حين وضع أحد رعايا الإمبراطورية يده استجابةً لكلام الساحرة الآليّ، مرّت نحو خمس ثوانٍ قبل أن يومض الكُرَيسْتال.
“تم تسجيل المانا الحيويّة، ويمكنك الذهاب إلى هناك للتصويت.”
كانت هناك عدة صناديق مصطفّة، مغطّاة بقماش، لا يتّسع كل واحد منها إلا لشخصٍ واحد.
وبينما نهض أحد رعايا الإمبراطورية من مكانه بوجهٍ يوحي بالعزم، كانت الساحرة التي تستقبل الشخص التالي تكرّر الكلام الذي قالته قبل قليل.
-‘يمكن استخدام بيانات المانا الحيويّة لاحقًا كمراجع بحثيّة.’
-‘إذا أتيتِ إلى برجنا السحري، فسندعمكِ بعشرة أضعاف ما كان يُقدَّم في البرج الخامس.’
الساحرة التي انخدعت بتلك الكلمات المعسولة، فانتقلت من البرج الخامس الذي كان يتعرّض للاضطهاد إلى البرج العاشر، هي راين.
في هذا المكان، لم يكن هناك من يضايقها، وكما وُعِدت، تلقت دعمًا كاملًا لأبحاثها، لكن رغم ذلك، كان عليها أن تُهدر يومًا كاملًا في أعمالٍ عديمة الفائدة كهذه.
وحولها، كانت هناك ساحراتٌ وسحرةٌ آخرون، لا يُعرَف إن كانوا قد خُدعوا مثلها أم لا، يكرّرون العمل نفسه.
وكان من المقرّر أن يتناوب عدد من السحرة على هذه المهمة يوميًّا على مدى نحو ثلاثة أسابيع.
“التالي.”
في البداية كانت متوتّرة من مواجهة أشخاص جدد، لكن مع مرور الوقت تطوّرت لديها حِيَلٌ صغيرة.
التالي!
ضع يدك هنا.
فقد سجّلت صوتها بدل أن تتحدّث بنفسها وتؤلم حلقها، ثم أخذت تعيد تشغيل التسجيل.
وبدأ الآخرون من حولها يقلّدون طريقتها شيئًا فَشيئًا، مكتفين بالجلوس ومراقبة ما إذا كانت المانا الحيويّة تُسجَّل في الكُرَيسْتال بشكلٍ صحيح.
‘على الأقل، منذ أن جئتُ إلى هنا، لم أعد أقلق بشأن المال.’
كونها ساحرة أبحاث، كانت قطع الذهب تذوب سريعًا كلما حصلت على موادّ بحثيّة.
بل إن مئات القطع الذهبيّة كانت تختفي في غضون ثوانٍ معدودة، ما أجبرها على اختيار الأبحاث ذات فرص النجاح العالية بدل الأبحاث التي ترغب فعلًا في القيام بها.
وفي هذه الأيام، أصبح أيّ شخصٍ كان تقريبًا ساحرًا.
في عالمٍ لا يمكن فيه العيش دون القدرة على امتصاص المانا الموجودة في الجو، كان الجميع يحملون في أجسادهم مقدارًا من المانا، ولو كان ضئيلًا.
وكان من المعروف لدى الجميع أن مهنة الساحر من المهن التي تدرّ المال وتحظى بالاحترام في الإمبراطورية.
ولهذا، استوعب البرج العاشر حتى من يفتقرون إلى الموهبة، وراح ينفق الأموال بسخاء.
كان في الأصل برجًا لا يملك شيئًا يُذكر، لكنه أصبح في غمضة عين أشهر الأبراج في العاصمة.
وحين توقّف الكُرَيسْتال الذي كان يسجّل بسلاسة عن الاستجابة، قامت راين، بخبرةٍ معتادة، بإعادته إلى مكانه وأخرجت كُرَيسْتالًا آخر.
“ضع يدك هنا مجددًا.”
الشخص الإمبراطوري الذي كان متجمّدًا في مكانه أومأ برأسه بقوّة.
ليت كل من يأتي يكون بهذه الدرجة من الانطوائيّة.
“أممم… أيتها الساحرة، لا يمكنني التصويت مرتين، أليس كذلك؟”
“كما شُرح في البداية، يتم تسجيل المانا الحيويّة، لذا لا يمكن ذلك.”
كان هناك من يلحّ بالسؤال، وقد سمع الإجابة بالفعل، فقط ليؤكّدها مرة أخرى، وهو يلعق شفتيه بأسف.
“هل يمكن أن أعرف من المتصدّر حاليًّا؟”
“هل تعرفون لمن يصوّت الآخرون عادةً؟”
على الرغم من التأكيد مرارًا أن التصويت سريّ ويتم بشكلٍ فردي، إلا أن كثيرين كانوا يسألون السحرة عن الوضع الحالي.
“نحن أيضًا لا نعلم.”
“قلنا إننا لا نعرف.”
“لا نعرف.”
راين، التي كثيرًا ما قيل لها إن ملامحها تبدو وديعة، تعمّدت العمل بوجهٍ متجهّم، دون أن تلتقي أعينها بأحد.
فحتى وإن لم يكن السحرة هم من يشرحون أو يتسلّمون المال، إلا أن إدارة الكُرَيسْتالات القيّمة والقطع السحريّة كانت من مسؤوليتهم.
وبعد استقبال عددٍ لا يُحصى من الناس، مع فترات استراحة متقطّعة، انتهى يوم عملها.
“لن أفعل هذا مجددًا أبدًا.”
رغم أنه لم يكن سوى يومٍ واحد، إلا أنها كانت منهكة تمامًا.
عندما عادت راين إلى سكنها، ورأت الذهب وقد أُودِع بدقّة في ذلك اليوم، دخلت مختبرها بصمت.
كان المال، منذ اللحظة الأولى، كبيرًا لدرجة يصعب معها الرفض.
***
القرّاء الذين وقعوا في هوسٍ شديد بكتاب “حفلة التنكّر”، حتى كادوا ينتظرون الحفل بلهفةٍ خانقة، توجّهوا فورًا إلى فرع البرج العاشر بعد رؤية الملصق الذي حصلوا عليه مع الكتاب.
أما الآخرون، فلم يكلّفوا أنفسهم عناء التصويت.
فعليك أن تدفع قطعة فضيّة واحدة للتصويت، والمكان بعيد، ويستلزم الوقوف في طابور.
وخلال نحو ثلاثة أيام، كان الزحام خانقًا دون أيّ فسحة للراحة، لكن بما أن كل شخص لا يستطيع الإدلاء إلا بصوتٍ واحد، بدأ عدد الناس يتناقص تدريجيًّا مع مرور الوقت.
وبالطبع، كان النقص نسبيًّا لا أكثر.
ومع مرور أسبوع، لاحظت إحدى الصحف اختفاء التلميحات المتعلقة بالجزء الثالث من “حفلة التنكّر”، فاقترحت اتّجاهًا جديدًا.
كرة صغيرة أطلقتها دار النشر التي استحوذت عليها مارسيلا.
“لكن لو كان لا بدّ من الزواج بشخصٍ واحد، فأظن أن إدوين هو الأنسب.”
“عندما أعدت قراءة الجزء الأول، شعرتُ مجددًا بمدى تطوّر روز.”
بسبب عمودٍ نشرته إحدى الصحف، أُعيد تسليط الضوء على الجزء الأول من “حفلة التنكّر”.
والصحف التي كانت تضجّ باسم لويس مع الجزء الثالث، بدت وكأنها التقطت طُعمًا جديدًا، فتسابقت للحديث عن الجزأين الأول والثاني، مركّزة على رفع أرقام المبيعات.
كما جذبت صحيفة “غولد تايم”، التي تُعد مرجعًا في هذا المجال، اهتمام الجميع من خلال مقارنة الشخصيات الثلاث.
「إذا ظهر وحشٌ أمامك مباشرةً؟ إدوين سيحملك وينقلك إلى مكانٍ آمن، وجيرارد سيرفع سيفه ليقضي على الوحش دفاعًا عنك، أما لويس فسيطمئنك بالكلام، ثم يحرّك إصبعه مرةً واحدة ليأمر الآخرين بالقضاء على الوحش.」
تأثّر القرّاء بهذا الطرح، وراحوا يتخيّلون مواقف مختلفة دون أن يطلب منهم أحد ذلك.
「ماذا لو مرضت روز ذات يوم؟」
「وإذا أنجبوا أطفالًا وربّوهم؟」
「عند تقديم الهدايا، ماذا سيقدّم كلٌّ منهم، وبأيّ كلمات؟」
ومن المفارقات أن صحيفة صغيرة قدّمت أكثر التحليلات ابتكارًا وعمقًا للشخصيات، فحصدت شعبيةً هائلة وحقّقت أرقام مبيعات تاريخيّة.
وعلى النقيض، كانت هناك حالات ارتدّ فيها التأثير سلبًا.
“لويس شخصٌ ماكر، يراوغ كالثعلب عندما يخطئ، فلماذا يعتذر فجأة؟”
“إدوين قليل الكلام، نعم، لكنه ليس غبيًّا!”
فالمحتويات السطحيّة التي يصعب فهمها لم تجلب سوى الانتقادات، وأسقطت مصداقية الصحف التي نشرتها.
“لكن هذا ممتعٌ نوعًا ما، أليس كذلك؟”
حتى أولئك الذين اكتفوا بالاستمتاع بـ”حفلة التنكّر” دون تعمّق، وجدوا الأمر مسليًا وهم يستمعون إلى سيناريوهات وأمثلة متنوّعة عن الشخصيات.
ماذا سيفعل هذا الشخص؟
وماذا عن ذاك؟
ذُكر كايل، بطل “فرسان السماء”، ضمن المقارنات أيضًا، لكن نظرًا لقسوة خلفيّته وظروفه، لم يحظَ باهتمامٍ كبير.
وهكذا، ومع ازدياد تعلّق القرّاء بإدوين، وجيرارد، ولويس على حدٍّ سواء.
“صوتكم الثمين لإدوين من فضلكم!”
عاد الحديث مجددًا عن أهمية التصويت، رغبةً في رؤية جزءٍ لاحق من “كارما” مرتبط بالشخصية التي يشجّعونها.
لافتات يدويّة ظهرت فجأة في الشوارع.
والصحف التي رصدت هذا المشهد، أشعلت الجدل مرةً أخرى بالمقالات.
「هل الشخصان الآخران، باستثناء صاحب المركز الأول، لن يحصلا على جزءٍ لاحق؟ لقد كُتب فقط: ‘من المرجّح صدوره’، ولم يُعلَن عن إصدار جميع الأجزاء بالترتيب. كما أفادت دار نشر سافاير في بيانها أن ‘الأمر متروك لاختيار الكاتبة كارما، ولا يوجد شيء مؤكد’……」
وبسبب القلق، لجأ أحد القرّاء إلى الرشوة.
“أيها الناس! صوّتوا لجيرارد وخذوا بسكويت!”
“لكن لا يمكننا التأكّد من أنهم صوّتوا فعلًا لجيرارد، أليس كذلك؟”
“همم، هذا متروكٌ لضمير كل شخص.”
كان أهل الإمبراطورية لا يزالون في مرحلة التعرّف على نظام التصويت والتأقلم معه.
رغم استياء النبلاء من حقيقة أن لكل شخصٍ صوتًا واحدًا فقط ذو تأثيرٍ مطلق، إلا أن من أراد منهم ما يريد، لجأ إلى شراء الناس سرًّا بالمال.
“هل صوّتَّ؟”
“نعم، لم يتبقَّ سوى يومين، فصديقة زوجتي أعطتني قطعة فضيّة وطلبت مني أن أذهب.”
“تبًّا، لو أحضرتَ شخصًا لم يصوّت، كانوا يعطونك مالًا.”
“ماذا؟”
“على الأرجح، كان هناك من يراقب الخارجين من مركز التصويت.”
وبما أن التصويت كان سريًّا، لم يكن بالإمكان معرفة من صوّت لمن، لكن ذلك شجّع الناس على تبادل الأحاديث بحرية أكبر.
“وأنت، لِمَن صوّتَّ؟”
“لويس.”
“إدوين.”
“يبدو أن لويس ينفق المال بسخاء أكبر، هل تتبعون الشخصية في ذلك؟”
وهكذا، كان البرج العاشر، الذي استحوذ وحده على كل القطع الفضية المصروفة في التصويت، يطلق صرخاتٍ تختلط فيها السعادة بالألم.
-‘هل علينا حقًّا إجراء كل هذه الحسابات؟’
-‘سيد البرج وحشٌ حقيقي.’
بعد انتهاء فترة التصويت التي استمرت ثلاثة أسابيع، جُمعت جميع الأصوات وأُرسلت النتائج بشفافية تامة إلى كاترينا.
وعندما رأت كاترينا النتائج.
“همم، لو فتحنا هنا برنامج اختبارات أداء، فسينجح نجاحًا باهرًا، أليس كذلك؟”
قالت ذلك بإعجاب، بعد أن رأت مدى حماسة الناس للتصويت، رغم كونه مدفوع الأجر.
التعليقات لهذا الفصل " 40"