ماذا يحدث الآن بالضبط؟ لم تستطع هيس أن ترتّب أفكارها بسرعة، وكأن عقليها غارق في ضباب كثيف.
هل يعرض عليها القدر مشهدًا حلوًا كهذا، بمجرد أن تتخذ قرار الطلاق؟
إذا كان الأمر كذلك، فالقدر لا يبدو حليفًا لها هذه المرّة.
‘لم أعد أرغب في شيءٍ من هذا النوع…’ تمتمت هيس بذهول.
كان ديـر يحدق بها، المذهولة والمتحيرة، بصمت، من مسافة قريبة جدًا.
كأنّه ينتظر بصبر حتى تستفيق وتستعيد وعيها الكامل.
كان ملمس أصابعه على جسدها واضحًا، لم تكن يدا ديـر الباردة كما ظنت، بل كان دفء جسده المستيقظ حديثًا ينتقل إلى خصرها.
لطالما ارتبط في ذكرياتها البارد عند لمسه، لذلك كان هذا الدفء الغريب أمرًا مدهشًا لها.
“هُه…”
“ماذا تقولين؟”
رفع ديـر رأسه قليلًا، كأنه يحاول قراءة تعابير وجهها المتحيرة.
“لماذا تبدين هكذا؟ منذ الصباح وأنت غريبة، عزيزتي.”
مرّر ديـر بخفة خصلات شعرها خلف أذنها، متحدثًا بلهجة تذمر لطيفة:
“هل حلمتِ بشيء سيء؟
أنسى أن تُقبّليني وتناديني ببرود، فهذا لا بد أنه حلم سيء جدًا.”
“ماذا تقول، سيدي الدوق؟ ما هذا الكلام؟”
“سيدي الدوق؟”
حدّق ديـر في هيس بجدية، ثم جلس نصف مستقيم ليتفقد حالتها.
غطّت يده البيضاء الكبيرة معظم جبهة هيس، وكان ملمسها واضحًا حتى دون أي ضغط أو لمس فعلي.
‘ما هذا…’
شعرت عيناها وأنفها بتنميل، وبدأت الدموع تتساقط من جديد.
كان وجهه وحركاته بلا شك تعكس الحب، كأنّه يهمس لها أنه يحبها دون أي خفاء.
“لماذا تبدين هكذا…؟”
امتلأت هيس بمزيج من الحزن واللوم في الوقت نفسه.
لماذا الآن بالذات؟ كان حلمًا مزعجًا بحق.
رغم أنّ حرارة يده لم تصل إلى خصرها، بدا ديـر قلقًا من حالتها المتذبذبة، خصوصًا أنه لم يرضه التعبير الغريب في وجهها منذ لحظات.
رفع ديـر هيس إلى ركبتيه وجلس على حافة السرير، قبّل قمة رأسها وهمس بتنهدة غامقة:
“يبدو أنّك حلمتِ حقًا بحلم سيء.”
دفعت هيس صدره بخجل، لكنه لم يحرك ساكنًا، فازداد عبوسه وقوة قبضته على ذراعيها.
كانت هيس في حالة ذعر، ووجدت أنّ هذا الوجه، الذي اعتادت برودته، يختلف تمامًا عن ما عرفته.
رغم أنها تصورت مرات عديدة أنه قد يكون حنونًا، إلا أنّ هذه الدرجة من الشغف فاقت كل توقعاتها.
شعرت بالإحراج الشديد، وكأن حلمها كشف رغبتها في أن يكون ديـر قريبًا منها هكذا.
لكن عينيه كانتا صادقتين، وهذا ما أضاف لها اليقين.
“لقد ناديتني هكذا دائمًا، وأكثر من ذلك…”
“….”
“لا أفهم قليلًا الوضع الآن.”
“ماذا تقصدين؟”
قبّل ديـر شفتيها مجددًا، وحركاته الجريئة بين اللعق والامتصاص والعض الخفيف أحرجتها جدًا، فلم تستطع سوى الانتظار.
همس ديـر دون أن يفك شفتيه:
“أتظنين أنّك ترينني كما كنت، أو أنّني أحب كل تصرفاتك حتى أصاب بالجنون؟
أم أنّني حتى لو غيّرت رأيي الآن، فلن أستطيع تركك؟”
اهتز صوته المظلم عبر شفتيها، وملأ المكان بشعور ثقيل بالغموض.
ارتفعت حرارة هيس من وجهها إلى رقبتها.
لم تكن تُقبّل، ومع ذلك بدا تصرّف ديـر فاضحًا جدًا.
تنفست بصعوبة، وكان صدى أنفاسها يرتد عبر شفتيه.
‘إنه… إنه يحبني…’
كان حلمًا مروعًا، لم يعاملها هكذا من قبل حتى في الواقع.
يُقال إن الأحلام انعكاس لللاوعي.
‘هل ما زلت أأمل في قلبه؟’
لكن كان هناك شيء غريب في الحلم: على رأسه أثر ندبة لم تلاحظها صباح اليوم، وكأنها قديمة لكنها جديدة في عينها.
كما أنّ الغرفة مألوفة بشكل غريب، أشياؤها متناثرة وكأنها استخدمتها منذ فترة طويلة، رغم أنّها بالكاد دخلت الغرفة بعد ليلة زفافهما.
“أتحبني؟”
همست هيس صغيرة، غير متأكدة إن كانت قد سمعت نفسها جيدًا.
ربما لم يُرد أن يقولها بهذه الطريقة، فحتى والديها الطماعين اعتبراه جزءًا من العائلة واهتموا به، فربما كانت هذه عاطفة عائلية منه.
‘إذاً عليّ أن أعتذر… لكني سمعتها هكذا بالفعل.’
لم تكن واثقة من نفسها، وأرادت الاستيقاظ فورًا.
لم تفهم ما يحدث، وكانت تتوق لتشعر بمرارة الواقع بعد أن تنتهي من الحلم.
عبس ديـر مجددًا، وكانت داخليته تهتز بالقلق.
هل ما زالت تحلم؟ وإلا لما استطاعت طرح تلك الأسئلة؟
“هل حدث شيء؟”
سأل بصوت رقيق، لدرجة أن هيس اقتنعت فورًا أنها في حلم.
هل كان القدر لطيفًا أم قاسيًا ليظهر لها هذه اللحظة الأخيرة هكذا؟
مهما يكن، قررت هيس أن تستمتع باللحظة حتى تستيقظ.
اقتربت بوجهها من صدره، وضعت خدها عليه، وشعرت بارتعاشه وثباته.
“….”
“لحظة فقط، سيكون كافيًا.”
استمعت هيس إلى دقات قلبه عبر أذنها.
“اطمئني، لم أتزوج رجلًا ميتًا.”
“كنت أظن أنه مات بالفعل في وقتٍ ما.”
ابتسم ديـر على كلامها، لكنه صمت عند إجابة هيس، فكان يعرف مدى برودة حياتهما السابقة.
“كنت أتساءل كيف ينبض قلب رجل بارد كهذا…”
“….”
“ها هو ينبض، مثل قلبي.”
ابتسمت هيس صغيرة، ومدت يدها لتلمس وجهه برقة، ثم لفّت أصابعها في شعره، وضعت يدها على وجنته وقبّلته.
كانت مجرد أحلام، فلا شيء يمنعها.
قبّلت هيس شفتيه مرارًا، ثم عادت لتستند على صدره، مستنشقة عبق جسده بعمق.
لم تُلاحظ أنّ وجهه احمر من شدة حرارة تصرفاتها.
منذ الصباح، كان منظر زوجته النشيطة أمامه لطيفًا للغاية، لكنه لم يعتد على ذلك، وشعر بعدم ارتياح غريب.
“هذه المرة الأولى التي تظهرين فيها بهذه الجرأة.”
“ألا تحب هذا؟ لا بأس، إنه مجرد حلم، ومشاعري.”
“حلم؟”
أثارت ردة فعله دهشة ديـر، وسألها بصوت يموج بالدهشة.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 9"