━━━●┉◯⊰┉ الفصل 38 ┉⊱◯┉●━━━
“ثمانيةٌ وأربعون، تسعةٌ وأربعون، خمسون.”
حين بلغت رينا الضربة الخمسين أخيرًا، ألقت السوط جانبًا بلا تردّد.
كانت أنفاسها متلاحقة، وقطرات العرق تتلألأ على جبينها، فقد واصلت الضرب دون توقّف.
إيدن وروز، اللذان شهدا كل ما جرى، عجزا عن النطق بكلمة واحدة.
لم يتخيّلا قط أن رينا—التي بدت لهما دومًا وديعةً ليّنة—قادرة على إنزال عقابٍ بهذه القسوة والبرود.
حين اقترحت الاستقالة في البداية، ظنّا أن الأمر لن يتجاوز سوى عقوبة خفيفة على غير المتوقع.
لكن منذ اللحظة التي هدّدتها بالسيف وأجبرتها على إحضار السوط بنفسها، أيقنا أن لا عقوبة أشدّ من هذه.
وبالنسبة إلى ماري، المرأة التي طالما أولت الكرامة النبيلة والوجاهة الاجتماعية اهتمامًا بالغًا، لم يكن ثَمّة إهانةٌ أفدحُ من ذلك.
طردٌ مُشين، يتبعه جلدٌ خمسون جلدة.
بدأ التوتّر يتصاعد في صدر روز بعدما أدركت بنفسها أن رينا أخطر بكثير مما ظنّت.
‘هل هذا هو الفارق حين يكون المرء من السلالة الإمبراطورية؟’
كانت تعرف جيّدًا مدى وحشية الإمبراطور الحالي، فازداد قلبها ارتجافًا.
ذلك الجمود القاسي الذي اعتلى ملامح رينا حين يتعلّق الأمر بترسيخ السلطة… كان يشبه الأمبراطور تمامًا.
أدركت روز، وقد اجتاحتها قشعريرةٌ، أن رينا كانت تتساهل معها طوال هذا الوقت.
“هـ… آه…”
حين انهارت ماري أخيرًا على الأرض، التفتت رينا إلى روز وقالت ببرود:
“أعيديها إلى منزلها. وأفرغوا كل متعلّقاتها.”
“…نعم.”
“السيدة ماري لن ترغب بأن يخرج ما جرى اليوم إلى العلن، لذا التزمي الصمت ما لم يحدث أمرٌ استثنائي.”
كان معنى ذلك واضحًا: إن راودت ماري أي نيةٍ سيئة، فلن يمنعهم شيء من نشر كل شيء.
فهمت ماري التهديد فورًا، وكتمت شهقتها وهي تحبس دموعها.
لم يكن في وسعها أن تسمح بانتشار خبر تعرّضها للجلد، بعد طردها المُهين.
صحيح أنّ بقاءها في الشمال بات مستحيلًا، لكنها كانت لا تزال بحاجةٍ إلى ملاذٍ آخر.
أخفت ماري إذلالها، وانحنت بخصرٍ مرتجف.
“شكرًا لكِ على لطفكِ سيدتي”
“اذهبي.”
قالتها رينا بلهجةٍ جليدية، فتراجعت ماري وهي تجرّ قدمها جَرًّا.
هكذا خلت الغرفةُ من الجميع.
تنفّست رينا أخيرًا، وزفرت ما كانت تكتمه، ثم ترنّحت وارتمت على الأريكة.
“هااه…”
طوال معاقبتها لماري، شعرت وكأن أنفاسها تنقطع.
ولم يكن السبب الغضبَ وحده.
أثناء إنزال العقاب، كانت رينا تصارع ماضيها.
‘الطفل الذي لا يطيع… لا بدّ أن يُعاقَب.’
في تلك اللحظة، تداخلت صورة الإمبراطور السابق مع صورتها هي.
كان يتحوّل إلى شخصٍ عنيفٍ بلا رحمة إن لم تنفّذ أوامره.
تحمّل الضربات لم يكن أمرًا بطوليًا كما يُقال، بل تجربةً مهينةً تستنزف الروح.
ومع استمرار التعذيب، بدأت رينا تفقد ذاتها شيئًا فشيئًا.
حين لم تعد قادرة على التمييز بين مشاعرها الحقيقية والزائفة…
كانت قد صارت تشبهه بالفعل.
تفكّر مثله، وتتصرف بلا تردّد.
وفي النهاية، ككلبٍ عضّ سيّده، قطعت أنفاس الإمبراطور بلا شفقة.
كلّ ذلك…كان بأسلوبه.
ولهذا، بينما كانت تضرب ماري، تسلّل الخوف إلى قلبها.
‘هل صرتُ وحشًا مثلهُ؟’
“لا… أنا لستُ مثله.”
تمتمت بذلك كمن يُقسِم على نفسه.
لم يكن الوقت مناسبًا للانهيار.
جمعت مشاعرها بصعوبة، ونهضت، ثم اتجهت بوجهٍ متماسك نحو الغرفة التي كانت داليا فيها.
***
تلقّى بِن خبر إخلاء غرفة السيدة
ماري على يد رينا متأخرًا.
كان ذلك أول ما فعلته فور استيقاظها.
من الواضح أن ماري كانت متورّطة في الحادثة الأخيرة.
وكان بِن يعتزم استجوابها بعد روز مباشرة، لذا أصبح فهم ما جرى أمرًا ملحًّا.
“كانت السيدة ماري تعرج منذ لحظة خروجها من غرفةِ الاستقبال. أظنّ أنها تعرّضت للجلد.”
قالت إحدى الخادمات ذلك بحذر.
حتى صباح اليوم كانت السيدة ماري تسير طبيعيًا، لذا لم يكن الشكّ في غير محلّه.
لم يعرف أحد ما الذي حدث داخل الغرفة، لكن كل الدلائل أشارت إلى رينا.
‘ظننتها متساهلةً…’
شعر بِن أن رينا أكثر صرامةً مما توقّع، فسارع إلى إبلاغ كايدن.
وما إن سمع كايدن الخبر، حتى توجّه فورًا إلى حيث كانت رينا.
“رينا.”
كانت جالسةً مع داليا تتناول بعض الحلوى، فابتسمت له بهدوء.
“هل هو وقت استراحتك؟ نحن نتناول الحلوى أيضًا. إن كان لديك وقت، لمَ لا تنضم إلينا؟”
كان وجهها هادئًا على نحوٍ لا يُصدَّق.
من الصعب تصديق أنها المرأة نفسها التي جلدت ماري قبل قليل.
‘هل التقرير خاطئ؟’
نظر كايدن إلى بِن بحدّة، فهزّ الأخير كتفيه بملامح مظلومة، وكأنه يقول: ‘نقلتُ ما سمعته فقط.’.
بعدما علمت رينا أن ماري أساءت استخدام سلطتها وطردت معلّمي داليا تعسّفًا، كانت تنوي طردها فورًا.
لكنها طلبت من كايدن الانتظار قليلًا لاختيار التوقيت المناسب.
ولكن كايدن، لم يتخيّل قط أن تتفاقم الأمور إلى هذا الحدّ.
“قيل إن أجواء غرفة الاستقبال كانت مرعبة. حتى إيدن بدا شاحبًا وهو يخرج.”
“أليس ذلك طبيعته أصلًا؟”
“روز أيضًا كانت في حالةٍ مشابهة.”
عندها توقّف كايدن قليلًا.
فإن كانت روز—ذات الأعصاب القوية—قد اضطربت، فالأمر خطير.
ولكن…ما جاء به بِن كان أصعب تصديقًا حقًا.
‘دايف قال إنه سمع صوت ضربٍ بالسوط. ويبدو أن السيدة بنفسها هي من جلدت ماري.’
‘هيا، لا بدّ أنه أخطأ السمع. أنت رأيتَ بنفسك، رينا لا تملك قلبًا قاسيًا كهذا. كيف ستجلدها بمعصميها النحيلين؟’
‘ربما كنّا مخطئين في تقديرها.’
‘ماذا تقصد؟’
‘أظنّها أشدّ صرامةً مما توقّعنا. وقد نحتاج إلى البحث أعمق في سبب قدومها إلى الشمال.’
‘لقد بحثنا ولم نجد شيئًا.’
‘وهذا ما يقلقني أكثر.’
كان بِن يشكّ في دوافع رينا.
فمن الطبيعي أن يُبعث الخوف في القلب عندما ترى امرأةً تبدو عاجزةً عن قتل نملة، تسحق السيدة ماري بلا رحمة.
لكن كايدن لم يشعر أن رينا فعلت ذلك بلا اكتراث.
راقب ملامحها بدقّة.
بدت زوايا شفتيها منخفضة أكثر من المعتاد، وكأنها تخفي شعورًا بالذنب.
وليس هذا فحسب—يدها التي تمسك فنجان الشاي كانت ترتجف بخفّة.
ورغم القفازات المخملية السميكة، لم يَفُت ذلك نظره.
أطراف أصابعها، التي كانت تمسك الفنجان دومًا بأناقة، بدت متيبّسة على غير عادتها.
كانت تحاول إخفاء الأمر بجسدها كلّه، لكن حدّة ملاحظة كايدن لم تُخدع.
‘قلتُ إنني سأتكفّل بالأمر.’
شعر بقليلٍ من الضيق من عنادها.
كان يمكنه هو أن يتحمّل ذلك بدلًا منها.
يبدو أن جلد ماري كان فعلًا اندفاعيًا.
فخطة رينا الأصلية كانت تضييق الخناق على ماري تدريجيًا، وإبعادها نفسيًا عن داليا ببطء.
لم تكن تتوقّع، على الأرجح، أن تقدم ماري على فعلٍ خسيسٍ كهذا في تلك الأثناء.
نظر كايدن إلى داليا نظرةً عابرة، ثم قال لرينا:
“هل يمانع أحد إن انضممت؟”
“بالطبع لا. كنّا نستريح فحسب. هل آمر بإحضار حصّتك؟”
“يسعدني ذلك.”
“روز، هل تحضرين فنجانًا آخر من فضلك؟”
“نعم، سيدتي.”
أحضرت روز الفنجان بوقفةٍ منضبطة.
حدّق كايدن فيها بدهشة—فقد بدت مختلفةً عمّا اعتاد عليه.
__تَرْجم بِكلِّ حُبٍّ مِنْ قَبْلِ كَارِيبِي
التعليقات لهذا الفصل " 38"