رمشت هيس ببطء، محاوِلةً استيعاب مَن يقف أمامها.
كان الرجل يقف شامخًا بطول لم تر مثله، ووجهه فاتن لم تعهده عينها من قبل.
حتى تلك اللحظة، لم تر وجه إنسان يضاهي هذا الجمال.
لبرهة، ظنّت هيس أنّ ما ترى حلم أو عالم ما بعد الموت،
لكن عند تكرار نظرتها إلى وجهه، أدركت أنّه حقيقي، ليس وهماً.
كان وجه الرجل الشاحب المبلل يغشاه اليأس والحزن بالكامل.
آه، إذن لم يمت.
بدأت الحقيقة تتسلل إلى وعي هيس تدريجيًا.
‘لم يمت. لم يمت. إنه حيّ.’
انتابها شعور بالارتياح، لكنه لم يدم طويلًا.
ففي اللحظة نفسها اجتاحها غضب لا يُحتمل.
الرغبة الملحّة في الحياة التي شعرت بها قبل الموت تبددت كما لو أنّها لم تكن.
أنا… ما زلت أتنفّس في هذا المكان المقيت.
كنت أريد الحياة، ومع ذلك عشت!
فهل يعني هذا أنّ عليّ الآن أن أتزوّج دوقًا مسنًا لا أعرفه؟
“لماذا…”
تملّك صوتها الباكي، فانبثق من شفتيها الرقيقتين كصرخة حيوان جامح.
“لماذا أنقذتني! لماذا أنقذتني! كان يجب أن تتركني… أن تتركني أموت!”
“أنتِ…”
خرج صوته العميق المثقل بالألم، صوت منخفض مؤلم، فأمالت هيس رأسها وهي تبكي، ثم رفعت عينيها مفزوعة لترى.
كان الألم يكسو وجهه كثّقب الضباب، وعيناه الداميتان تحويان خوفًا غامضًا.
كان مرتبكًا، كأنّه يقف على حافة هاوية.
قطرات الماء تتساقط من خصلات شعره المبتلة بسرعة، على عكس ثقل وجهه المبتل البطيء.
لم يرفع الرجل عينيه عن هيس للحظة، وسأل بصوت كاد ينطفئ:
“لماذا… حاولتِ الموت؟”
لماذا؟ لماذا حاولتُ الموت؟
كان جسدي مثقلاً كأنّ كتلة رصاص وضعت عليه.
كنت منهكة كما لو سهرت ثلاثة أيام بلا نوم، متعبة حتى الموت.
لم يعد يهم. على أي حال، عشت، ولن يكون سبب موتي ذا قيمة بعد الآن.
“فقط…”
“…فقط؟”
“كنت أكره فكرة الزواج… حتى الموت…”
همست هيس بذلك.
“كان الزواج من دوق كاسلوت أمرًا مريعًا، وكوني هيس كاسلوت أمرًا أكرهته… لذلك حاولت الموت.”
ولو دققنا السبب، لم يكن الزواج الدافع الأول، لكنها لم تملك طاقة لتفسير الأمر لأيّ غريب.
“كرهت الأمر إلى هذا الحد… لذلك في تلك البحيرة الباردة…”
أصبح وجه الرجل شاحبًا كتمثال شمعي، أكثر شحوبًا من هيس التي عادت إلى الحياة.
أثار ذلك فضولها بطريقة غريبة.
لماذا يتألم هذا الرجل لموت شخص لا يعرفه؟ ولماذا هكذا؟
عادت هيس إلى المنزل بعد ذلك، مدركة أنّ الحياة قاسية، لكن الهروب إلى الموت لا يزال مجالًا للندم.
ومنذ عودتها، لم تفارق صورة الرجل ذهنها.
لم تعرف اسمه، لكن تعبيره ظل محفورًا في ذاكرتها.
ووجدته هيس مجددًا في يوم زفافها.
—
في قلب كاتدرائية بينوا، حيث تُفتح أبوابها لعدد محدود جدًا من النبلاء لإتمام الزواج، التقت هيس للمرة الأولى بالدوق ديـر كاسلوت، زوجها المستقبلي.
حتى قبل أن تواجه وجه زوجها، كان ذهن هيس منشغلًا بسؤال واحد:
‘لماذا يقام الزواج في مكان بهذا القدر من الأبهة؟’
كانت تظن أنّ الزفاف سيكون في كنيسة عادية، لكن خادمات الدوق أخبروها أنّ هذه الكاتدرائية لا تُفتح بسهولة حتى للعائلة المالكة.
أدركت أنّ هذا جزء من عظمة عائلة كاسلوت، لكن شعور الغرابة لم يفارقها.
مع بدء المراسيم، تلاشت كل أفكارها عندما رفعت رأسها ورأت الرجل الذي أنقذها من بحيرة شينفيل.
“أنت…”
كان ديـر كاسلوت، مرتديًا بدلة زرقاء داكنة مزينة بالمجوهرات والحرير، نفس الرجل الذي أنقذها سابقًا.
تعجبت هيس حتى كادت أن تصرخ، لكنها تمالكت نفسها.
كان أنحف وأكثر حدة من قبل، لكنه بلا شك نفس الشخص.
شعره الأشقر يتلألأ تحت ضوء الشمس، وعيناه الزرقاوان صافيتان كما قبل، وشفاهه ثابتة وحاذقة.
كانت تفكر فيه يوميًا، ليس حبًّا أو هوى، لكن الصورة القاسية لوجهه كانت تراودها دائمًا.
‘لو التقيت به مجددًا، سأعتذر عن سوء التصرف في ذلك اليوم…’
شعرت هيس بالحرج لأنها عبّرت له عن كراهتها للزواج من كاسلوت،
لكن اكتشاف أنّه نفس الرجل كان مذهلًا ومفرحًا في الوقت ذاته.
الرجل الذي يقفز لإنقاذ امرأة من البحيرة قد يعاملها الآن على الأقل كزوجة كاسلوت كاملة.
وفي الوقت ذاته، شعرت بالذنب، لأنها صرّحت له بكراهتها للزواج، وهو لم يكن سبب غضبها المباشر.
لاحظت هيس أن نظرة ديـر لها مختلفة قليلًا.
كانت عينيه مظلّمة بطريقة تشبه الازدراء أو الاستياء.
لم تصغِ لخطبة القس، فقد كان يراقبها بهدوء، كغارق في أفكاره أو بلا فكرة.
قد تكون لا تتذكرني؟
حتى لو تذكرت، فإن غضبه مبرر.
وحتى لو تذكرت، فهو لا يحبّني، وهذا مفهوم.
لم يكن زواجًا قائمًا على الحب، وهي امرأة مجهولة النسب وطفلة دار أيتام.
وكانت تعلم أنّ لقبها كزوجة الدوق لن يزيدها إلا القليل.
‘لكن…’
لكن تعبير ديـر لم يكن مجرد عدم رضا، بل أكثر من ذلك.
حتى القسّ بدا مرتبكًا أمام تعابير وجهه المتجمدة كالثلج.
جسمه الهائل يبعث رهبة باردة، وشعرت هيس بخنق.
وعندما أمسك يدها لإتمام الطقوس، شعرت بقشعريرة في رقبتها.
يده كبيرة، صلبة وباردة كالحديد المصقول، وشفاهه باردة كالتمثال.
لحظة التقبيل القصيرة بدت كخلود، وشعرت هيس أنّ يده العريضة قد امتصت منها القوة.
ثم فتح ديـر شفتيه ببطء وقال:
“لا تعرفين كم طال انتظار هذه اللحظة.”
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 6"