استمتعوا
***
قبل ساعتين من الآن.
جرى الاجتماع على نحوٍ اعتيادي هادئ.
تم تقديم سِيَر الأتباع وتوجيههم نحو المهام المكلفين بها.
حتى تلك اللحظة، كانت الأمور تسير على النحو المتوقع.
‘حين تُطرح مسألة تعييني تابعة، فحينئذٍ تبدأ المشكلة حقاً.’
ولحسن الحظ أنه كان من النبلاء.
صحيح أنه تورّط في قضية سياسية مشؤومة فجُرِّد من لقبه، وأُبيد كل من ينتمي إلى عائلته سواه.
غير أن ذلك لم يُخرجه عن الحدّ الأدنى من الشروط المقرّرة لمن يتقلّد منصب المرافق.
غير أن الأتباع في إقليمٍ كهذا الذي يخضع لولاية الكبار الثلاثة، كلهم يحملون ألقاباً نبيلة.
فهل يقبل هؤلاء أن يُتَّخذ تابعاً من غير لقب؟ تلك كانت المعضلة.
ولكن…
“إن كان هذا ما يريدة لورد الإقليم، فمن أنا لكي أعترض؟“
أجاب رئيس المجلس الاستشاري على الفور دون أدنى تردد.
‘بهذه السهولة؟!’
ألقى نائب القائد نظرةً خاطفة نحو القائد.
كان القائد صامتاً، عيناه ثابتتان على رئيس المجلس.
“أنا لا أُحبّ المراوغة والتلميح. فما الذي تريده؟“
“هاها، إن ذلك ليوقعني في حرجٍ بالغ. غير أنه سيُيسّر التواصل.”
قال رئيس المجلس ذلك ثم أدار بصره يستطلع وجوه الأتباع.
كان واضحاً أن الأمر قد اتُّفق عليه سلفاً.
قال رئيس المجلس.
“إن لورد الإقليم ابن بالتبني لعائلة سان ميغيل.”
أجل. لقد انتزع من الفيكونت السابق لسان ميغيل منزله وعائلتَه معاً، حتى يستوي له أن يكون لورداً.
ثمة شيءٌ مقلقٌ في أن تبدأ الأمور من هذه النقطة.
قطّب نائب القائد حاجبيه وقال.
“وما الذي تودّ قوله حتى تستدعي الخوض في أصل لورد الإقليم؟“
“إن الآنسة يوستيا، كريمة سيد الإقليم، هي الأخرى ابنةٌ بالتبني، مثله تماما.”
“وماذا في ذلك؟“
“ألا يَعِيبُها ذلك في شرعيّة نسبها؟“
رمق رئيس المجلس القائدَ بنظرة طويلة.
“لهذا السبب أقول لك. استعن بعائلتي.”
“استعن، قلت؟“
“إن عائلة باليتا كانت رفيقة فالبوا منذ نشأتها الأولى. إن اتخذتنا حليفاً، فلن يجرؤ أحدٌ على التشكيك في شرعية لورد الإقليم.”
قطّب نائب القائد وجهه.
كانت النية مفضوحةً كفضوح الشمس.
‘سيتحدث عن الزواج لا محالة.’
كان الزعيم أعزبَ لم يتزوج بعد. وهذا يريد أن يُزوّجه أحد أبنائه ليقتسم سلطةَ اللورد.
غير أنه توقَّف فجأةً في منتصف تفكيره.
‘أليس لذلك الرجل ولدان فحسب؟‘
وفي تلك اللحظة بعينها.
“زوّجوا الآنسة يوستيا من ابني.”
ماذا؟!
ليس القائد… بل الآنسة؟
في الوهلة التي جمد فيها نائب القائد، تبادل الأتباع من أبناء فالبوا نظراتٍ ماكرة مصحوبةً بابتساماتٍ خبيثة.
‘حتى يُنجب السيد الجديد ولداً ويبلغ سن الرشد، يلزم عشرون سنةً لا تقل.’
‘لا يمكننا خدمة سيدٍ كهذا طوال عشرين عاماً.’
كانت يوستيا، وإن كانت بالتبني، الوريثة الوحيدة لآسلان بما تُثبته وثائق رسمية لا تكذب.
كانت الخطة هي تزويجها أولاً، ثم إزاحة آسلان، ونصبها دُمية على اللقب.
وإذ لا ملاذ ليوستيا تلجأ إليه، فلن تستطيع مقاومةً، فيكون بمقدور الأتباع تنصيب السيد الذي يريدون.
فتح القائد فمه وقال.
“رجل يبلغ على الأقل الستين. أتأخّر في الإنجاب؟“
فهمس نائب القائد.
“كلا.”
“إذن؟“
“أصغر أبنائه في السادسة والثلاثين…”
وما كاد نائب القائد ينهي كلامه حتى فتح القائد فمه بوجهٍ جامد لا تعبير فيه وقال بهدوء.
“يا ابن الـ@&$”
انقلبت الطاولة.
وَأَاااه!
تحوّلت قاعة الاجتماعات في لحظةٍ واحدة إلى فوضى عارمة.
* * *
“…هكذا جرى الأمر.”
استمعتُ إلى شرح نائب القائد وأنا أضغط على جبهتي بأصابعي.
غير أن ردود فعل من حولي كانت مغايرة تماماً.
“لا بأس، رغم أن القائد بات لوردا، إلا أنه لا يزال متهوراً كما كان. هل تريدون مني أن أذهب وأمزّق فمه؟“
“ألا نتخذه هدفاً للتدريب على الرماية؟ أين وضعتُ قوسي…”
“آهٍ، إن أمثاله لا دواءٌ لهم غير عصا الأدب.”
أومأ أفراد الوحدة بإيماءات موافقة.
نظرتُ إليهم بوجهٍ لا تعبير فيه.
“لا تمزّقوا. ولا ترموا. ولا تعالجوا.”
قلتُ ذلك ثم ضممتُ ذراعيّ.
لا يمكنني معاقبته على مجرد اقتراح.
لكن تجاهل الأمر بالكامل أيضاً أمرٌ يصعب قبوله.
أعرف تماماً لماذا يريدون تزويجي.
‘ستكون خطتهم إزاحة القائد بعد الزواج واتخاذي واجهةً دمية.’
بعد تفكيرٍ قصير، قلتُ لنائب القائد.
“أين يوجد القائد الآن؟“
“على الأرجح أمام السور الحصين.”
…إذن هو ينوي الإعدام فعلاً.
أومأتُ برأسي وتوجهتُ نحو السور الشمالي حيث يوجد القائد.
كانت المنطقة أمام السور تعجّ بالأتباع.
“لا يمكنك فعل هذا!”
“لا يجوز لك تجاهل الإجراءات والأعراف!”
“إن بلغ الأمر هذا المبلغ، فلن يكون أمامنا من خيارٍ سوى الاستغاثة بالقلعة الأمّ…!”
كانت الفوضى محتدمة.
كان القائد واقفاً في مكانه منتصباً يتفرّج على رئيس المجلس المعلّق من السور.
اقتربتُ وهمستُ في أذنه.
“أطلق سراحه. ستنشأ عن هذا مشكلاتٌ لاحقاً.”
التفت القائد إليّ.
“أتريني من يجب أن يُحمى؟“
“نعم؟“
“خطأٌ. أنا من يَحمي.”
“…”
فتحتُ عينيّ دهشةً وحدّقتُ فيه.
قال القائد.
“لقد اتخذتُكِ ابنةً لي. فأنتِ بذلك أولى من يجب عليّ حمايته.”
“…”
“من عجزَ عن حماية ابنته، كيف يحمي سواها؟“
“…”
لم يخرج من فمي حرفٌ واحد.
في حياتي كلها، لم يقل لي والدي البيولوجي كلاماً كهذا قط.
‘قال إنه سيحميني.’
أنا التي كنتُ دوماً من يحمي حتى أمي، وقعت تلك الكلمات على مسامعي غريبةً كأنها من عالمٍ آخر.
قال القائد.
“إذن، ليس ‘لورد الإقليم‘. بل ‘أبي‘.”
“…!”
“الألقاب هي في حقيقتها أبلغ الإعلانات وأوضحها.”
تعقد لساني مرةً بعد مرة.
أبي؟
لم أتخيل قط أنني سأُطلق على أحدٍ لقب أبٍ مجدداً.
كان حلقي يحترق، والكلمة عالقةٌ لا تخرج.
حين رأى القائد ترددي، ألقى عليّ نظرةً جانبية.
‘هل بدا عليّ الاستياء؟‘
ليس الأمر كذلك.
وبينما كنتُ أحاول بتردد أن أفتح فمي، قال القائد مجدداً.
“أو بابا إن كنتِ تفضلينه.”
“…نعم؟!”
يبدو أنه ظن أنني أتردد في اختيار اللقب الأنسب.
* * *
غرفتي في كوارون بالغة الجمال.
كانت غرفتي في قلعة سان ميغيل جميلةً هي الأخرى، لكن ذلك كان جمالاً نسبياً قياساً بأيام السكن في الطابق شبه السفلي.
أما غرفتي في قلعة كوارون، فجميلةٌ حتى بمقاييس موضوعية، بحيث لا تجد من لا يغبطني عليها.
الجدران مكسوّةٌ بأشرطة خشبية منقوشٍ عليها أنماطٌ بديعة بارزة، وورق الجدران على درجةٍ من اللون بالغ الرقة يشبه لون اللوز الفاتح.
الأثاث فاخرٌ بدرجاته الفاتحة، والثريا تُذكّرك بتجمعاتٍ من زهورٍ صغيرة تتراص متقاربة.
السجادة ناعمةٌ كالغيوم، ومفارش الفراش يزيّنها طرازٌ أنيق دقيق.
وأكثر ما يسرّ قلبي تلك النافذة العرضية الضخمة ذات القوس.
وراءها شرفةٌ صغيرة، يمتد من أمامها حديقةٌ على هيئة متاهةٍ من الأسيجة الحية تظهر كاملةً دفعةً واحدة.
وفي تلك الغرفة أنا…
“أنقذني! أنقذني! لورد الإقليم!”
“وَأَاااه!”
…أستمع إلى صراخٍ وعويل.
ولأيامٍ متتالية حتى الآن.
خرجتُ إلى الممر.
كان الجو في القلعة كأنه يمشي على قشر البيض.
حتى أن صلف أتباع فالبوا الذين كانوا بالأمس يختالون بعجرفة باتوا يتهيّبون أشد التهيّب.
وإليك مثالٌ على ذلك.
“مرحباً، البارون ديلسو.”
“آهـ، آهـ، آهـ، أهلاً، وسهـ، ـلاً!”
ثم يفرّ مسرعاً كسهمٍ مُطلق.
وبفضل ذلك، كان أبناء سان ميغيل هم من امتلأت قلوبهم سروراً.
“لقد أخطأ أولئك الحمقى من فالبوا في تقدير الرجل“
“بالطبع! أتعرفون مدى قسوة لورد الإقليم؟ أنا شخصياً حين حاولتُ الاستيلاء على بعض الضرائب، حُبستُ في البئر ثلاثة أيامٍ وثلاث ليالٍ متواصلة!”
“هاهاها!”
هكذا كانت الحال.
ويويس الذي قابلته في الممر نظر إلى الأتباع المترددة خطواتهم خشيةً وهمس.
“هكذا سيموتون من وطأة الضغط.”
“أليس ذلك مبالغةً بعض الشيء؟ ماذا لو كتبوا عريضةً جماعية وشكوا أمرهم للإمارة الأم؟“
“وهل كان أندريس يعالج تلك العرائض فور تقديمها؟“
“كلا، فقد كانت الأعمال تتكدّس عليه كالجِبال.”
“وكم كان يستغرق البتّ فيها؟“
“من بدء التحقيق وحتى الحكم، ثلاثة أشهرٍ على الأقل.”
عندئذٍ ابتسم يويس ابتسامةً هادئة.
“إذن.”
“نعم؟“
“قال القائد بأن شهرين كافيان لنقش الرعب في العظام وما بعدها.”
“أوه، إذن…”
“إنه دخيلٌ جاء بلا شرعية. فإذا بدأ الناس في التلاعب به فلن يتوقف الأمر عند حد. ولهذا قال إن الحسم يجب أن يكون سريعاً وقاطعاً.”
فاجأني ذلك حقاً.
‘إذن فقد فكّر في الأمر على هذا النحو.’
أنا التي نشأتُ ابنةً لماركيز يرث أرض أندريس جيلاً بعد جيل، لم يخطر لي ذلك.
أما والدي البيولوجي، فقد وُلد على عرشٍ من ذهب يأمر به ويتصرف.
أما الغريب الدخيل فليس أمامه إلا أن يناضل ويكسب.
وقد سبقني القائد إلى إدراك ذلك.
قال يويس.
“وأسلوب القائد يُثمر فعلاً.”
“يُثمر؟“
“بعض أتباع فالبوا الذين كانوا يتبعون رئيس المجلس بدأوا ببطء يستعدون للانضمام إلى جانب القائد.”
“هذا خبرٌ جيد.”
مضينا نتحدث بهذه الشؤون.
ثم جاء الحديث الخفيف.
“متى ستناديه بـ أبي؟“
“… “
مضيتُ أمشي في صمت.
مضت أيامٌ عدة ومع ذلك لا تزال الكلمة حبيسةً لا تستطيع الخروج من فمي.
“الكلمة ليست بهذه الصعوبة. أنتِ التي تتحدثين العامية والفصحى والكلاسيكية والأجنبية بطلاقة.”
“…سأقولها.”
“في العام المقبل؟“
“…قريباً.”
“ما دمتِ قرّرتِ، فلماذا لا تقوليها الآن؟“
دفعني يويس دفعةً خفيفة عند المنعطف.
وبفعل الدفعة، انزلقتُ خارج المنعطف…
ثَقَ.
اصطدمت جبهتي بساعد شخص ما.
“آسفة أنا…”
وبينما كنتُ أفرك جبهتي قائلةً ذلك، جمدتُ في مكاني.
إذ كان الشخص الذي اصطدمتُ به هو القائد نفسه.
نظر إليّ القائد بعينٍ ثابتة طويلاً.
نظرتُ إليه من تحت وأنا أرتجف خفيةً.
“…يويس هو الذي دفعني.”
“أعرف.”
“كيف عرفتَ؟“
“لأنني سمعتُ حديثكما.”
“آه….”
“إذن؟“
“نعم؟“
وحين نظرتُ إليه كأنني لا أفهم ما يعنيه، أدار القائد رأسه وتابع طريقه.
“هذا ليس قريباً.”
─ هكذا قال.
أما أنا، فقد بقيتُ أحدّق بعينين واسعتين لا أقول شيئاً، ثم نقرني يويس بخفة.
“إذن ستفعلينها في العام المقبل، أليس كذلك؟“
٠…سأردّ لك الصاع.”
٠حقاً؟ وأنتِ التي لا تستطيعين حتى قول أبي؟“
قهقه يويس ضاحكاً
أدرتُ وجهي عنه.
ثم نادييتُ بصوتٍ عالٍ.
“لوريينزو! لوريينزوووو!”
“…!”
وسِيق يويس إلى ساحة التدريب.
* * *
مكتب القائد.
أتى يويس بعد قرابة ساعتين من التدريب الجحيمي وانهمك في الأريكة وهو ينفث من أنفه.
“أن تشتكيني لنائب القائد أمرٌ لا يليق؟“
فضرب نائب القائد، الذي كان يتجه نحو القائد حاملاً الوثائق، على رأسه.
تأوّه يويس متألماً وراح يفرك رأسه.
“لم يكن ذلك أذىً يستحق كل هذا. كل ما فعلته هو أنني مازحتُها مرتين أو ثلاثاً في أنها لا تستطيع مناداة القائد بـ‘أبي‘. ليس أكثر.”
“ما يُسيء إلى الآخر ليس مزاحاً.”
“لم يُسيء إليها ذلك. هي فقط منزعجٌة بعض الشيء. تلك الفتاة تحبّني كثيراً.”
“لا. أنا.”
أمام هذا الرد، توقفت يدُ القائد فجأةً عن التوقيع.
سأل نائب القائد الذي كان يضع الوثائق على مكتب القائد.
“ماذا تقصد؟“
“أنا من تعنيه.”
“…عم تتحدث؟“
وضع القائد ختمه جانباً وقال.
“أقصد من تُحبّه تلك الفتاة أكثر من سواه.”
“… “
“… “
خيّم الصمت على يويس ونائب القائد إزاء هذا الكلام الغريب عليه.
لم يدركا سرّ افتتانه بتلك الكلمة بالذات، لكن ما دام القائد قد تكلّم فلا بد من الإجابة.
“بالطبع أنا.”
“لا، بل أنا.”
“كلا، بل أنا.”
عاد الصمت يملأ القاعة من جديد.
أول من فتح فمه كان يويس.
“لا أستطيع الجزم بالتفصيل، لكنني ويوستيا نتشارك أسراراً متبادلة.”
فردّ نائب القائد.
“قالت لي إنها تسعد بتعلّم الحياة منّي. وقالت إنها لن تسامح من يهينني.”
وكان آخرهم القائد.
“أنا الأجمل.”
“… “
“… “
“قالت إنها تُحب الوجوه الجميلة.”
ذلك ليس من قواعد اللعبة يا حضرة القائد.
تجعّد وجها يويس ونائب القائد في آنٍ واحد.
* * *
بعد ظهر ذلك اليوم.
حدّقتُ في يويس بوجهٍ مستغرب.
“ماذا قلت؟“
“أعني أننا نتشارك أكبر سرٍّ على الإطلاق. ذلك شيءٌ عظيم.”
“…وبعد؟“
“إذن فأنتِ ترين أنني الأكثر….”
وبينما كان يويس يبلغ ذروة كلامه، أدار فجأةً رأسه بعيداً.
“لا بأس.”
ثم مضى بخطواتٍ واسعة.
أملتُ رأسي باستغراب.
فجأةً يسدّ طريقي ثم يتفوّه بهذا الكلام. ما الأمر؟
يبدو أن النخبة اليوم غريبة الأطوار بعض الشيء.
فنائب القائد أيضاً كان كذلك حين التقيتُ به قبل قليل.
“أليست كلمة الاحترام كلمةً عظيمة؟“
“بلى.”
“فليس من الممكن أن يحترم المرء أيّ شخص.”
“صحيح.”
“ولهذا فإن الشخص الذي يمكن القول عنه يقينًا إنني أحترمه، هو الأجدر بأن يكون…”
“…؟“
“…لا شيء.”
ثم مضى.
وكنتُ غارقةً في تلك الأفكار حين.
“مساءٌ طيب يا آنسة.”
“سُررنا برؤيتكِ، يا آنسة.”
صادفتُ أفراد وحدة يويس.
أومأتُ لهم فقالوا.
“سمعنا أن يويس توجّه إليكِ، أفلم تريه؟“
يبدو أنهم يبحثون عنه.
قلتُ.
“رحل للتوّ.”
“يا للأسف. كان عندنا ما يجب أن نبلّغه إياه عاجلاً.”
“ما الأمر؟“
“تصرفات رئيس المجلس تبدو مريبة.”
“مريبة؟“
“ألم يُطلق سراحه بعد وقتٍ قصير من تقييده على السور قبل أيام؟“
“نعم. قيل إنه لزم منزله منذئذٍ.”
“لم يكن الأمر كذلك.”
نظرتُ إلى أفراد الفرقة بدهشة.
“وما معنى ذلك؟“
“بحسب ما أفاد به من تسلّل إلى قصر رئيس المجلس، فإن الطعام لم يُدخل إلى غرفة نومه منذ هذا الصباح. كما أن ابنه غير موجود كذلك.”
“وإذن؟“
“يُقال إن عند الباب الخلفي آثار أقدامٍ تبدو لكلٍّ من الرئيس وابنه. خرجا من المنزل في الخفاء.”
رئيس المجلس وابنه وقد غادرا في الخفاء.
لماذا؟
لقد تقرّر بالفعل إرسال العريضة الجماعية إلى الإمارة الأم.
‘فإن كان ثمة أمرٌ آخر يقتضي التحرّك سرّاً… فهل يعتزمون إلحاق الأذى بالقائد؟‘
لكن القائد يقيم داخل القلعة تحت حراسة الجنود.
‘لا يمكن الاعتداء على القائد في تلك الحال… إلا إذا…’
فتحتُ عيناي على أوسعهما.
“أين القائد الآن؟“
“سمعنا أنه ما يزال في مكتبه.”
“أحضروا الجنود والطبيب إلى المكتب فوراً!”
وانطلقتُ أجري بأقصى ما تحتمل ساقاي.
ليس السيف وحده أداة القتل.
وهذه فالبوا.
الأرض التي صُنِع فيها سمٌّ فتاكٌ بالغ السمية كـإنغو.
وليس مستبعداً أن يوجد في هذه المنطقة سمٌّ قاتل آخر لا أعرفه.
‘لقد قيل إن أسرة رئيس المجلس وُجدت مع نشأة فالبوا منذ بدايتها.’
فلا عجب لو كانوا يعرفون ممرّاً سريّاً يُوصل إلى القلعة.
لو كانوا قد نصبوا السمّ للفتك بالقائد…؟
إن لم يُدخل الطعام منذ الصباح، فما الذي يحول دون أن يكونوا قد دخلوا القلعة بالفعل؟
‘لا… لا يمكن…!’
وبينما أجري مذعورةً تعثّرت قدماي وسقطتُ.
سارع الخدم المذعورون إلى مساعدتي، لكنني نهضتُ مسرعةً وواصلتُ الجري.
“هل من الصعب الإجابة حين يُسأل؟“
هكذا قال لي.
“إذا كان من ذهب من أجلي قد وقع في خطر، فمن الطبيعي أن أنقذه.”
لقد جاء ليأخذني.
“لقد اتخذتُكِ ابنةً لي. فأنتِ بذلك أولى من يجب عليّ حمايته.”
وعدني بالحماية.
كأن الدم في كل جسدي قد باتَ بارداً كالثلج.
الجسد يرتجف ارتجافاً لا تملكه اليدان.
من الخوف.
من الرعب الشديد.
الطريق إلى مكتب القائد يبدو كأنه يمتد إلى ما لا نهاية.
لا أرى شيئاً حولي.
لا شيء يملأ بصري غير باب المكتب.
دفعتُ الباب بكل ما أوتيت وصرختُ.
“أبّـ─!”
بالغتُ في الدفع حتى فقدتُ توازني.
وجلستُ على الأرض هناك أتلهّف أنفاساً وأرفع بصري أمامي.
و…
“…ها؟“
تمتمت بذهول.
كان القائد واقفاً سليماً معافى.
وأمامه يرقدان ركبتيهما على الأرض. رئيس المجلس وابنه.
وحول القائد كان يويس وأنتونيو ونائب القائد.
حدّق فيّ القائد ببصرٍ ذاهل.
“…أبّي؟“
قالها كذلك.
—يتبع.
( (
(„• ֊ •„) ♡
━O━O━
– تَـرجّمـة٠ شاد.
~~~~~~
End of the chapter
التعليقات لهذا الفصل " 43"