الفصل 44 :
“الناس يطالبون أيضًا بتذكاراتٍ لفرسان السماء.”
“لكن لم يصدر سوى الجزء الثاني فقط.”
“لا يبدو أنّ ذلك ضمن الاعتبارات…… على ما يبدو أنّ قرّاء حفلة التنكّر حرّكوهم. فقد نُشر في الصحيفة قبل مدة أنّ نقّادًا تشاجروا أمام إحدى المكتبات.”
أضافت دانيال أنّ الأمر غُلِّف بعباراتٍ راقية، لكن في الواقع كان معروفًا أنّهم تبادلوا الصراخ وتعاركوا.
كانت هي قد جمعت اللافتات التي ما زالت موجودة أمام دار النشر، إضافةً إلى الوضع الداخلي والرأي العام الخارجي، وأحضرت كل ذلك معها.
لم يكن هناك ما يلفت النظر بشكلٍّ خاص، فتبادلا الحديث بهدوء، وارتشفت رشفةً من الشاي أمامها.
“قريبًا ستقيّمين حفل الظهور الاجتماعي يا آنسة كاترينا.”
“الوقت يمرّ بسرعة فعلًا. أشعر وكأنّ استحواذي على دار النشر كان بالأمس فقط.”
“حين أتذكر ذلك الوقت أبتسم دوّن وعيّ. كنتِ مبتدئةً لا تعرفين شيئًا…… وقد علّمتِني الكثير يا آنسة.”
سواء في الماضي أو الآن، كانت عينا دانيال تلمعان بالحماس والثقة.
بعد إصدار الجزء الثالث من حفلة التنكّر، وإطلاق التذكارات والأجزاء اللاحقة كلها، مرّت بضعة أشهر في غمضة عين.
ولم يبقَ على حفل الظهور الاجتماعي سوى شهرٌ واحد فقط، وكان من المقرّر أن تعود العائلة قريبًا إلى قصر العاصمة.
“لنُصدر الجزء الثالث من فرسان السماء في اليوم التالي مباشرةً لحفل الظهور الاجتماعي.”
“أليس هذا إجهادًا زائدًا عليكِ؟”
“لقد فكّرت بالمحتوى منذ وقتٍ طويل، وكتبتُ معظمه بالفعل. ما إن تكتمل المخطوطة سأرسلها فورًا.”
تُغطّى قضيةٌ بقضيةٍ أخرى.
فحفل ظهوري الاجتماعي سيمرّ بهدوء وبساطة على أيّ حال، لذلك كنتُ أنوي تحويل اهتمام العائلة إلى فرسان السماء.
كما أنّ إصدار الجزء اللاحق من حفلة التنكّر خلّف الكثير من الأمور المتراكمة، والمخطوطة الذي بدأتُ كتابته منذ أشهر لم يكن عبئًا كبيرًا.
“……يمكنكِ تأجيل الجدول كما تشائين، اكتبي على مهلكِ ثم أرسليه.”
بدا أنّ تركيز دانيال شرد قليلًا، وكأنّها شدّدت على مقطعٍ واحدٍ تحديدًا، لكنني اعتبرته مجرّد شعورٍ عابر.
‘ربما كانت تلمّح بطريقةٍ ملتوية إلى أنّها تريدها بسرعة؟’
على أيّ حال، وبعد أن انتهى الحديث بسلاسة، نهضتُ من مقعدي.
“سأبحث عن دور رعاية للأطفال ذات ظروفٍ صعبة كما ذكرتِ. سأحاول التبرّع بهدوء قدر الإمكان…… لكن أرجو أن تعلمي أنّ احتمال عدم التمكن من ذلك أكبر.”
فالصحفيون ما زالوا ينتشرون حول دار النشر، يترصّدون تحركات الموظفين بدقّة.
كما وصلها خبر أنّ إعادة تفسير حفلة التنكّر لاقت شعبية كبيرة لدرجة أنّ قسمًا جديدًا أُنشئ خصيصًا.
وبما أنّ التبرّع عملٌ طيبٌ في الأصل، وإن عرفه الناس دون أن تتحدث عنه بنفسها، فلا بأس بذلك كثيرًا.
“عودي بسلام.”
“وأنتِ أيضًا يا آنسة، اعتني بصحتكِ جيدًا ولا تمرضي! أرجوكِ، حافظي على صحتكِ!”
ألم تكن تقول هذا عند الوداع في البداية؟
ابتسمتُ ابتسامةً خفيفة وأنا أرى دانيال تقلق على صحتي منذ فترة.
‘بل على العكس تمامًا.’
كنتُ آكل جيدًا، وأنام جيدًا، وأقضي وقتي في القراءة أو الكتابة عند الملل، لكنها لم تكن تعلم ذلك.
“لا تستلقي مباشرةً بعد الأكل، يا آنسة.”
“……همم.”
حين كنتُ على وشك الاستلقاء على الأريكة الطويلة بعد الغداء، سمعتُ صوت كلوي المنخفض، فاعتدلتُ في جلستي.
من حسن الحظ أنّ النعاس بعد الامتلاء ليس مرضًا.
وإلا لكنتُ مريضةً في مرحلةٍ متقدمة منذ زمن.
عانقتُ الوسادة وجلستُ متكئةً إلى الأمام، ثم أغمضتُ عينيّ بهدوء.
وكان الربيع الدافئ يقترب شيئًا فَشيئًا.
***
“كحّ، لم يبقَ سوى ثلاثة أيامٍ حتى يعود أليكسيس.”
على مائدة العشاء التي جمعت الاثنين فقط، مسح كايلو فمه بالمنديل ثم أدار رأسه وسعل.
يبدو أنّه لم يعد ينوي الأكل، فقد أُزيلت أدوات المائدة، وبقي أكثر من نصف طبق السمك، وهو الطبق الرئيسي الخاص به.
‘قال قبل أيام إنّه يشتهي هذا الطبق.’
لون وجهه الشاحب، والسعال المتكرر، كانا يوحيان بأنّ حالته الصحية ليست على ما يرام.
“……سيصبح وقت الطعام صاخبًا من جديد. بالمناسبة، قلتَ في المرة الماضية إنك شُفيت تمامًا، فهل ساءت حالتك مجددًا؟”
“حساسيتي شديدة، وعادةً ما يحدث هذا في مثل هذا الوقت من السنة. أتناول الدواء بانتظام، فلا تقلقي.”
كنتُ أنوي سؤاله عن الدواء أصلًا، لكنه هزّ كتفيه بخفة وكأنّ الأمر لا يستحق الذكر.
فمنذ يوم تأسيس العائلة وحتى الآن، كان السعال يلازمه دائمًا، باستثناء فتراتٍ قصيرة يتحسن فيها مؤقتًا.
لكن بما أنّه ازداد سوءًا مؤخرًا، لم أستطع إلا أن أقلق.
“مع ذلك، أظن أنّه من الأفضل استدعاء طبيبٍ آخر لفحصك.”
“……حسنًا. بدل القلق على جسدي، اذهبي واكتبي بسرعة الجزء التالي من فرسان السماء.”
تذمّر كايلو بنبرةٍ منزعجة، متّهمًا إيّاي بأنني لا أنوي كتابة فرسان السماء رغم قولي إنني سأستفيد من نصائحه في الأحداث القادمة.
تذكّرتُ المخطوطة الني كانت شبه مكتملة، فارتسمت على وجهي ابتسامةٌ خفيفة.
“سآتي لزيارتكَ غدًا بعد الظهر.”
“لا تكذبي. حتى لو كنتِ حفيدتي، لا يجوز العبث بقلب رجلٍ عجوز.”
“ليس كتابًا بعد، لكن المخطوطة شبه جاهز. كنتُ أنوي عرضها على شخصٍ آخر لأخذ رأيه…… لكن هذه المرة أودّ أن تكون أنت.”
حين تحدّثتُ بهدوء، بدأت ملامح كايلو المتجهمة تلين تدريجيًا.
“حسنًا، كحّ. سأنتظر. لكن تذكّري، مهما كنتِ حفيدتي، سأقدّم نقدًا قاسيًا وحادًا، فتعالي مستعدة.”
ألا يُفترض به أن يقول لي أن أسترخي بدل ذلك؟
ضحكتُ بخفةٍ وهززتُ رأسي، ثم أنهيتُ كل الطعام الذي كان أمامي.
‘كان لذيذًا، يا للخسارة.’
نهضتُ من مكاني بعد انتهاء العشاء، أفكّر في طلب هذا الطبق مجددًا حين تعود العائلة.
توجهتُ مسرعةً إلى غرفة العمل لإنهاء التفاصيل بسرعة، وراجعتُ المخطوطة مراتٍ عدة بحثًا عن الأخطاء قبل عرضها على كايلو.
وكما جرت العادة، نمتُ في ساعةٍ متأخرة بعد أن أخبرته أنّني سأزوره بعد الظهر، لكنني استيقظتُ أبكر من المتوقع، فتوجهتُ إلى غرفته في الصباح.
فحتى لو لم يقرأه فورًا، يكفي أن أسلّمه المخطوطة.
“آنسة كاترينا، نعتذر، لكن لا يمكنكم مقابلة السيّد في الوقت الحالي.”
لكن ما هذا؟
كان هناك فارس حراسة يقف أمام الباب، والحاجز بيني وبينه كان كبير الخدم الذي ظهر فجأة.
عادةً ما كنتُ سأتجاوز الأمر بسهولة، لكن شعورًا سيئًا تسلّل إليّ.
“لماذا؟”
“……”
“لماذا لا أستطيع مقابلته؟ لن يستغرق الأمر حتى ثلاث دقائق، سأخبره بنفسي.”
حدّقتُ مباشرةً في وجه كبير الخدم دون أن أتراجع.
ظلّ صامتًا بوجهٍ خالٍ من التعبير، ثم فتح فمه أخيرًا.
“السيّد ليس في حالةٍ تسمح له بالحديث حاليًا.”
نظرتُ إلى الباب الذي لم يُسمع من خلفه أيّ سعال، ثم أدرتُ رأسي إليه.
“اشرح السبب.”
كان صوتي قد انخفض وبرَد دون أن أشعر. وبعد أن تلقّى نظرتي كاملةً، قال بحذر:
“سوء حالته تفاقم هذا الصباح، ولم يستعد وعيّه بعد. تقوم الخادمة بتمريضه حاليًا، وسنبلغكِ فور استيقاظه.”
لم يظهر على كبير الخدم أيّ ارتباكٍ كبير، فعرفتُ أنّ الأمر ليس الأول من نوعه.
‘هل كان يعاني من مرض؟’
لم يخبرني بذلك قط.
تداخلت في ذهني صورة كايلو وهو يقول أثناء عشاء الأمس إنّ الحساسية شديدة لديه.
“لقد أغفلتَ أهمّ شيء. هل حضر الطبيب؟ كيف تطوّرت حالته…… ومتى قالوا إنّه سيفيق؟”
هل هذا ما يُشبه سقوط القلب فجأة؟
تسارعت كلماتي من شدّة القلق، لكن كبير الخدم ظلّ صامتًا.
“تكلّم.”
“……”
“الشخص الذي يقف أمامك الآن هو كاترينا بلاين. قل ما لديك.”
حين لاحظتُ تردده، شدّدتُ عليه عمدًا.
فأنا لستُ غريبة، بل واحدة من فردين فقط يشتركان في نفس الدم داخل هذا القصر.
بعد ذلك، انحنى كبير الخدم رأسه.
“……نعتذر. السبب في عدم إبلاغ الآنسة مسبقًا كان رغبة السيّد وربّ عائلة بلاين. لكن نظرًا للوضع الاستثنائي، سأوضح الأمر.”
كنتُ أظنّ نفسي دائمًا، وأنا التي أتذكّر حياتي السابقة، شخصًا عقلانيًا يتصرف بهدوء.
“السيّد يعاني منذ زمنٍ طويل من اختلال في توازن المانا، ولا توجد حتى الآن وسيلة علاج لذلك. ووفقًا للتجربة، يُتوقع أن يستعيد وعيّه خلال اليوم…… وربّ عائلة بلاين على علمٍ تام بهذه الحالة.”
في تلك اللحظة، خلا ذهني تمامًا من أيّ فكرة.
القلق.
القلق والخوف على كايلو ابتلعاني، وشددتُ قبضتي على فستاني حتى ابيضّت مفاصلي.
التعليقات لهذا الفصل " 44"