عندما وصلوا إلى منزل البارون مباشرة، قالوا لها:
“أنتِ من الآن فصاعدًا لِراينويد.
هذا يعني أننا عائلة واحدة، هل فهمتِ؟ لذا يجب أن تتصرفي على نحو لائق من الآن فصاعدًا. نحن لا نحتاج إلى شخص بطيء التصرف.”
لم تستطع هيس فهم مغزى كلامهم تمامًا، لكنها أجابت بأنها ستبذل قصارى جهدها.
‘سأبذل كل ما بوسعي كابنة لأمي وأبي.
سأكون ابنة صالحة.’
ثم خصصوا لها غرفة في نهاية الطابق الأعلى من القصر. لم يكن السرير ناعمًا كما تخيّلت، ولم تكن الغرفة دافئة كما توقعت، لكن هيس اعتقدت أن الأمر لا بأس به.
‘ربما توقعتُ الكثير. ربما لا يعرفون بعد. لهذا السبب.’
تلك الليلة، شعرت هيس بالحمّى بسبب البرد ومكان النوم الغريب.
في دار الأيتام، كانت دائمًا تجد لنفسها الدواء من درج المطبخ أو تحل المشكلة بالتبريد بالماء، لذا تجولت في الممر باحثةً عن دواء.
كانت تتمنى لو أخبروها أين المطبخ وعدد الغرف.
وتمنت سرًّا أن يكتشفها البارون وزوجته ويأتوا إليها. لكنها شعرت بالارتباك حيال ما إذا كانت تطلب الكثير.
حينها، استيقظت خادمة لتذهب إلى الحمّام، فرأت هيس واقفة، فتقدمت إليها بملامح ضجر واضحة وقالت لها بعصبية أن تعود إلى غرفتها.
“البارون والبارونة يكرهون الضوضاء أثناء نومهم.”
أعادتها الخادمة بسرعة إلى الغرفة، وتلاشى سؤال هيس: “لديّ حمّى، ماذا أفعل؟”
مع جوابها: “خذِي قسطًا من النوم وستزول.”
في اليوم التالي، سمع لورد لينويد من الخادمة أن هيس تبدو عليها علامات الحرارة، فقال:
“ربما جلبنا مصدر قلق معنا.” ثم عاد لقراءة الصحيفة التي كان منشغلًا بها.
كانت هيس في الثامنة من عمرها، لذلك لم يطلب منها البارون وزوجته أي مهام عظيمة.
كانت مضطرة لقضاء الوقت في الغرفة الباردة في نهاية الممر، بلا عمل سوى التنفس.
لم تحصل هيس على تعليم مناسب في دار الأيتام، فلم تعرف متى تبدأ فترة التعليم الملائمة لها.
الغرفة الشبيهة بالعُلية لم يكن فيها أي شيء لتلعب به.
لذلك استمرت الأيام صامتة حتى وصول الخادمة إيسا مرتين فقط لتقدم الغداء والعشاء.
كانت إيسا أكثر من تعاملت معه بلطف داخل القصر، تسأل هيس دائمًا عما كانت تفعله، وتجلب لها كتب القصص رغم أنها لم تكن تعرف القراءة.
وكانت هيس دائمًا ترد على سؤال إيسا:
“كنت أنتظر إيسا!”
الانتظار كان كل ما تفعله.
في بعض الأيام، كان البارون والبارونة ينادونها، يطلبون منها أمورًا بسيطة مثل إحضار الماء، وكانت سعيدة لأنها لم تُنسَ.
لم يكن جميع الأرستقراطيين أثرياء.
كان والداها يتذمران دائمًا من قلة المال ويعيّران بعضهما.
مع ذلك، كانت وجباتهما دافئة وغنية، والأسرة كانت محاطة بأشياء لم تُمنح لها، تتجول في ذهن هيس.
‘لدي الآن عائلة ومنزل. هناك سرير لا تعفن فيه الفراش، ولا أحتاج لأكل العصيدة المخففة. فلماذا، فلماذا لا أشعر بالسعادة؟’
ومع مرور الوقت، ومع تدهور صحة البارون والبارونة وترك بعض الخادمات بسبب تأخر الأجور، أدركت هيس سبب وجودها في هذا المنزل.
منذ ذلك الحين، أصبحت أيام هيس تدور حول البارون وزوجته، تحضير الطعام، الاستحمام، العناية بالمرضى، والقيام بالمهام كلها بمفردها.
أحيانًا، كانت صديقة البارونة السيدة ماري تزور لتساعد في بعض الحاجيات والعناية بالمرضى، لكن ليس بشكل متكرر.
في الأيام التي كانت صحتها فيها سيئة، كانت هيس تمسح أجسادهم بالمنشفة بمفردها.
وكانوا يشتكون دائمًا، وهيس تكتفي بهز رأسها والاستماع.
كانت شكواهم إما شكاوى أو حنين لمجد العائلة الماضي.
هذه الحياة لم تكن سعيدة، ولا ممتعة.
‘لكن العائلة لا تتخلى عن بعضها حتى في أسوأ اللحظات.’
وكانت هيس تكرر لنفسها باستمرار أنها بخير، محاولةً تبرير واقعها.
وبشكل طبيعي، فكرت هيس فيما سيحدث بعد موت البارون وزوجته، فهما كانا يزدادان سوءًا يومًا بعد يوم، وشيئًا فشيئًا كان الموت وشيكًا.
ماذا ستفعل هيس؟ لم يتلقَ والدها ووالدتها تعليمًا مناسبًا.
لم تحضر أي اجتماعات اجتماعية، ولم تلتقِ بفتيات من عمرها.
حتى بعد أن أصبح اسمها تابعًا للقب البارون، لم تختلف حياتها كثيرًا عن حياة دار الأيتام.
تعلمت القراءة من الصحف القديمة التي تركها البارون، لكنها تعلمت الحد الأدنى فقط، وظلت قلقة حيال مستوى الثقافة التي يتمتع بها أقرانها الأرستقراطيون.
مرة واحدة فقط، أخذها البارون والبارونة إلى حفلة لأرستقراطيين، وقدموا هيس لأشخاص قائلين إنها ابنتهم، لكنهم سرعان ما انشغلوا في الحديث واستدانة الأموال، ونسوا هيس.
ضاعت هيس في المكان، تتجول بلا هدف، حتى انتهت الحفلة وجلست تحت الحائط تنتظر النهاية.
هناك قابلت صبيًا، لا تتذكر اسمه ولا وجهه جيدًا، لكن ذكرى الحديث الممتع مع هذا الصبي بقيت في ذهنها، تمنحها ابتسامة في أوقات الوحدة.
بعد الحفلة، لم يخرج البارون وزوجته لأي حفلة أخرى، وأصبحت تلك الذكرى القليلة من ممتلكات هيس القيمة.
هكذا مرت أيام هيس الطويلة.
في بعض الأيام، شعرت وكأن المستقبل لن يأتي أبدًا، وأن البارون وزوجته سيعيشان إلى الأبد، وأنها ستظل تعيش هكذا طوال حياتها.
لكن عندما حاولوا تزويجها من دوق مجهول، شعرت هيس أن النهاية قد حانت، النهاية التي كانت لها وحدها، وليست لهم.
—
كان هناك صوت ينادي هيس من بعيد بشدة. صوت مألوف، كبير، قوي، لا يكلّ، يبحث عنها بلا هوادة.
تساءلت هيس عن صاحب الصوت:
‘لماذا تبحث عني بهذا الإلحاح؟’
لا أحد ينتظرها، ثيو لم يرد على رسائلها بعد الرسائل القليلة الأولى، وإيسا كانت لطيفة لكنها فقط تقوم بعملها، وغادرت المنزل دون وداع.
وليس السيدة ماري، ولا أمها، ولا أبيها…
فتحت هيس عينيها، وبدأت بسعال طويل وكأنها تريد إخراج كل شيء من جسدها.
“أنا… هنا… كاااه…!”
بدأت ترى ببطء ما حولها، وبرودة الأرض تلامس يديها. هيس استطاعت أن ترفع جسدها بصعوبة.
“ما… هذا… الوضع؟”
حين نطقت بالكلمات، لاحظت هيس أخيرًا رجلاً جالسًا بجانبها.
يرجى إدخال اسم المستخدم أو عنوان بريدك الإلكتروني. سيصلك رابط لإنشاء كلمة مرور جديدة عبر البريد الإلكتروني.
التعليقات لهذا الفصل " 5"