بالتوضيح.”
أجاب أسلان بهدوء لا يتزعزع.
“الأمر على ظاهره.”
“…نعم؟“
“نعم؟!”
[هل… هل رُزقتَ بطفل؟]
حين بلغ التفكير هذا المبلغ، ابتلع نائب القائد ويويس ريقهما في صعوبة.
“هذا أمر يستوجب التهنئة… لكن في خضم هذه الأعباء طفل؟ وإن استحضرنا الأخطار القادمة، فيجب إلحاق وحدة كاملة للحراسة… لا، ليس لدينا متسع لسحب أعضاء الوحدات الآن…”
اعتصر نائب القائد رأسه مرهقاً.
“سأجنّ. حقاً…”
وبينما كان يويس ومن في المرآة السحرية من القادة يتكبدون الغم ذاته، رمق أنتونيو القائدَ بنظرة معنية.
“إذاً ستصبح الآنسة قائدة الوحدة الجديدة؟“
قال يويس باستياء.
“أيُّ هراء تنطق به يا أيها الأحمق. ما علاقة يوستيا بهذا؟“
“إن ربَّى القائد الآنسة أصبحت وريثته. ووريث القائد هو قائدنا الجديد.”
“وماالـ…”
عبس أنتونيو.
“أهؤلاء حمقى؟ هل القائد خنثى؟ لم يلتقِ بامرأة قط، فكيف ينجب طفلاً؟“
ارتاع القادة.
وابتلع يويس ريقه.
‘من يقول لمن… لا، بل المسألة الحقيقية. هل يعتزم تبنِّي يوستيا فعلاً؟‘
ليس مجرد منحها هوية لأغراض المهمة، بل تبنِّيها حقيقةً؟
انقلب القادة رأساً على عقب، فيما ظل القائد وجهه وادعاً لا يتغير.
“لذا أحضروا لي تحقيقاً وافياً. في أساليب التربية.”
لم يكن المقام مقام إقناع.
راح القادة في المرآة يضربون رؤوسهم بأكفهم.
لقد جاءت تلك الفراشة التي تسلَّلت إلى صفوف الأشباح بالعاصفة في نهاية المطاف.
***
صباح اليوم التالي.
رغم أن الفجر قد انبثق منذ أمد، لم أستطع مغادرة السرير.
بقيت ممسكةً بالغطاء وعيناي شاردتان في الفراغ.
“يوستيا، أنا لا أعرف ما هو حنان الوالدَين.”
“…”
“ولا أستطيع أن أضمن أنني سأُتقنه مستقبلاً.”
“…”
“ومع ذلك إن كنتِ راضية، إن كان هذا الرجل الناقص يكفيك.”
“…”
“أريد أن أكون أباكِ الحقيقي.”
“ياإلهي…”
أعدتُ استحضار الذكرى للمرة الرابعة على التوالي، وكل كلمة محفورة في ذهني حتى حروف العطف.
ليس حلماً.
كان حقيقةً لا شك فيها.
“ياإلهي…”
تلك هي المرة الرابعة كذلك التي أنبري بهذه الدهشة.
وفي تلك اللحظة، طرق بابي أحدٌ.
“آنستي، الإفطار جاهزٌ في غرفة الطعام.”
كان صوت تشارلي.
حينئذٍ فقط نهضتُ مسرعةً.
“حسناً، سأخرج قريباً.”
تهيَّأت بسرعة وخرجت.
وفي الطريق إلى غرفة الطعام، قالت تشارلي بنبرة مشرقة.
“الإفطار اليوم باييّا. تحبِّينها يا آنستي، أليس كذلك؟“
“أم… نعم…”
“يُقال إن رئيس المجلس الاستشاري وابنه هاجما القائد أمس. لكنهما قُبضا عليهما في الحال وأُودعا زنزانة تحت الأرض.”
“نعم…”
“واجتمع اجتماع طارئ في جوف الليل وكان الأمر يشبه المعركة. قالوا إنها خيانة تستوجب الإعدام. وقد فقد التابعون ذلك العجب من أنفسهم حتى صاروا مطيعين كالخراف…”
“آه، كذلك…”
“آنستي؟“
حين أجبتُ وأنا شاردة الذهن، أمالت تشارلي رأسها وأمعنت النظر فيَّ.
“ما بكِ؟“
“لا… لاشيء.”
“هل انتِ مريضة؟“
“لا.”
“يا لها من راحة إذاً… آه، هذا هو القائد.”
ابتسمت تشارلي ابتسامة عريضة ونظرت إلى الرجال المتقدمين في المسافة.
“يبدو أنه ذاهب للإفطار. لو تناولتم الطعام معاً… آنستي؟“
نادتني تشارلي مرة أخرى.
لأنني اندسستُ خلف عمود بسرعة البرق.
التصقتُ بالعمود وقلت.
“تشارلي، اذهبي لتناول الطعام في الثكنة.”
“لكن يجب أن أرافقك…؟“
“أنا بخير. لا أظنني جائعة كثيراً.”
“…؟“
أسرعتُ في الانعطاف للخلف.
أحسستُ بنظرة تشارلي الغريبة ترافقني، لكنني لم أستطع الإجابة.
لأنه لم يكن ثمة سببٌ حقيقي.
هكذا أنا فقط حين يُدهشني شيء بالغ البهجة، يعتريني هذا الارتباك ولا أعرف أين أضع نفسي…
* * *
في تلك الساعة ذاتها، في مكتب القائد.
نظر نائب القائد ويويس أحدهما إلى الآخر.
“ماذا تظن؟“
“…حسناً، أنا أيضاً لم أكن أتمنى فسخ التبني. وأنتَ كذلك يا نائب القائد؟“
“بالطبع.”
“إذاً لماذا نشعر بالقلق؟“
“ألا يكفي هذا سبباً؟“
انصبَّت نظراتهما على القائد وأنتونيو.
كان القائد يتصفح الكتب التي جمعها أنتونيو من المكتبة على عجل.
وكانت عناوينها كالآتي.
<الطفل يُربِّي أبويه>
<مغامرات أب مبتدئ في تحضير الأطعمة اللينة>
<دليل التربية الشامل. من خصائص النمو>
<علِّمني أيها الأستاذ. كيف تكون الأب المحبوب حتى في سن المراهقة~>
“…”
“…”
هذا تجاوزٌ للحدود. بل هو كثيرٌ جداً…
رفع أنتونيو كتاب <لا أطيق منظر الصهر، لكنني اخترت العناق بدلاً من الاغتيال> وقال.
“ألا يُجدي هذا؟“
أومأ القائد برأسه بجدية تامة.
“لا بد من العناق بالفعل.”
“صحيح.”
“التالي.”
“إذاً ماذا عن. <إن أردت أن تُناديك ابنتك البالغة بـحبيبي، اقرأ هذا الكتاب> “
“لا بأس به.”
سأفقد صوابي.
هزَّ نائب القائد ويويس رأسيهما في آنٍ واحد.
على أي حال، كان القائد يبذل جهداً مُضنياً.
ففي خضم مشاغله، أقبل على قراءة كتب تربية المراهقين بإمعان ودقة — وذلك بفضل إلحاح يويس الذي كان يؤكد أن مرحلة التربية المبكرة قد فات أوانها.
كان نائب القائد مُنهكاً.
ذلك لأن القادة المنتشرين في أصقاع الأرض كانوا يُشعلون جهاز التواصل لديه دون توقف.
[أتتركون الأمر هكذا؟ الطريق إلى الدوقية وعرةٌ أصلاً، أفتضيفون إليها ابنةً من منطقة أندريس؟ هل تظنون أن هذا منطقي؟]
[هذه المرة يتفق معي سيزار. إن كان لا بد من وريث، فلا يجب أن تكون هي بالضرورة.]
[أنا هنا لأن سيزار طلب مني التواصل. آها… لكنني أوافق على أن الوضع حرج.]
في نصف يوم واحد أنهكه ذلك إنهاكاً بالغاً.
وكان يويس يعاني من الأمر ذاته.
“أيٌّ من هذه الكتب أنفع؟“
“…وماذا يُفيده أن يعرف خصائص النمو لمن تبلغ خمس عشرة سنة؟ لقد اكتملت كل مراحل نموها.”
“إذاً أحضر لي كتاباً يشرح الطريقة الصحيحة لتغطيتها بالغطاء.”
“الغطاء يُكفي فيه التغطية كيفما كان… حتى لو غطَّيت رأسها بالكامل لن تموت.”
“سمعتُ أن ضغط شيء على رأس الأطفال يُودي بهم.”
“تلك قصّة الفجوة اللِّينة في جمجمة الرضَّع الذين لم تكتمل عظام رؤوسهم بعد…”
“أما تبدو هشَّةً هكذا؟“
“يوستيا تحمل حقيبةً بحجم جسدها مرتين! إنها أكثر صحةً من الفتيات العاديات!”
تلقَّى شتى الأسئلة وأنواعها.
بذريعة كونه الأكثر دراية بشؤون النساء بين القادة جميعاً.
وحتى الإجابة على الأسئلة وحدها كانت مُرهِقة، فضلاً عن أن القائد كان يُعقِّب على كل إجابة بعبوس متجهِّم.
“كثيراً ما تُصاب بالإغماء. إنها لا تتمتع بصحة جيدة.”
“إن قفزت من عربة مسرعة أو انغمست في حريق، سقط حتى الرجل البالغ. لا عجب في ذلك.”
“إنها أقصر من الذين في مثل عمرها. انظر، الكتاب يقول إن المتوسط في هذا العمر مئة وخمس وستون سنتيمتراً.”
“ذلك لأنها في سن النمو وما تزال، ولن يُعرف طولها النهائي حتى تتمَّ نموَّها… يا إلهي، لقد أضعتَ عقلي.”
كان القائد جاداً في تربية ابنته جداً.
بجدية بالغة تُثير الذهول…
في النهاية، اضطُرَّ أنتونيو ويويس ونائب القائد إلى قضاء يومين كاملين رهينَي القائد لمجرد وجودهم في قلعة كوارون.
وإن كان أنتونيو على خلاف يويس ونائب القائد يبدو مُبتهجاً ومُتحمِّساً.
“ماذا لو أقمنا احتفالات أعياد ميلادها عن السنوات الخمس عشر الماضية؟“
“…ليس سيئاً.”
صاح نائب القائد ويويس.
“إنها الأنسة التي ترى في شريطٍ واحدٍ عبئًا يوازي ألفين ومئتي حبّة بطاطا.”
“وفوق ذلك، مضت أربعة عشر عامًا. فما زال عيد ميلادها الخامس عشر لم يأتِ بعد.”
“هل ستفعل ذلك؟“
“…آه،صحيح.”
أطلق نائب القائد ويويس زفرة حارقة تكاد تخترق الأرض.
نظر يويس عبر النافذة إلى الشمس التي بلغت كبد السماء وقال.
“لكن يوستـ…”
التفت إليه القائد التفاتةً خاطفة.
فتنحنح يويس وعدّل كلامه.
“هل لا تزال الآنسة في غرفتها؟“
تغيَّرت ملامح القائد.
فلنفترض أنها بالأمس بكت حتى أعياها البكاء فنامت على تلك الحال حتى اليوم التالي، لكن أن يمرّ هذا اليوم كله دون أن تُرى لها ملامح.
وهي عادةً مبكِّرة.
قال أنتونيو.
“هل مرضت؟“
كانت يوستيا حساسةً لأحوال الآخرين، أما شأنها هي فكانت تتجاهله تجاهلاً شديداً.
وكانت تُخفي مرضها في أغلب الأحيان، مما جعل الأمر مثار قلق.
“هل نتحقق؟“
سأل نائب القائد، فنهض القائد.
“سأذهب أنا.”
خرج القائد والنخبة من المكتب.
وبينما كانوا يسيرون في الممر، سمعوا من بعيد صوت يوستيا.
“هل يجب كتابة سجل الحراسة بالفصحى؟ الوثائق الرسمية تُكتب بالفصحى صحيح، لكن سجل الحراسة يُقبل بالعامية.”
بدا على أنتونيو وجه الارتياح.
“يبدو أنها لا تعاني من مرض.”
قال ذلك ورفع ذراعه مُرحِّباً.
“آنسـ─”
غير أنه في تلك اللحظة.
سوووف.
اختفت يوستيا كالسهم.
“…؟“
“…؟؟“
نظر القادة بعضهم إلى بعض حائرين.
ظنوا أنها لم تسمعهم، فذهبوا يبحثون عنها ثانيةً.
لكن…
“آنستي.”
سوووف.
اختفت مجدداً.
والمرة التالية أيضاً.
“آنستي!”
سوووف.
وما بعدها كذلك…
باتت المسألة واضحة.
كانت يوستيا تتهرَّب منهم.
نظر يويس إلى القائد.
“آخر ما تبادلتَه مع يوستـ… مع الآنسة من حديث، ما كان؟“
“قلت لها إنني أريد أن أكون أباها.”
“فبماذا أجابت؟“
“بكت وقالت ‘نعم‘.”
فقال أنتونيو “آآآه.” وأضاف.
“يبدو أنها كرهت الفكرة كرهاً شديداً…”
فقطَّب القائد جبينه.
“ماذا؟“
“كرهتها شديداً لكنها لا تملك مكاناً تذهب إليه، فلا تستطيع أن تعصي أمر القائد. أليس كذلك؟“
“…”
“أصلاً صارت ابنته بالتبني من أجل المهمة أليس كذلك؟ من وجهة نظر الآنسة، القائد هو رئيسها في العمل.”
“…”
“وحين يُقرِّر رئيسك في العمل فجأة أن يتبنَّاك حقاً… واو، يا له من أمر بغيض.”
“…”
نظر القائد إلى نائب القائد ويويس.
حوَّل نائب القائد ويويس نظريهما جانباً.
لم يكن ثمة سبب آخر وجيه للهرب.
* * *
وصلتُ إلى أمام قُبَّة الحديقة أحثُّ خطاي وأنا ألهث.
من كثرة الفرار المحموم كلما التقيت بالقائد كدت أتقطَّع من الإعياء.
نظرت إليَّ تشارلي بتعبير غريب.
“هل قال القائد إنه سيقتلك إن التقيتِ به؟“
“لا!”
فزعت وصحت.
“القائد ليس كذلك. إنه رجل طيب للغاية.”
“إذاً لماذا تهربين هكذا؟“
“…عادة قديمة.”
أطلقت زفرة عميقة.
اعتدتُ كبت المشاعر السلبية، لكن كبت الفرح والسعادة أمرٌ مختلف تماماً.
وجهي يحتقن بالدم، وشفتاي تنفرجان عن ابتسامة مائعة تُفسد ملامحي.
كان أهل أندريس يكرهون هذا التعبير على وجهي ويصفونه بالتهذيب الرديء.
لذلك أصبح الاختباء عادةً راسخة فيَّ.
‘ينبغي أن أُصلحها.’
كنت أردد هذا الكلام في كل مرة لكن قدميَّ تتحركان من تلقاء نفسهما.
ماذا لو ضجر القائد من ذلك؟
وإن قرَّر أن يتراجع عن قراره باتخاذي ابنةً له…
فحينها…
ضربتُ رأسي بكلتا يديَّ.
“آوه!” قالت تشارلي وقفزت.
“لماذا تضربين نفسك؟ اضربي أنتونيو إن أردت!”
“أريد أن أذهب إلى القائد وقت العشاء.”
“هل أُعلمه أنك تريدين مشاركته الطعام؟“
“نعم.”
“حسناً.”
انطلقت تشارلي بخطوات خفيفة متسرِّعة لتُبلِّغه.
جلستُ على مقعد الحديقة وأنا أُعيد حساباتي.
‘عليّ أن أشدّ رجليّ وأرفع زوايا شفتيّ، ثم أقول له إن كلام القائد البارحة أسعدني.’
جمعتُ قلبي وتذكرتُ التسلسل كما لو كنت أتعلم طريقة التحية.
وأثناء ذلك، عادت تشارلي بعد قليل
“آنستي، يُبلغكِ القائد بأن العشاء لا يناسبه.”
ارتعشتُ وقفزت.
‘أتُرى كان في مزاجٍ سيئ؟‘
كان ذلك متوقَّعاً، أليس كذلك؟
من ذا يُحبُّ طفلاً يهرب منه فور أن يراه، وقد منحه هذه الفرصة النفيسة؟
ضممتُ يديَّ بإحكام.
‘سأعتذر. حينها…’
وبينما أنا ابتلع ريقي في توتر، واصلت تشارلي كلامها.
“قال. هل يمكن أن يراكِ قبل العشاء؟“
“…ماذا؟“
“هناك.”
أومأت تشارلي بعينيها نحو خلف القُبَّة.
التفتُّ فرأيتُ حافة ثياب مألوفة.
“…”
لم أنطق بشيء واكتفيت بالتحديق في ذلك الطرف من الثياب.
وفي هدوء القُبَّة، انساب صوتٌ خافت رزين.
“حتى لو أبيتِ، لن أتراجع.”
“…”
“لن أفسخ التبني.”
“…”
“لقد عقدت العزم على اتخاذك ابنةً، فسأجتهد حتى أستميل قلبك.”
“…”
“وأساليب التربية… والتعليم أيضاً اطَّلعت عليها. سأكون أب أفضل من ماركيز أندريس. لذا…”
توقف.
لأنني أمسكتُ بطرف ثيابه.
التفت القائد إليَّ مُرتاعاً.
“…كنتَ أب أفضل من ماركيز أندريس منذ البداية.”
“ألا تكرهين ذلك؟“
“لم أكن أهرب لأنني كرهت.”
“إذاً؟“
ترددتُ طويلاً ثم قلت.
“…لأنني أحببته.”
“…”
“أحببتُه كثيراً…”
كيف يسع أحداً ألا يُحبَّ مثل هذا الأب؟
أبٌ لا يتخلى عنك حتى حين تُخطئ.
أبٌ يُسرع إليك حين تهرب ولا يتركك وشأنك.
“هل يصح لي أن أعتبرك حقاً أب ايها قائد؟“
نظر إليَّ، ثم وضع يده ببطء فوق رأسي.
أشعث شعري بأصابعه ثم ابتسم.
“نعم.”
وفي أعماق سنواتٍ بعيدة، استعدتُ ذلك اليوم وفكَّرت.
كان ذلك اليوم هو اليوم الذي صار فيه هذا المكان بيتي.
بيتي، حيث يسكن أبي الحقيقي.
“هل سيكون اللقب والدي؟“
“هل نجعلها أبي؟“
“…”
“…؟“
أدار وجهه بسرعة وقال.
“…أفضل بابا. تبدو أقرب إلي.”
ابتسمتُ ابتسامةً عريضة مشعَّة.
في ذلك اليوم، استبدلتُ أبي.
مرَّ الزمن.
وصلتُ إلى العاصمة فقفزت من العربة وقلت.
“بابا، الثلج يتساقط!”
لحق بي أنتونيو ويويس على عجل.
“آنستي، المعطف! المعطف!”
“الأرض متجمِّدة. ستقعين يا آنستي.”
وبعد أن نزل أبي من العربة قال.
“احذري يا يوسي.”
كان ذلك قبل أربعة أيام من احتفال نهاية السنة.
***
قال دوق إيسغاروت إنه سيُعلن عن وجود أبي رسمياً في احتفال نهاية السنة.
استعداداً لذلك اليوم، قدم كلٌّ منا أنا وأبي وأنتونيو ويويس إلى العاصمة.
أقمنا في قصر إيسغاروت الثاني.
وبينما كنا نُفرِّغ الحقائب في القصر، طُرق الباب.
كان أبي وأنتونيو.
“إن كنتِ قد انتهيتِ تقريباً، فلنخرج.”
“إلى أين؟“
“إلى أمك.”
“…!”
نظرتُ إلى أبي مُذهولة.
فابتسم أنتونيو.
“في الحقيقة كنتِ تودِّين الذهاب إليها فور وصولنا إلى العاصمة، أليس كذلك؟“
لا شك في ذلك.
لم تتَّسع الفرصة للمجيء إلى العاصمة بسبب أشغال الإقطاعية. الأشباح لم يُديروا إقطاعية بحجم كوارون من قبل، فكانوا يُحتاجون إلى مساعدتي.
“هل يجوز لي حقاً أن أذهب؟“
“بالطبع.”
“هل ستأتي معي يا بابا؟“
“لا بد من أداء التحية.”
ابتسمتُ ابتسامةً عريضة واحتضنتُ خصر أبي.
فمرَّر يده على شعري.
وهكذا توجَّهنا أنا وأبي وأنتونيو في الحال إلى المكان الذي أودعتُ فيه أمي.
ركبنا العربة وانطلقنا، لكن عند مشارف قصر إيسغاروت الثاني اعترض طريقنا حاجز.
أخرج أنتونيو رأسه من نافذة العربة.
“يبدو أنهم يُطبِّقون حصاراً. ما الخبر؟“
كانت منطقة قصر إيسغاروت الثاني من أرقى أحياء العاصمة.
أيُحاصَر مكانٌ كهذا؟
وبينما كنا نتساءل، طرق أحدٌ يبدو من جنود القصر نافذة العربة.
“يجري التحقيق في حادثة محاولة اغتيال أمير تابيرا في الصالون الكبير. تفضَّلوا بالنزول. سيجري التفتيش.”
حادثة محاولة اغتيال أمير تابيرا تجري الآن إذاً.
تابيرا مملكة تحتل مكانة بين أعظم خمس دول في القارة.
حتى رؤساء العائلات السبع يجب أن يخضعوا للتفتيش في مثل هذه الأحوال.
نزلت أنا وأبي وأنتونيو من العربة.
كان الخارج يغصُّ بالناس.
كأن كل الأشراف الكبار النازحين من الصالون الكبير يخضعون للتفتيش جميعاً.
التعليقات لهذا الفصل " 45"