الفصل 14 : عبء عائلة الدوق
*************
“سيدتي، لقد وصلت البارونة سيونيل.”
كانت إحدى خادمات القصر اللواتي يخدمن بلير.
مالت بلير برأسها تعجباً.
لطالما تجنبت خادمات القصر الحديث معها بقدر إعجابهن بسيدهن هيردين، لذا كان إيصال الرسائل إليها دوماً من نصيب لينا.
أنهت بلير جلسة الشاي مع أغنيس على عجل، ثم خرجت من الدفيئة وعادت إلى القصر.
كانت البارونة سيونيل تنتظر في غرفة نومها، واستقبلت بلير بصوتها الحاد المرتفع المعتاد.
“يا إلهي! لقد ازددتِ جمالاً بعد الزواج يا سموكِ، بل يجب أن أناديكِ الآن بدوقة القصر.”
“كنتُ أود شكركِ بخصوص فستان الزفاف، لكنني لم أجد فرصة للتواصل معكِ بسبب انشغالي بعدها.”
“بل أنا من يجب أن يشكركِ لأن أجمل امرأة في الإمبراطورية ارتدت من صنعي، وإنه لشرف لي أن أصمم لكِ أول فستان بعد الزواج.”
التفتت بلير حول الغرفة وهي تستمع لمديح البارونة سيونيل المتملق.
لم يكن للينا أثر هنا أيضاً.
“لقد اخترتُ الأقمشة بعناية لتكون خفيفة ودافئة كما أشار الدوق مسبقاً، يبدو أنه كان قلقاً من أن تصابي بنزلة برد.”
تلاشت ثرثرة البارونة سيونيل دون أن تترك أثراً في ذهن بلير.
ما كان يهمها هو عدم وجود لينا في الغرفة الآن.
لم تظهر لينا حتى عندما كانت بلير تشاهد الفساتين التي أحضرتها البارونة وتختار تصميم الفستان الجديد.
بعد رحيل البارونة، سألت بلير إحدى الخادمات القريبات عما كان يشغل بالها طوال الوقت.
“أين ذهبت لينا؟”
ترددت الخادمة وتجنبت النظر إلى بلير وهي تجيب.
“هـ، لا أعلم حقاً.. هل أذهب وأبحث عنها؟”
“لا، اتركي الأمر.”
نهضت بلير وارتدت رداء الفراء الذي كانت قد خلعته.
“هل ستخرجين للتنزه؟”
“نعم.”
استعدت الخادمة لمرافقة بلير، لكن بلير منعتها.
“سأذهب وحدي.”
“آه، حسناً.”
غادرت بلير الغرفة تاركة الخادمة خلفها.
انحنت الخادمات المنتظرات أمام الغرفة لها باحترام.
مرت بلير بجانبهن ونزلت إلى الطابق الأول، ثم عادت صاعدة بهدوء.
سمعت أصوات همس الخادمات من خلال شق الباب المفتوح قليلاً.
“أين ذهبت تلك المدعوة لينا؟ هل يعقل أنها تبكي في مكان ما لأنها تلطخت ببعض الماء القذر؟”
“تبكي؟ لقد ذهبت لتغتسل دون أن يطرف لها جفن، يا لها من مملة.”
“يا لها من قاسية، تشبه سيدتها تماماً، ومع ذلك ستعاني كثيراً للتخلص من تلك الرائحة.”
“لكن، ألا تعتقدون أنها ستذهب لتشي بنا إلى السيدة؟”
“لو كانت ستفعل ذلك لفعلته منذ زمن، هي تعلم جيداً أنه مهما كانت سيدتها أميرة نبيلة، فهي مجرد عبء في هذا القصر.”
قبضت بلير على طرف فستانها وهي تستمع لحديثهن.
ارتجفت شفتاها القرمزيتان.
لقد كان حدسها في محله.
مهما كرهوها، فهي تظل الأخت الوحيدة للإمبراطور، وبدلاً من إيذاء بلير التي لا يستطعن لمسها، كانت الخادمات يضايقن خادمتها لينا.
لكن، راودها تساؤل واحد.
بالنظر إلى شخصية لينا المعتادة، لم تكن لتتحمل ذلك أبداً، فلماذا تحملت الآن؟
حينها أدركت بلير الحقيقة.
لقد كانت لينا تتحمل خشية أن تسوء سمعة بلير، التي تُعد بالفعل منبوذة في القصر.
‘ربما كان الأمر كذلك في حياتي السابقة، لقد كنتُ غارقة في ظروفي الخاصة ولم ألحظ ذلك..’
عضت بلير على شفتها السفلى فور إدراكها لهذا الأمر.
“سيدتي؟”
التفتت بلير بذعر عند سماع الصوت من خلفها، فإذ بها تجد لينا.
كانت ترتدي ملابس خادمة جديدة ونظيفة، لكن شعرها المبلل كان دليلاً على أنها انتهت للتو من الاغتسال.
أمسكت بلير بيد لينا التي لم تكن تدرك الموقف بعد ودخلت الغرفة.
فزعت الخادمات اللواتي كن يغتبنها وانحنين برؤوسهن عند ظهور بلير المفاجئ.
اقتربت بلير من الخادمات وقالت.
“اعتذرن.”
كانت عينا بلير تحملان برودة قاسية.
ارتجفت الخادمات اللواتي التقين بنظراتها من تلك الهيبة.
بالنسبة لهن، كانت بلير سيدة يصعب التعامل معها، لكنها لم تكن مخيفة، فقد كانت امرأة صامتة كالدمية أو كاللوحة، لا تغضب أبداً.
لكنهن حين واجهن عينيها المليئتين بالغضب البارد، تملكهن الارتباك ولم يستطعن النطق بكلمة.
تحدثت بلير مرة أخرى بهدوء إلى الواقفات المتجمدات من هول الموقف.
“قلتُ اعتذرن للينا.”
“لـ، لا أفهم عما تتحدثين يا سيدتي، هل ارتكبنا خطأ ما..”
صفعة!
قبل أن يتمكن أحد من منعها، صفعت بلير الخادمة على وجنتها.
صدمت الخادمات الحاضرات ولينا، وحتى الخادمة المصفوعة.
نظرت بلير إلى الخادمة التي سقطت أرضاً من أثر الصفعة.
كانت كفها التي صفعت بها تؤلمها وكأنها هي من تُلقت الضربة.
شعرت وكأنها أصبحت مثل كاترينا، وهو شعور مقزز ومخيف.
خفق قلبها بقوة، وشعرت بغثيان كاد يجعلها تتقيأ.
لكن لحماية لينا، لا يمكنها التراجع الآن.
قبضت بلير على يدها المرتجفة بقوة.
“أنتن تعلمن جيداً عما أتحدث.”
“سـ، سموكِ، أنا حقاً بخير، حقاً.”
أمسكت لينا ببلير بعد أن استعادت وعيها متأخرة.
لم يكن من الجيد تكبير حجم المشكلة في وقت لا ينظر فيه أهل القصر إلى بلير بعين الرضا.
علاوة على ذلك، لو رآها هيردين..
“..أما أنا، فلستُ بخير.”
أضافت بلير بوجه بدا وكأنه على وشك البكاء، لكن بعينين تشتعلان غضباً.
“ليس من المقبول أبداً أن تتعرضي لهذا بسببي.”
“ما الذي يحدث هنا؟”
ظهر هيردين عند باب الغرفة المفتوح.
كان يرتدي ملابس الخروج ويحمل قفازات جلدية، ويبدو أنه سمع الضجيج وهو في طريقه للمغادرة.
“سـ، سعادتك.”
اصفرت وجوه الخادمات ولينا وانحنين عند ظهوره المفاجئ.
ارتدى هيردين قفازاته وتفحص الموقف في الغرفة بسرعة.
خادمة تمسك وجنتها المحمرة، وبلير التي ترتجف يدها بشكل طفيف.
لم يستغرق الأمر طويلاً لفهم الموقف.
وسط صمت الجميع، نهضت الخادمة التي صفعتها بلير وتقدمت نحو هيردين.
“هذه الفتاة لم تؤدِ عملها كما يجب وتصرفت بوقاحة، فقمتُ بتأديبها، ويبدو أن السيدة أساءت الفهم—”
“لم أسألكِ أنتِ.”
كان توبيخاً بسيطاً لكنه قاطع، فأغلقت الخادمة فمها وأطرقت برأسها.
اتجهت نظرات هيردين نحو بلير، منتظراً قولها.
كذلك نظرت الخادمات نحو بلير.
كنّ ينوين إلقاء اللوم على لينا لإنهاء الموقف.
فمهما كان كره هيردين لبلير، لم يرغبن في مواجهة من هي دوقة وأميرة إمبراطورية.
واعتقدن أن بلير أيضاً لن ترغب في تضخيم الأمر، فستوافق على كلامهن.
لكن بلير خالفت توقعاتهن تماماً.
“هؤلاء الفتيات قمن بمضايقة وتهميش الفتاة التي أحضرتُها معي، لذا كنتُ أؤدبهن.”
فوجئت الخادمات برد فعل بلير، لكنهن لم يقلقن كثيراً، فمن المستحيل أن يقف هيردين في صف ابنة عدوه.
بلير نفسها لم تتوقع أن يصدقها هيردين، لكنها لم ترد إنهاء الأمر بإلقاء التهمة على لينا.
ومع ذلك..
“إنه تقصير مني في تربية التابعين، سيتم طرد هؤلاء الفتيات فوراً.”
صدّق كلام بلير دون أن يسأل أكثر.
شحبت وجوه الخادمات جميعاً عند سماع ذلك، ونظرت إليه بلير بعينين متفاجئتين.
قالت لينا بارتباك وهي تراقب الموقف.
“سـ، سعادتك، أنا بخير، لقد كانوا يمزحون فقط، وهذا جزء من عملية التعارف.”
بالطبع لم تكن لينا تنظر للخادمات اللواتي ضايقنها بعين المودة، لكنها كانت تعلم مدى الضائقة التي سيعانين منها بعد طردهن كونهن في نفس وضعها الاجتماعي.
أدركت بلير مشاعر لينا القلقة ووافقتها الرأي.
“هيردين، هذا.. يبدو عقاباً قاسياً جداً، يكفي اعتذار صادق وخصم نصف راتب هذا الشهر.”
جثت الخادمات اللواتي كن يشعرن بالقلق على ركبهن.
“نعتذر يا سعادتك! لقد كنا غبيات وارتكبنا هذا الفعل المشين، نرجو منك العفو هذه المرة.”
“الاعتذار يجب أن يكون للسيدة ولهذه الخادمة، وليس لي.”
رد هيردين ببرود، ثم أمر ميسون الذي وصل متأخراً بعد سماع الخبر.
“ميسون، اخصم من رواتبهن لمدة شهرين.”
“هيردين.”
“أعتقد أن هذا العقاب مناسب.”
نادت بلير باسمه لتعترض على العقاب، لكن هيردين قاطعها وكأنه يعرف ما ستقوله تالياً دون أن يسمعه.
“سعادتك.”
نادى روث هيردين بعد أن تفقد ساعة يده، مشيراً إلى أن الوقت قد حان.
“سأذهب الآن.”
جذب هيردين كتف بلير قليلاً وطبع قبلة على جبينها العريض.
فزعت بلير من تصرفه غير المعتاد، لكنها أدركت نيته عندما رأت الخادمات الواقفات بجانبها.
إنه يوجه تحذيراً: هذه المرأة هي زوجتي، لا تكررن ما حدث.
راقبت بلير ظهره وهو يغادر الغرفة بشرود.
لقد صدق كلامي.
لكن، لماذا أشعر بفرغ أكبر من شعوري بالامتنان؟
المشكلة التي ربما ضايقت لينا لثلاث سنوات قبل العودة بالزمن، انتهت بكلمات قليلة منه.
* * *
في تلك الليلة، توجهت لينا نحو غرفة نوم بلير وهي تحمل صينية فضية بها ماء بارد ومنشفة.
‘سيدتي الأميرة، لو تركتُها هكذا، فستصاب يدها الرقيقة بالكدمات حتماً.’
ضرب شخص ما هو أمر لا يفعله إلا الأشخاص الأشداء.
أما تلك اليد الرقيقة التي لم تضرب أحداً ولم تزاول عملاً شاقاً قط، فلن تتحمل صدمة اليوم الكبيرة.
‘أنا آسفة يا لينا، أنا آسفة حقاً لأنني أدركتُ الأمر متأخرة جداً..’
يا لها من أميرة رقيقة القلب، تعتذر حتى بعد أن أنقذتني.
شعرت لينا بالحنق عندما فكرت في وجنة الخادمة الصلبة التي اصطدمت بها يد الأميرة الرقيقة.
“سيدتي، هذه أنا، سأدخل لثانية.”
فتحت لينا الباب بكوعها لأن يدها كانت مشغولة بالصينية، ودخلت غرفة بلير.
وفي تلك اللحظة، أسقطت الصينية الفضية من يدها.
“سـ، سموكِ؟!”
التعليقات لهذا الفصل " 14"