اقتربتْ رينا من السيدةِ ماري وهي تستندُ إلى عكّازٍ أحضرتهُ الخادمةُ.
كانتْ قد فكّرتْ في الأمرِ باستخفافٍ شديدٍ طوالَ هذهِ المدّةِ.
ففي النهايةِ، لم يكنِ التمرّدُ ليقعَ إلّا بعدَ ثلاثِ سنواتٍ، ورأتْ أنّهُ يكفي إضعافُ سلطة ماري تدريجيًّا فقط.
وظنّتْ أنّ ذلك سيكونُ في صالحِ داليا أيضًا.
لكنْ أن ترتكبَ فعلًا وقحًا كهذا في هذهِ الأثناءِ، فتُعرِّضَ داليا، بل وتُعرِّضَها هي نفسها أيضًا للخطرِ… فهذا ما لم تتوقّعهُ قطّ.
وحين لم تعُدْ تجدُ سببًا واحدًا للتغاضي عن السيدةِ ماري، سألتْ رينا ببرودٍ:
“قلتِ إنّ ذلك كان بدافعِ الإخلاص؟”
“…”
“أشعرُ بالفضولِ حقًّا. لمن يكونُ إخلاصُكِ هذا؟ مَن هو الشخصُ الذي تُخلِصينَ لهُ حقًّا؟”
“أمعقولٌ أنّكِ تظنّينني جاسوسة؟ الشخصُ الوحيدُ الذي أُخلِصُ لهُ هو الآنسةُ داليا. لا تُشوِّهي إخلاصي هكذا…!”
ما إنْ اندفعتْ السيدةُ ماري تُبرِّرُ بانفعالٍ حتّى قاطعتها رينا:
“أخطأتِ. أنتِ لم تُخلِصي لداليا نفسها، بل لسلطتِها. وإلّا، لما خاطرْتِ بتعريضِها للخطرِ.”
“أنا…!”
كانتِ السيدةُ ماري على وشكِ الاحتجاجِ مجدّدًا، حين دوّى صوتٌ حادٌّ.
ومع ذلك الصوتِ اللاذعِ، انحرفَ رأسُ السيدةِ ماري بقوّةٍ إلى الجانبِ الآخر.
شعرتْ بحرارةٍ مفاجئةٍ في خدِّها، وارتسمَ على وجهِها تعبيرُ ذهولٍ فارغٍ.
لم تستوعبْ في اللحظةِ الأولى ما الذي جرى لها.
ثمّ، وكأنّ صاعقةً ثانيةً هبطتْ عليها.
وحين تلقّتِ الضربةَ في الموضعِ نفسهِ مرّةً أخرى، دارَ رأسُها.
حدّقتِ السيدةُ ماري في رينا التي صفعَتها مرّتين، لكنّها لم تنبسْ بكلمةٍ.
كانتْ تُدركُ بحاسّةِ الخطرِ أنّ فتحَ فمِها الآن سيجلبُ عليها ما هو أسوأ.
كان الجوُّ حولَ رينا غيرَ طبيعيٍّ على الإطلاقِ.
عضّتِ السيدةُ ماري على شفتِها وخفضتْ رأسَها.
وعندما رأتْ رينا أنّ حدّتَها انكسرتْ، تابعتْ بلهجةٍ باردةٍ:
“حتّى لو لم أُعجبكِ، كنتُ سأتجاهلُ ذلك. لأنّي حكمتُ أنّكِ، على الأقلّ، لن تُؤذي داليا.”
“…”
“لكنّكِ تجاوزتِ الخطَّ. لم يعُدْ بإمكاني الإبقاءُ
عليكِ إلى جانبِ داليا. ابتداءً من اليومِ، غادري قلعةَ كرينسيا. وإنْ ظهرتِ أمامَ داليا مرّةً أخرى، فالأفضلُ لكِ أن تكوني مستعدّةً لِما سيحصل.”
ستُطرد؟!
اتّسعتْ عينا السيدةِ ماري غضبًا عندَ هذا الإخطارِ المفاجئِ.
لو أنّ هذهِ الحادثةَ انتهتْ كما خطّطتْ لها، لكانتِ الأمورُ سارتْ وفقَ رغبتِها.
كلُّ هذا بسببِ تلكَ الأميرةِ التي ظهرتْ فجأةً!
“وبأيِّ سلطةٍ تطردينني؟ هذا قرارٌ يعودُ للسيّدِ الشابّ إيدن!”
“كلا. الشؤونُ الداخليّةُ لعائلة كرينسيا كلُّها من اختصاصي. أأحتاجُ إلى إذنِ أحدٍ لطردِ موظّفةٍ لا يُوثَقُ بها؟”
“هااه! أتقصدينَ هذا المنصبَ الذي
لا يعترفُ بكِ أحدٌ به؟”
“…”
سادَ الصمتُ المكانَ. ومع انحصارِها في الزاويةِ الآن، أصبحتْ كلماتُ السيدةِ ماري بلا قيودٍ.
“منذُ البدايةِ، أليسَ هذا زواجًا عُجِلَ بهِ دونَ اجتماعِ مجلسِ الشيوخ؟ لولا أنّ الدوق كان يُدافعُ عنكِ، لكانَ هذا المنصبُ حقًّا لأهلِ الشمالِ. لا يكفي أنّكِ ظهرتِ فجأةً، بل تأتينَ لتُملي الأوامرَ أيضًا! أترينَ أنّ أحدًا سيُحسنُ الظنَّ بكِ؟ لو لم تحاولي إقصائي، لما وصلَ الأمرُ إلى هذا الحدّ!”
لم يستطعْ إيدن الصمتَ أكثرَ من ذلك، فتدخّلَ:
“كفى، يا سيّدة ماري. ألا تعلمينَ أنّ انتهاءَ الأمرِ عندَ هذا الحدِّ هو أهونُ الاحتمالات؟ لو علمَ أخي بالأمرِ أوّلًا، لما اكتفى بهذا.”
لكنّ ذلك زادَ غضبَ السيدةِ ماري.
حينها صرختْ بصوتٍ حادٍّ:
“أن هذا حقًّا مُخيِّبٌ للأمل! حتّى الآن، تقفُ في صفِّ هذه الغريبة؟ يبدو أنّك لا تختلفُ كثيرًا عنها، يا سيّدي. هل منذُ أيّامٍ قليلةٍ فقط انخدعتَ بكلماتٍ معدودةٍ ووقفتَ إلى جانبِ تلكَ المرأة؟”
“سيّدة ماري!”
“ما الخطأُ الفادحُ الذي ارتكبتُه؟ أن أُخلِصَ لكرينسيا طوالَ حياتي، ثمّ يكونُ جزائي هذا العار؟ ثمّ إنّ السيّدة رينا لم تمتْ أصلًا!”
كانتْ تقذفُ الكلماتِ دونَ تمييزٍ بينَ ما يُقالُ وما لا يُقالُ.
“هاه…”
تنفّسَ إيدن بعمقٍ وهو يمسحُ جبينَهُ.
كان قد فكّرَ في تهدئةِ رينا إذا أعطت عقوبةً شديدةً، وذلك مراعاةً للسنوات التي قضتها السيدةُ ماري مع داليا.
ولحسن الحظ، حاولت رينا إنهاء الأمر بهدوء، فالتزم الصمت.
طوالَ سيلِ الإهاناتِ هذا، لم تقلْ رينا كلمةً واحدةً.
ثمّ سألتْ بهدوءٍ:
“هل انتهيتِ ممّا لديكِ؟”
“ماذا؟”
وحين توقّفتِ السيدةُ ماري عن الصراخِ وهي تتنفّسُ بغضبٍ، التفتتْ رينا إلى روز:
“روز، اذهبي وأحضري السوط من غرفةِ السيدةِ ماري.”
تجمّدتْ روز بملامحَ مذهولةٍ:
“أنا؟”
كانتْ لا تزالُ موضعَ شبهةٍ.
ومع ذلك، قالتْ رينا بنظرةٍ لا يشوبُها شكٌّ:
“بسرعة.”
“ح- حسنًا، سأعودُ فورًا.”
وقبلَ أن تغادرَ روز، أطلقتِ السيدةُ ماري نفخةً ساخرةً:
“لا فائدةَ من ذلك. لقد تخلّصتُ من ذلكَ السوط اللعين منذُ زمن!”
سادَ المكانَ صمتٌ ثقيلٌ.
حدّقتْ روز بها بدهشةٍ، ثمّ فكّرتْ في نفسها:
‘لقد فقدتْ صوابَها تمامًا. ألهذا الحدّ وصلتْ بها الجرأة؟’
بالنسبةِ لروز، كان الطردُ عقوبةً خفيفةً.
فلو كانَ كايدن مكانَ رينا، لما انتهى الأمرُ عندَ هذا الحدّ.
على العكسِ، كانتْ رينا متسامحةً إلى حدٍّ مُخيفٍ.
“أهكذا الأمر إذن؟”
نهضتْ رينا بهدوءٍ، وكأنّها توقّعتْ ذلك.
ثمّ أخذت السيفَ الزخرفيَّ المعلّقَ على جدارِ الغرفة، واقتربتْ من السيدةِ ماري.
نظرَ الجميعُ إليها بوجوهٍ حائرةٍ.
أخرجتْ السيفَ من غمدِه، ولمعَ نصلُهُ تحتَ الضوءِ.
وغرزتْهُ في الأرضِ بقوّةٍ قائلةً:
“إذًا، ليسَ لدينا سوى هذا. هل يناسبُكِ؟ كما ترينَ، إنْ أُسيءَ استخدامُهُ فقد يقطعُ الرقبةَ.”
إنّها جادّةٌ.
أدركتْ روز ذلك فورًا.
وما إنْ وقعتْ عينا السيدةِ ماري على السيفِ، حتّى شهقتْ:
“هـ هناك! لم أتخلّصْ منه! إنّهُ في الدرجِ الثالثِ بغرفتي!”
قالتْ رينا بصوتٍ منخفضٍ:
“قد نذهبُ بلا فائدةٍ ولا نجده، لذا أفضّلُ أن تُحضريهُ بنفسِكِ.”
خرجتِ السيدةُ ماري مسرعةً، بينما ظلّتْ روز تحدّقُ في رينا بنظرةٍ معقّدةٍ.
تردّدَ صوتُ الضربِ في الغرفةِ مرارًا، وهو يشقُّ الهواءَ بقسوةٍ.
كانتْ رينا تجلدُ ساقَي السيدةِ ماري بصمتٍ.
وكان الدمُ قد سالَ منذُ زمنٍ.
“اغهه.”
عضّتِ السيدةُ ماري على أسنانِها بوجهٍ مشوّهٍ بالذلِّ.
كانتْ تشعرُ بالعارِ لأنّها دلّتْ بنفسِها على موضعِ السوط،
لكنّ الرهبةَ التي خيّمتْ على المكانِ جعلتْها تتحمّلُ العقابَ صامتةً.
أنهت رينا الجلد بعد خمسينَ جلدةً، كما لو كانتْ مُعلِّمةً تُؤدِّبُ تلميذةً.
في البدايةِ كان البعضُ متشككين في أستمرار هذا، ولكن، حين تجاوزَ العددُ الثلاثينَ، حبسَ الجميعُ أنفاسَهم، ولم يعُدْ يُسمَعُ في المكانِ سوى وقعِ الضربات.
التعليقات لهذا الفصل " 37"