الفصل 37 :
“بما أنّني اشتريتُ حفلة الأقنعة، فعندما تصدر فرسان السماء لاحقًا عليكِ أن تشتريه.”
عادت الخادمة ماتيلدا إلى القصر الدوق وهي تُرهق نفسها بحمل حقيبةٍ ثقيلةٍ تضمّ ستة كتب.
“أوه، يبدو أنّ الحصول عليها كان أسهل هذه المرّة، أليس كذلك؟”
دوروثي التي كانت تنتظرها رأت أنّها لم تعد فارغة اليدين فأطلقت همهمة إعجابٍ صغيرة.
“لو خرجتِ الآن سترين بنفسكِ الناسَ مُصطفّين في طوابير. كدتُ أتجمّد وأنا أُنتظر.”
على الرغم من ارتدائها طبقاتٍ سميكة من الملابس الصوفية، فإنّ رياح الشمال القاسية كانت تنتزع الدفءَ من أجساد الواقفين بلا رحمة.
وإضافة إلى ذلك، فإنّ ماتيلدا تخلّت عن يوم عطلتها وخرجت فقط لتشتري الكتاب، لذا لم يسعها إلا أن تتذمّر.
لم تكن ترغب أن تتأخّر في القراءة هذه المرّة فتضطرّ لسماع الأحاديث من الخدم الآخرين في القصر الدوقي مثلما حدث سابقًا.
“أنا أحتاج نسخةً واحدةً فقط، فهل البقية كلّها لكِ؟”
“لا، ثلاث نُسخ لي، وأثنتان أخريان طلبها منّي اثنان غيركِ. وبالمناسبة كسبتُ أجرًا لطيفًا من ذلك.”
رفعت ماتيلدا كتفيها بفخر، فأخرجت دوروثي ستّ عملاتٍ فضية وقدّمتها لها وهي تُطلق صفيرًا.
“لا بأس، لو حالفني الحظّ في المرّة القادمة فسأخرج أنا لأشتريها.”
صحيح أنّ حفلة الأقنعة لم تُغرِها كثيرًا، لكنّ فرسان السماء كانت بالنسبة إليها روايةً تستحقّ أن تتحمّل البرد لأجلها.
“أشعر بجوعٍ قليل… لكنّني متشوّقةٌ لما سيكون عليه محتوى الجزء الثالث.”
“ألم تقولي أنّكِ ستُقلّلين الأكل؟ على أيّ حال، سأبدأ القراءة الآن، فافعلي ما يحلو لكِ.”
تمدّدت دوروثي على السرير في وضعٍ مريح وفتحت الكتاب.
نظرت إليها ماتيلدا بحدة لبرهة، ثم تردّدت، لكنّها في النهاية اختارت القراءة بدل الأكل. وبعد أن بدّلت ملابسها جلست على الكرسي وبدأت تقلّب الصفحات.
***
「لا بُدّ أنّ ارتداء هذا القناع اليوم سيكون الأخير.
بعد أن قضت اليومين الأوّلين تجول في قاعة الحفل، صارت روز معتادة على المكان. والآن خرجت توًا من المدخل.
أخذت تتلفّت محاولةً أن تجد وجهًا مألوفًا في زاويةٍ قليلةِ الزحام.
“أتشرّف أن أطلب من حضرتكِ رقصةً، سيدتي؟”
وقف أمامها رجلٌ يمدّ لها يده ناظرًا إليها من علوّ.
“…إلـ… إليّ أنا؟”
تحوّلت أنظار كلّ من في القاعة إليهما.
لكنّها لم تكن أنظارًا موجهة إلى روز بل إلى الرجل ذاته.
فبينما هي ترتدي فستانًا بسيطًا، كان هو يعتمر زيًّا رسميًّا فخمًا مزخرفًا، وشعره الذهبيّ اللامع ينعكس عليه النور وهو مربوط إلى الخلف.
من النظرة الأولى يُدرك أيّ شخص أنّه ليس رجلًا عاديًّا.
حين التقت عيناها بعينيه توقّفت لبرهة، لكنّها في النهاية وضعت يدها المرتجفة فوق يده كما لو كانت اتّخذت قرارًا.
“اختيارٌ حكيم.”
ابتسم الرجلُ ابتسامةً خفيفة، ثم جذبها من غير تردّد وسار بها نحو وسط قاعة الرقص.」
***
في الأجزاء السابقة كانت روز هي التي تعثر على جيرارد أو إدوين بنفسها.
لكن هذه المرّة، ومنذ البداية، ظهر رجلٌ غامض وتقدّم لها أوّلًا.
دوروثي، وقد أعجبها سير الأحداث السريع والواضح، أنزلت الكتاب للحظة ونظرت إلى ماتيلدا قائلة:
“حتى أنّه طلب الرقص منها أولًا… البداية تبدو مشجّعةً أكثر مِما توقّعتُ.”
كانت تعلم أنّ ماتيلدا تُحبّ شخصية روز أكثر من أيّ أحدٍ آخر في حفلة الأقنعة.
لكن لم يأتِها أيّ ردّ.
فتحرّجت قليلًا، ثم سألتها مجددًا:
“إلى أين وصلتِ؟ أنا لم أصل بعد لمشهد الرقص، لكنّكِ تقرئين بسرعة…”
“هُس! لننتهِ من القراءة أولًا ثم نتحدّث. ليس لدينا وقت، يجب أن نقرأ بسرعة ونرتاح.”
“أ… حسنًا.”
ارتبكت دوروثي من نظرات ماتيلدا الحادّة، فأسرعت تلتقط كتابها وتتابع.
كانت دوروثي بطيئة القراءة، لذا لتُنهي الجزء الثالث بالكامل كان لا بدّ أن تسهر حتى وقتٍ متأخّر.
لكن الأحداث المفاجئة والمشوّقة جذبتها بقوة، فلم تُدرك إلا وقد وصلت إلى الصفحة الأخيرة.
“هل أنهيتِ القراءة؟”
“نعم. ألم يقل الكاتب أنّه لا توجد أجزاء بعد هذا؟ والآن أشعر بالفضول لمعرفة من اختارت روز في النهاية… لكن أظنّ أنّها ستعيش بسعادةٍ مع أيٍّ كان.”
ابتسمت ماتيلدا راضية بكلماتها، فهي أسرع منها وقد أعادت القراءة للمرّة الثانية.
“لكن ما هذا؟”
“لقد وزّعوا هذه الأوراق وقالوا يمكن أخذ واحدة. لكن… أليس في الشمال فرعٌ للبرج العاشر؟”
أشارت دوروثي إلى الملصق، فتغيّر وجه ماتيلدا فجأة إلى الجديّة.
للأسف، لم يكن في الشمال فرعٌ للبرج العاشر بعد.
لذلك، بدأت هي وكلّ من في المنطقة بالسفر إلى أقرب مقاطعةٍ يملك فيها البرج فرعًا ليتمكّنوا من التصويت.
“كلّ هؤلاء جاؤوا من الشمال؟! ألا نخشى أن يُغضب هذا دوقنا؟”
اندلع بعض القلق في قصر الكونت، لكن لحسن الحظ لم يحدث شيء.
وهكذا، وافق بيت الدوق سرًّا على بناء فرعٍ للبرج العاشر الذي كانوا يرفضونه من قبل.
***
「هناك أمورٌ يمكن إدراكها من دون كلمات.
فروز لم تتعلّم الرقص من قبل، وكانت حركاتها مرتبكة، لكنّ الرجل الذي يقودها كان بارعًا في تغطية ذلك وإبرازها بخفّة.
إنّه لويس، وليّ العهد الثاني للإمبراطورية، الذي كان يرمقها بعينيه الهادئتين، مع أنّها ليست سوى ابنة لنبيلٍ صغير.
‘ربّما هناك من يُشاهدني الآن.’
أراد لويس أن يُظهر نفسه في أفضل صورة أمام أصدقائه المقرّبين، فأدارها حوله مرّتين وهو يرقص برقّة وحيوية.
“أ… أعتذر، لكن…”
“هل ترغبين بالاستراحة قليلًا؟”
كان لويس بكامل نشاطه، لكنّ روز كادت تختنق أنفاسها من مجرّد رقصةٍ واحدة، فأرادت الهروب بمجرد انتهاء الموسيقى.
‘لا يمكن أن أدعها تذهب هكذا.’
لو تراجع خطوة، فسوف يتقدّم أحد صديقَيه منها بلا شك. وهو لم يُرِد أن يراهم منشغلين بامرأة كهذه.
فتنهّد في سرّه، لكنه أبقى ابتسامته المرسومة، وساقها نحو الحديقة الإمبراطورية.
“فلنذهب من هناك!”
أشارت روز إلى ناحيةٍ ما وتقدّمت بنفسها فجأة.
رمقها لويس بملامحٍ ضجرٍ خفيّة، لكنه تبعها.
“لكن، لماذا تُحسن إليّ بهذا الشكل؟”
قالت روز وهي تُشاهد الأزهار البسيطة في مكانٍ بعيدٍ عن الناس، من دون أن ترفع نظرها إليه.
“لماذا، تقولين…”
“الرقص عادةً لا يُطلب إلا مِمَن تهتمّ بهم، لكنّك طلبتَه منّي لسببٍ آخر، أليس كذلك؟”
ظنّت أنّها فتاة ساذجة، لكن يبدو أنّ لديها وعيًا.
على الرغم من أنّها رقصت أمام الجميع معه، لم تُبدُ أيّ سعادةٍ أو انبهار، بل بالعكس بدت وكأنّها تشعر بالملل منه هو أيضًا.
‘تشعر بالملل منّي؟’
هراء!
حاول لويس أن يردّ بكلماتٍ لبقة ليُسكتها، لكنّها قالت ببرود:
“لا داعي لأن تبتسم بتكلّف. آه، أريد أن أرى تلك الأزهار هناك، فلو ستتكلّم فدعنا نتمشَّ قليلًا.”
تجمّد ملامحه تحت القناع، وزال أثر الابتسامة الزائفة، ولم يبقَ سوى تكبّرٍ ظاهر.
“حسنًا، فلنمشِ.”
ترك يدها.
سارا قليلًا بصمت، ثم قال فجأة:
“أردتُ فقط أن أحكم بنفسي على فتاةٍ تتسلّل إلى حفلةٍ كهذه، لتُلهي النبلاء الصالحين. هذا كلّ ما في الأمر.”
أوقفته ببرودها.
“لقد أردتَ أن تُدينني بنفسك فقط، إذًا؟”
لم يهتمّ، فأصدقاؤه لم يكونوا ليسمعوا ما يقول.
وكان يعلم أيضًا أنّ روز، حتى لو سمعت هذا، لا تملك القدرة على نشره.
“هممم. على أيّ حال، أعتذر على دخولي خلسة.”
التفتت إليه فجأة وهي ترفع رأسها، خلافًا لتوقّعاته أنّها ستُنكر أو تغضب.
“لكنّني لم أُلهِ أحدًا من النبلاء. بل لعبتُ معهم قليلًا فحسب.”
وأضافت مبتسمةً بأنّها على الأقل صنعت ذكرياتٍ ممتعة.
“هل تعلمين أنّهما من كبار النبلاء؟”
“إلى حدٍّ ما… استنتجتُ من ملابسهم الرسمية، لكنّي اقتربتُ منهم فقط لأنّهما بديا وحيدَين مثلي.”
“أليس هدفكِ الصعود في المكانة عن طريق الخطبة أو الزواج؟”
“لن أتزوّج.”
“…ألا تعنين أنّكِ ستخطُبين فقط؟”
“ولماذا أفعل؟ أنا أفكّر في الهروب أصلًا. لديّ ما يكفيني لأعيش وحدي.”
أدرك لويس أنّ الحديث بدأ يأخذ منحًى غير مألوف.
فتاةٌ تقول بلا تردّد إنّها تنوي الهروب من بيتها؟ هذا ليس طبيعيًّا.
وأيقن أنّ توقّعاته عن روز كانت خاطئة تمامًا.」
═════• •✠•❀•✠ •═════
الترجمة: فاطمة
《 قناة التيلجرام مثبتة في التعليقات 》
حسابي ✿ 《انستا: fofolata1 》
التعليقات لهذا الفصل " 37"