━━━●┉◯⊰┉ الفصل 36 ┉⊱◯┉●━━━
“الدوقة؟”
ما إن اندفعتْ روز مسرعةً نحوها، حتّى بادرتها رينا بالسؤال دون تمهيد.
“أين الوشاح؟”
“هاه؟”
تجمّدتْ روزُ في مكانها بملامحَ شاردةٍ.
زاد من ارتباكها أنّها، قبل قليل، كانت قد أوكلتْ عملها إلى ماري، فارتسم الذنبُ على وجهها أكثر.
“إن كان الأمرُ يتعلّق بالوشاح، فقد أخذته السيدة ماري قبل لحظات. كنتُ أنوي الاهتمام به بنفسي، لكن…”
وقبل أن تُكمل سيلَ تبريراتها، قاطعتها رينا وسألتْ بنبرةٍ حادّة:
“السيدةُ ماري أخذته؟”
انقبض وجهُ روز.
لم يُعجبها قطعُ حديثها، لكنّ الأجواء لم تكن عاديّة، فانخفض صوتها تلقائيًّا.
“نعم. أقول هذا حتّى لا تسيئي الفهم، لم أؤجّل عملي أبدًا. السيدةُ ماري هي من أرادت تولّي الأمر، ولم يكن بوسعي الرفض.”
ومع ذلك، كانت تنفثُ تبريراتها بعصبيّةٍ واضحة، فقد بلغتْ حدَّها بعد ليلةٍ كاملةٍ من الاستجواب.
أمّا رينا، فتصلّب تعبيرُها عند سماع اسم ماري.
كان شعورٌ ثقيلٌ يترسّخ في صدرها، يقودها شيئًا فشيئًا نحو أسوأ الاحتمالات.
وبعد لحظة صمتٍ، قالتْ ببرودٍ واضح:
“أحضري السيدةَ ماري فورًا، ودعيها تأتي بالوشاح كما هو.”
“سيّدتي؟”
“كلا لِندع هذا ونذهبُ نحن. سيكونُ ذلك أسرع.”
فغرفةُ الغسيل لم تكن بعيدة.
وبما أنّهما افترقتا لتوّهما، فلا بدّ أنّ ماري لم تبتعد كثيرًا.
لكنّ احتمالَ أن تحاول ماري إخفاءَ دليلٍ ما جعل رينا تستعجلُ في خطاها.
وبينما تحرّكنَ على عجلٍ، تدخّل إيدن، وقد كان قد سمع الحديث مصادفةً:
“سأرافقكم.”
“إيدن؟”
ارتسم التردّدُ على وجه رينا.
لم يكن مؤكّدًا بعد أنّ ماري هي الجانية.
صحيحٌ أنّ الشكّ بلغ منتصفهُ بالفعل، لكنّ استجوابَها أمام إيدن، الذي كان يثق بها دائمًا، لم يكن أمرًا هيّنًا.
وحين تردّدتْ، قال إيدن بهدوء:
“هل ارتكبتْ السيدةُ ماري خطأً ما؟”
“هاه؟”
“سمعتُ الحديثَ صدفةً أثناء مروري. وبحسب ما فهمت، يبدو أنّ السيدةَ ماري على صلةٍ بهذه الحادثة، أليس كذلك؟”
“هذا ليس مؤكّدًا بعد.”
“إذًا، فهذا سببٌ إضافيّ لأن أرافقك. هذه القضيّة تتعلّق بداليا أيضًا، أليس كذلك؟ ولي حقّ السماع مثل غيري.”
“لكن…”
“قد أبدو ضعيفَ البنية، لكنّي أجيدُ الإسناد.”
قالها وهو يُسندُ رينا طبيعيًّا.
لعلّه كان يقصد زوجته السابقة ضعيفة الجسد
فيبدو أنهُ قد اعتاد على إسنادها.
وأمام نبرته الحازمة غير المتوقّعة، استسلمتْ رينا وأراحتْ جسدها.
“إذًا، أعتمدُ عليك.”
***
بعد أن استلمتْ الوشاح من روز، أسرعتْ
ماري عبرَ الممرّات.
وما إن وصلتْ إلى مكانٍ خالٍ من الناس، حتّى بدّلتْ الوشاح الموجود في السلّة بآخر جديدٍ كانت تُخفيه في جيبها.
‘آه… كدتُ أقعُ في ورطةٍ حقيقيّة.’
لم تكن تنوي أكثر من تلقينِها درسًا بسيطًا، لكنّ الأمور خرجتْ عن السيطرة.
ولم تتوقّعْ قطّ أن يُجري الدوق تحقيقًا شاملًا بنفسه.
لحسن الحظّ، كانت قد بدّلتْ الخريطة مستغلّةً غفلةَ روز، وكانت تلك خطوةً ذكيّةً في لحظتها.
فلولا ذلك، لكانت هي أوّل من وقعَ تحت الشبهة، ولما نالت فرصةَ إخفاء الأدلة.
وخلال انصرافِ الأنظار نحو روز، كانت ماري قد أخفتْ وشاحَ داليا الضائع.
فبدونه، لا يمكنُ إثباتُ تورّطها.
قبل وقوعِ الحادثة.
استغلّتْ ماري لحظةَ انشغالِ رينا وداليا بتناول الشطائر، حين نزعَتا الوشاح، وأجرتْ عليه فعلتها.
لم تفعلْ أكثر من خلطِ مادّةٍ لا تستجيبُ لها سوى ثعالب الثلج، لكنّ تأثيرَها كان قويًّا.
لم تكن تتوقّعْ أن تندفعَ كلُّ تلك الجموع داخل المنطقة الآمنة.
كانت خطّتها مجرّد إخافةٍ بسيطة، ثمّ التظاهر بإنقاذ داليا بشكلٍ بطوليّ.
لكنّ الحادثة وقعتْ في غيابها، ولم تُتح لها فرصةُ التدخّل.
وكاد ذلك يُودي بحياة رينا، لتتحوّل القضيّة إلى محاولة اغتيالٍ لزوجة الدوق.
ولو انكشف أمرُها، لضاعتْ كلُّ إنجازاتها السابقة دفعةً واحدة.
ولهذا، كانت متوتّرةً إلى أقصى حدّ، رغم محاولتها التصرّفَ بهدوء.
وما إن وصلتْ إلى غرفة الغسيل، حتّى انقضّتْ ليلي على معصمها، وكأنّها كانت في انتظارها.
“آه! أخفتِني يا ليلي، ما الذي تفعلينه فجأةً؟”
“لماذا هذا الارتباك؟ هل تخفينَ شيئًا عنّي؟”
أمام ملامح ليلي الحادّة، احمرّ وجهُ ماري.
“هذا تصرّفٌ غير لائق ووقح. ما معنى هذا فجأةً…”
وحين حاولتْ الإفلات، شدّتْ ليلي السلّة بقوّة.
“أعطيني السلّة.”
“آه.”
تراجعتْ ماري خطوةً، لكنّ ليلي كانت أسرع، فخطفَتِ السلّة وقلّبتْ محتوياتها بعينين غاضبتين.
“هذا ليس الوشاح. لا يمكن أن تكوني قد غسلتِه في هذا الوقت القصير. أين أخفيتِ وشاح السيّدة؟”
“لا أعلمُ شيئًا. جئتُ به كما استلمتُه فقط.”
وحين واصلتْ ماري التظاهرَ بالبراءة، انفجرتْ ليلي غاضبةً:
“كفّي عن التمثيل! هل كنتِ تنوين منذ البداية إلصاقَ التهمة بأختي؟”
“قلتُ لكِ إنّ الأمر ليس كذلك!”
ارتفع صوتُ ماري في صرخةٍ حادّة، فالتفتَ الخدمُ من حولهما.
ومع تجمّع الأنظار، ازداد ارتباكُها.
كان الدليلُ ما يزال في جيبها.
وحين لاحظتْ ليلي حركتها غير الطبيعيّة، أمسكتْ بطرف ثوبها بقوّة.
“يبدو أنّه هنا!”
“لا! قلتُ لكِ إنّه ليس كذلك!”
هل تهربُ الآن ثم تُنكرُ لاحقًا؟
كانت تلك الفكرة تخطر ببال ماري، حين دوّى صوتٌ مألوف.
“توقّفي.”
ارتعشتْ ماري فور سماعه.
كان الصوتُ لشخصٍ تمنّتْ ألّا يكون حاضرًا.
وحين التفتتْ، رأتْ إيدن ينظرُ إليها بملامحَ جامدة.
وكانت داليا ورينا تقفان إلى جواره.
“سـ سيّدي…”
وفي تلك اللحظة، أخرجتْ ليلي الوشاحَ من جيبها بسرعة.
“إنّه هنا، سيّدتي!”
“آه…”
انتهى الأمر.
انكشفَتْ محاولتها لإخفاء الوشاح أمام الجميع.
“هل هذا صحيح أيتها السيدة ماري؟”
سألها إيدن بوجهٍ صارم.
فعضّتْ ماري شفتها السفلى.
أمام إيدن وداليا، ما جدوى الهرب الآن؟
فأحنتْ رأسها وقالتْ بصوتٍ خافت:
“أنا آسفة، سيّدي.”
وحين اعترفتْ، تنفّس إيدن بعمقٍ وهو يمسحُ جبينه.
أمّا داليا، فبقيتْ تنظرُ حولها بملامحَ حائرة.
قالتْ رينا لليلي:
“خذي داليا وابتعدي قليلًا.”
“نعم، سيّدتي.”
أمسكتْ ليلي بيد داليا وأبعدتها فورًا. وكانت داليا تلتفتُ إلى الخلف مرارًا.
“هل أخطأتْ المربّية في شيء؟”
“لا يا صغيرتي.”
قالتْ ليلي بابتسامةٍ متكلّفة، وسحبتْها بعيدًا عن المكان.
***
بعد رحيل داليا، سادَ الممرَّ صمتٌ بارد.
ولكثرةِ العيون، انتقلوا إلى غرفةٍ هادئة.
كان إيدن أوّل من فحصَ الوشاح.
امتزجَ الدمُ بالمادّة المضافة، فتلألأ الوشاح بلونٍ مائلٍ إلى الزرقة.
وبمجرّد أن أدرك ما فُعل به، واجهَ ماري بحدّة:
“هل رششتِ عليه مادّةً مُهيِّجة؟”
“كنتُ فقط أريدُ إثباتَ إخلاصي…”
“وأيُّ إخلاصٍ هذا الذي يعرّضُ سيّده للخطر؟! كادتْ داليا تُصاب، بل إنّ زوجةَ أخي أُصيبتْ إصابةً خطيرة! لماذا؟ لماذا فعلتِ كلّ هذا؟!”
وبينما كان إيدن يثورُ غاضبًا، وقفتْ رينا صامتةً.
وبعد لحظة، قالتْ بهدوءٍ وبصوتٍ مُنخفض:
“اهدأ يا إيدن.”
“ألستِ غاضبةٍ أيضًا؟”
“بلى.”
جعلَه صوتُها الهادئ يرتجف.
فنبرتها كانت لطيفة، لكنّ عينيها كانتا باردتين… كالجليد.
__تَرْجم بِكلِّ حُبٍّ مِنْ قَبْلِ كَارِيبِي
التعليقات لهذا الفصل " 36"