━━━●┉◯⊰┉ الفصل 40 ┉⊱◯┉●━━━
عَقَدَ كايدن حاجبَيْه وهو يُحدِّق في كاحل رينا الملفوف بالضماد.
كان موضع العَضّة التي خلّفتها ثعالب الثلج.
حينها قالَ بصوتٍ حادٍّ كحدِّ السيف:
“لو تأخّرتُ قليلًا فقط… لكنتِ فقدتِ حياتكِ.”
ما إن استعاد تلك اللحظة، حتى انقبض قلبه بقوّة.
وصورةُ رينا وهي تُسقِط كلَّ شيءٍ وتُغمِض عينيها استسلامًا أشعلت الغضب في صدره.
“في المرّة القادمة، تمسّكي بالحياة مهما كان الثمن. لا تقفي جامدةً بتلك النظرة التي تقول: تفضّل واقتلني.”
“لم يكن للصمود فائدة…”
قالت رينا بهدوءٍ بدا كأنّ الأمر لا يعنيها.
“لو لم تأتِ في الوقت المناسب، لكنتُ ميّتة فقط.”
عندها قال كايدن بسخريةٍ خفيفة:
“آه، فهمتُ الآن. إذن أنتِ لا تثقين بي
وبأنني سأصلُ إليكِ دومًا لذلك استسلمتِ.”
“كيف تحوّل الحديث إلى هذا؟”
وبينما رمشت بعينين مرتبكتين، قال كايدن بنبرةٍ قاطعة:
“أنا أحمي من ينتمون لي. دائمًا. فإن تكرّر ذلك الموقف، فإمّا أن تقاتلي حتّى آخر رمق وتصمدي بقوة… أو تهربي.”
“…”
لي.
ما أثقل هذه الكلمة.
شدّت قلبها وخنقت أنفاسها.
ظلّت رينا صامتةً للحظات، فقالَ كايدن مجدّدًا:
“لماذا لا تُجيبين؟”
كان واضحًا أنه لن يتراجع قبل أن يسمع جوابًا.
والمفارقة أن عناده ذاك أسعدها على نحوٍ غريب.
بعد قليل، أومأت رينا ببطء.
“…حسنًا. في المرّة القادمة، سأصمد… حتّى لو انتهى الأمر بذراعٍ مبتورة.”
“لا داعي لكلّ هذا التهويل…”
“إذًا، تعالَ وأنقذني بسرعة. سأنتظرك… أنت فقط.”
تحرّكت شفتا كايدن، لكن الكلمات لم تخرج.
هو لم يقصد سوى أن يحثّها على عدم الاستسلام بسهولة.
لكن حين قالت ذلك… شعر بشيءٍ غريب.
ربّما لأن ثقتها به كانت مطلقة منذ أوّل لقاء.
وإن فكّر بالأمر، لم يسبق لها أن عارضته مرّة.
شعر كايدن بوخزٍ لطيف في صدره، فسعل بخفّة وغيّر الموضوع:
“بالمناسبة… روز إن كانت تُزعجكِ، يمكنني أن أبدّلها بغيرها.”
“لا داعي لذلك.”
“لا داعي؟ أتقصدين أنكِ ستبقينها إلى جواركِ؟”
“كنتُ أعلم منذ البداية أن أهل الشمال لا ينظرون إليّ بعينٍ طيّبة. فحتى لو استبدلنا روز بشخصٍ آخر، فلن يزيد ذلك إلا همًّا جديدًا.”
أي إنها ستُبقيها، حتّى وإن لم تُرفع عنها الشبهات.
قرارٌ لا يجرؤ عليه إلا من يملك رباطة جأشٍ نادرة.
تمتم كايدن، محرّجًا:
“مع ذلك… لا بدّ أن هذا يزعجكِ.”
“أبدًا. رأيتَ بنفسك، أليس كذلك؟ روز
تناديني الآن بــ: سيّدتي.”
اتّسعت عينا كايدن دهشةً.
“لا تقولي بإنكِ كنتِ تعلمين بأنها لا تعترف بكِ منذ البداية…؟”
“بالطبع. عرفتُ ذلك منذ لقائنا الأوّل.”
أما السبب الحقيقي لكراهية روز… فلم
تعرفه إلا حديثًا.
أخفت رينا ما تبقّى من الكلام، وارتسمت
على شفتيها ابتسامةٌ مُرّة.
كان كايدن جاهلًا تمامًا بما يدور في قلب روز—
كمن يقف تحت المصباح بينما الظلّ يحجبه.
سألها باستغراب:
“ومع ذلك، لماذا لم تُبدّليها منذ البداية؟”
“لأن روز أيضًا من الأشخاص الذين ينبغي أن أنال اعترافهم. أخبرتكَ من قبل… لم آتِ إلى الشمال بقلبٍ عابر.”
“…”
“لا أنوي أن أُحيط نفسي بمن يحبّونني فقط. ربما لا أستطيع أن أحبّ الشمال كما تحبّه أنت…لكنني أريد أن أبذل جهدي أيضًا. ثم إنني…”
رفعت رينا بصرها، ونظرت إلى كايدن مباشرةً.
تلألأت عيناها الزرقاوان بلونٍ صافٍ.
كسماء الخريف، نقيّةً ومضيئة، تكاد تُعمي البصر.
حين تأمّلها، شعر كايدن باضطرابٍ في أحشائه،
كأن أعضاءه كلّها تسبح في الماء.
ابتسمت رينا.
كانت ابتسامةً تلاشت كقطع الثلج الأبيض
المتلألئ تحت أشعة الشمس.
“أريد أن أعرف الشمال الذي تحبّه أنتَ… كما هو حقًّا.
ولأجل ذلك، عليّ أن أجعل أشخاصًا مثل روز يقفون في صفي أيضًا.”
رنّ صوتها الصافي في أذنه رنينًا عذبًا.
كما عجز كايدن عن الردّ.
لم يتخيّل أنها تفكّر إلى هذا الحدّ. ظنّها فقط تهرب من الإمبراطور.
شعر فجأةً بانقباضٍ في صدره.
إحساسٌ يشبه النظر إلى مخلوقٍ لطيف… لكنه مختلف.
فهي لا تجعله يكتفي بالإعجاب—بل تزرع فيه قلقًا وتوتّرًا غريبين.
إحساسٌ مُدغدِغ، مؤلم قليلًا… ومربك.
في النهاية، لم يحتمل الجوّ المشحون، فمدّ كايدن يده وعبث بشعرها بخفّة، مُشيحًا بنظره:
“حسنًا. افعلي ما تشائين. إثارة المتاعب أفضل من الانكماش والهرب. واتركي إصلاح الأمر لي.”
كما في كلّ مرّة، قالها بثقةٍ مبالغٍ فيها.
لكن هذه المرّة، كان من الصعب عليه أن يواجهها بعينيه.
لم يفهم سبب شعوره بأنها صارت أصعب
مراسًا…لكن أمرًا واحدًا كان واضحًا:
كان بِن مُحقًّا.
رينا… أخطر ممّا يُظنّ.
كانت، كلّما غفل كايدن، توقظه على مشاعرَ غريبة.
مشاعر يريد الهرب منها لأنها مؤذية…
لكنها تدفعه، وبغرابةٍ، إلى الاقتراب.
إحساسٌ لم يختبره من قبل.
غامضٌ…ومُخيف.
وفجأةً، ضحكت رينا بخفّة وقالت:
“صحيح… الآن بعد أن فكّرتُ بالأمر، وجودك هو ما جعلني أتمادى هكذا. حتى أنا مندهشةٌ من نفسي.”
أرأيت؟ قلتُ إنها مؤذية.
“هاه… حقًّا…”
عجز كايدن عن النظر إلى ابتسامتها، فأدار وجهه.
تصرفٌ غريبٌ على رجلٍ لم يرفّ له
جفن أمام الوحوش.
“كايدن؟”
نظرت إليه رينا بعبوسٍ خفيف، وهو يفرك وجهه بيديه كمن يغسل قلقه.
تمتم كايدن كمن يحدّث نفسه:
“…جلبتُ شيئًا خطيرًا معي حقًا.”
“ماذا؟ ماذا قلتَ؟”
“لا شيء.”
أجابها بلا اكتراث، ثم استدار.
كان قد أضاع وقتًا أطول مما ينبغي، وعليه العودة إلى مكتبه.
“سأذهب.”
وحين أمسك بالمقبض والتفت، لوّحت له رينا بيدها بمرح:
“أراك لاحقًا، كايدن.”
كانت ابتسامتها مشرقةً على نحوٍ لافت، كأنها تستأثر بالضوء وحدها.
حدّق فيها طويلًا، ثم غادر الغرفة وهو عابس.
‘أنها إنسانٌ وليست نجمًا… فكيف تشعّ هكذا؟’
‘لقد جننتُ. يبدو أن أجلي قد اقترب.’
توقّف كايدن في الممرّ غارقًا في أفكاره.
كان قلبه يخفق بعنف، وأنفاسه مضطربة كغارقٍ لا يعرف كيف يتنفّس.
غثيانٌ خفيف، وإحساسٌ غريب بأن أحشاءه تهوي إلى الأسفل.
“هذا غريب…”
تمتم وهو يضغط على صدره،
فبادره بِن، الذي كان ينتظر في الممرّ:
“هل تشعر بسوءٍ ما، يا سيدي؟”
“نعم. قلبي غريب.”
“أأستدعي الطبيب الخاص؟”
اقترب بِن بجدّية.
وفي اللحظة التي التقت فيها عيناهما، هدأ قلب كايدن على نحوٍ مدهش.
على عكس رينا المتلألئة…كان بِن باهتًا…وعاديًّا.
وحين عاد النبض إلى هدوئه، تنفّس كايدن الصعداء.
“يبدو أنه عارضٌ مؤقّتٌ معها فقط.”
“ماذا؟”
“لا شيء. لنعُد إلى العمل.”
قالها كايدن بوجهٍ صافٍ، وتوجّه إلى مكتبه.
وتبعه بِن بعد لحظة، وهو لا يزال ينظر إليه بحيرة.
__تَرْجم بِكلِّ حُبٍّ مِنْ قَبْلِ كَارِيبِي
التعليقات لهذا الفصل " 40"