والجانب المطمئن في الأمر أنّ هيس كانت تملك من المال ما يكفيها لتعيش مستقلّة بعد الطلاق، حتى لو لم يبقَ إلى جوارها أحد.
ولهذا كانت تعيش ببساطة، وتقتطع من مخصّصاتها القليل فوق القليل، تدّخره بصبر وهدوء.
وقد توفّي زوجا الكونت راينويد بعد ثلاث سنوات من زواجهما بداءٍ عضال.
وكانت هيس بعيدة عنهم حتى بلغها نبأ موتهما على لسان ديـر، إذ كانت قد قطعت صلتها بتلك العائلة منذ زمن.
أغمضت عينيها من شدّة الإرهاق.
كان وقع موتهما عليها ثقيلًا إلى هذا الحد، ومع ذلك لم تنهمر دموعها، فتولّى ديـر مراسم الدفن بدلًا عنها.
ورغم أنّه لم يكن من اللازم أن يعني لها مقام أهل الزوج شيئًا، فقد أحاطهم ديـر بكل ما يليق من احترام.
حتى بعد رحيلهم، لم يتركوا لها شيئًا.
لم تطلب شيئًا، لكن لم يصلها منهم حتى سطر واحد من رسالة.
الآن صارت هيس هي هيس كاسلوت، ولولا رغبتها في الإبقاء على قصر راينويد الأوسط، لاندثر القصر من صفحات التاريخ.
لم يكن للقصر قريب أو وارث، ولم يوجد من يرى فيه قيمة تستحق الحفظ.
حقًّا، كلمات بسيطة، لكنها مثيرة للسخرية في بساطتها.
لو طُلِب من هيس الطلاق عن ديـر، لاضطرّت إلى استخدام اسم راينويد.
فلا نبيل بلا قصر، وحتى مع انقطاع الورثة، كانت ستظل راينويد بالاسم.
لكن هيس لم تشأ ذلك.
كانت تنوي النزول إلى الريف والعيش كواحدة من عامة الناس.
حين كانت في دار الأيتام، كان حلمها كوخًا صغيرًا.
مكانًا تستطيع أن تقول عنه إنّه ملكها وحدها، ولو لم يسع إلا جسدها.
في ذلك المكان، أرادت أن تطهو حساءً دافئًا وبطاطس غير منبتة، وأن تحيا حياة عاديّة هادئة، وكانت تلك أمنيتها الوحيدة.
والآن، بسخرية القدر، تحمل اسم كاسلوت الثقيل، وتعيش في قصر فخم، وتجلس أمام عشرات الأطباق في وجبة واحدة، رغم أنّها لا تستطيع أكلها جميعًا.
الحياة لا تكشف أوراقها مسبقًا، ودائمًا ما تأتي بالمفاجآت.
عندما علمت أنّ الرجل الذي ستتزوجه هو نفسه من أنقذها، لمع في قلبها بصيص أمل:
ربما… ربما تستطيع أن تحيا حياة أفضل قليلًا.
ورغم أنّ الزواج بدأ مصلحة لا عاطفة، ولم يكن متوقعًا أن يفيض حبًّا، إلا أنّها ظنّت أنّ اجتهادها قد يصنع بيتًا دافئًا.
وحتى وهي تردّد في نفسها ألّا تعلّق آمالًا كبيرة، لم تستطع إلا أن تحلم من جديد.
أما الآن، فلم يبقَ في قلب هيس شيء تهبه لأحد، ولا حتى لنفسها.
كل ما رغبت فيه هو نوم طويل، بمفردها، بلا حراك.
أن تمكث في الفراش طوال اليوم، وتأكل طعامًا دهنيًا حارًّا حتى الشبع.
أن تكون خالية من كل توقّع، ومن كل خيبة، ومن أعين الآخرين.
“أنت…”
تردّدت هيس.
لم تتخيّل يومًا أنّها ستنطق بهذه الكلمات، كلمات لم ترغب في قولها طوال حياتها.
كانت تؤمن أنّ كل كذبة تتكاثر كرفّة جناح فراشة، وأنّ العواقب، مهما حسنت النيّات، لا تكون طيّبة أبدًا.
تذكّرت كيف تحوّلت كذبة صغيرة في دار الأيتام لتغطية خطأ ثيو إلى كرة ثلج، وانتهت بعقاب الجميع، بما فيهم هي وثيو، في منتصف الليل.
لم تتذكّر بداية تلك الكذبة، لكنها كانت تعلم أنّ نهايتها كانت دائمًا شقاءً للجميع.
كانت تمسح الدموع عن ساق ثيو الصغيرة المتورّمة بلا توقّف، وتبكي بصمت حتى الصباح.
ومع أطفال آخرين، تكرّرت ليالٍ شبيهة مرارًا، تاركة على ساقيها خطوطًا داكنة بنفسجية متعاقبة.
ومنذ ذلك الحين، قرّرت هيس ألّا تكذب أبدًا، حتى بنوايا طيّبة، خوفًا من أن ترتدّ الكذبة عليها يومًا.
وحتى دون هذه الذكرى، لم تكن ترغب في الكذب على ديـر.
فما إن تنطق بهذه الكلمات، حتى يسلكا طريقًا مختلفًا تمامًا عمّا كان.
ومع زوال اسم راينويد وفقدان القصر لأيّ قيمة، أدركت أنّ الوقت قد حان لوضع حدّ لهذا الزواج العقيم.
كان لا بدّ أن تقولها، فلا يمكن أن تنهي العلاقة دون ذلك.
استنشقت هيس نفسًا عميقًا، ثم قالت بوجه ثابت موجّه إلى ديـر:
“أنا لا أحبك. لا في البداية، ولا الآن…
لذلك لا أريد لهذا الزواج أن يستمر.”
وأخيرًا خرجت الكلمات.
لم يبدُ على ديـر أيّ دهشة، ولم يظهر على ملامحه ما يدلّ على صدمة من اعتراف زوجته بعد سنوات طويلة، بل واصل غسل وجهه بيديه بخشونة.
‘كنت أتمنّى لو بدا عليه شيء من المفاجأة.’
شعرت هيس بدوار خفيف بعد قولها الكلمات.
وفي تلك اللحظة بدأ العالم من حولها يبهت، ويتلوّن بالأصفر، كأنّها صدمت نفسها باعترافها.
حتى وهي تشعر بالدوخة، خطرت لها أفكار تافهة.
لكن الرؤية أخذت تلتوي، وأدركت أخيرًا أنّه ليس دوارًا عابرًا.
حتى ديـر، الذي كان يحدّق فيها بتعبير خافت، بدأ يتلاشى، وكذلك الطاولة والسكاكين والمناديل والطعام البارد.
‘آه… اليوم لم يغادر سريعًا…’
ومع هذا الخاطر، غابت هيس عن الوعي.
—
وعندما فتحت عينيها مجددًا، كان ضوء أزرق يتلألأ قرب رأسها، وصوت طائر رقيق ينساب إلى أذنها الخاملة.
“ما الذي يحدث؟ هل أغمي عليّ…؟”
وقبل أن تُكمل عبارتها، انهمرت الدموع بغزارة على وجنتيها.
‘هل كنت أبكي؟ منذ متى؟’
لماذا استلقيت هنا فجأة أثناء الإفطار؟
بدأت هيس تستعيد وعيها بالمكان شيئًا فشيئًا.
رأت زخارف السقف، ثم أدركت أنّها ليست في غرفتها.
كان المكان فسيحًا، شبه خالٍ، لم تتصوّر يومًا أن تكون فيه.
كانت هيس مستلقية في غرفة نوم ديـر.
“لماذا…”
“هذا ما كنت أنوي سؤالك عنه.”
“!…”
انتفضت هيس كأنها رأت شبحًا، وأدارت رأسها نحو مصدر الصوت، لتزداد صدمتها.
كان زوجها البارد اللامبالي، ديـر كاسلوت، مستلقيًا إلى جوارها، ينظر إليها.
‘لا بدّ أنّه حلم.’
وافقت هيس على هذا التفسير فورًا، فقد اعتادت أن تراه في أحلامها.
لكن المشكلة أنّه ليس حلمًا عاديًا.
فالرجل الذي يكرهها، كان الآن يحتضنها بين ذراعيه.
كان ثوبه الحريري الخفيف بالكاد يستر جسده، ولم تستطع تجاهل صلابة جسده تحت أصابعها.
أما هي، فكانت ترتدي ثوب نوم رقيقًا من القماش نفسه، يختلف تمامًا عن ملابسها المعتادة.
وحين شدّ ديـر ذراعَه حول خصرها وألصق وجهه بعنقها، تجمّد جسدها كالصخر.
وعندما رفع رأسه ليقبّل وجنتها، شعرت هيس أنّها ربما فقدت صوابها حقًّا.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 8"