‘تلكَ الكلماتُ الأخيرةُ كانتْ مجردَ مجاملةٍ ، هل بدَا ذلكَ واضحًا؟’
بصراحةٍ ، قولي لها بأن تبلّغَ تحياتي كانَ مجردَ كلامٍ فارغٍ.
آنسةٌ أو غيرُ ذلكَ … لا يهمُّ!
كلُّ ما أريدُهُ الآنَ هو الاستمتاعُ بضوءِ تلكَ النارِ!
لقد نفدَ صبري بسببِ هذا الجوِّ الذي يكادُ يقتلني بردًا.
“… إذن ، سننصرفُ الآنَ”
يبدو أنَّهما فهمتا رغبتي أخيرًا.
انحنتِ الخادمتانِ بتلعثمٍ لدرجةِ أنَّ وجهيهما لم يعودا ظاهرينِ ، ثُمَّ اختفتا بسرعةٍ.
أغلقتُ البابَ الثقيلَ و زفرتُ براحةٍ.
كانَ الداخلُ دافئًا و منعزلًا عن الرياحِ القارسةِ ، و سرعانَ ما شعرَ قلبي بالدفءِ أيضًا.
‘يا للهولِ~ بمجردِ وصولي للمنزلِ ، بدأتُ حفلةَ الشواءِ’
سأستمتعُ بالنظرِ للنارِ ثُمَّ أنامُ.
التجسيدُ رائعٌ!
* * *
بينما كانَ الفجرُ يلوحُ في الأفقِ —
رغمَ أنَّهُ لم ينمْ و لو لغفوةٍ واحدةٍ ، ظلَّ الرجلُ جالسًا بظهرٍ مستقيمٍ ، يراقبُ من النافذةِ السماءَ التي كانتْ بسوادِ شعرهِ و هي تتحولُ تدريجيًّا إلى لونٍ بنفسجيٍّ مائلٍ للزرقةِ يشبهُ لونَ عينيهِ.
بدقةٍ أكثرَ ، كانَ ينظرُ للخارجِ.
كانَتْ نظراتُهُ مثبتةً على ذلكَ الملحقِ الذي يبدو بعيدًا بعضَ الشيءِ.
في ذلكَ الملحقِ القديمِ و الضيقِ ، تقبعُ عروسُهُ الجديدةُ.
الرجلُ – جينوس سيليست – غرقَ في أفكارهِ و هو يتمتمُ بسخريةٍ من نفسهِ.
“هذا أمرٌ مثيرٌ للضحكِ”
رينيه بلانش.
لا ، بل المرأةُ التي أصبحتِ الآنَ رينيه سيليست.
كانَتْ كما سمعَ عنها تمامًا.
بل كانتْ أجملَ بكثيرٍ ممّا قيلَ.
و كأنَّها تثبتُ انتماءَها لدمِ عائلةِ الـمُاركيز بلانش ، بدَا شعرُها الفضيُّ الذي ينسدلُ كالأمواجِ أنعمَ من الحريرِ …
و عيناها الحمراوانِ المتوهجتانِ كالنارِ ، كانتا تتناقضانِ مع ملامحِها الرقيقةِ لتجذبا الأنظارَ بقوةٍ.
تلكَ العينانِ الساحرتانِ ، و كأنَّهما مرصعتانِ بياقوتٍ نُحِتَ بيدِ صانعٍ ماهرٍ ، كانَ يكتسيهما بللٌ غامضٌ.
“……”
عينانِ مستديرتانِ و كأنَّها في حالةِ ذعرٍ دائمٍ.
فردٌ غيرُ مرحبٍ بهِ في العائلةِ ، وصلَ إلى الشمالِ القاحلِ مستقلاً عربةَ أمتعةٍ يتجنبُها حتى الخدمُ.
جسدُها الصغيرُ و الضئيلُ لم يخفِهِ حتى فستانُ الزفافِ المنفوشُ.
ربّما لأنَّ انطباعَها رقيقٌ و هشٌّ للغايةِ—
كانَ من الصعبِ التصديقُ بأنَّها بلغتْ سنَّ الرشدِ منذُ فترةٍ طويلةٍ.
“… امرأةٌ غبيةٌ”
تتوجعُ و كأنَّها بطلةُ روايةٍ تراجيديةٍ.
بكلِّ المقاييسِ، كانتِ امرأةً لا تتوافقُ معهُ أبدًا.
لقد عادَ في عربتهِ أولًا بقصدِ كسرِ شوكتِها منذُ البدايةِ ، لكنَّ اختيارَ رينيه كانَ تصرفًا غريبًا لم يتوقعهُ أبدًا.
‘ابنةُ الـماركيز تركبُ عربةَ الخدمِ؟ و فوقَ ذلكَ عربةُ الأمتعةِ؟ يبدو أنَّها لا تملكُ كرامةً’
ما الذي تخططُ لهُ يا تُرى؟
عائلةُ الـماركيز بلانش كانتِ العائلةَ الممثلةَ الداعمةَ للأميرِ الثاني ، ابنِ الإمبراطورةِ الحاليةِ.
و من المؤكدِ أنَّها على طرفِ نقيضٍ من عائلةِ الدوقِ سيليست ، الداعمةِ لوليِّ العهدِ ، ابنِ الإمبراطورةِ السابقةِ المتوفاةِ.
لكنْ كانَتْ هناكَ مشكلةٌ أهمُّ من هذهِ الصراعاتِ السياسيّةِ.
‘بعدَ دخولِ الإمبراطورةِ الجديدةِ ، فقدَ الإمبراطورُ بصيرتَهُ بلا شكٍّ’
الإمبراطورةُ الحاليةُ ، إيزابيلا رامبرانت.
لم تكنْ امرأةً تخفي طموحاتِها.
بدأَ الأمرُ بولادةِ الأميرِ الثاني بعدَ وقتٍ قصيرٍ من تنصيبِها إمبراطورةً.
بعدَ ذلكَ ، بدأَ جسدُ الإمبراطورِ القويُّ يضعفُ تدريجيًّا.
و منذُ متى و هو يؤجلُ شؤونَ الدولةِ ليبقى في غرفةِ نومِ قصرِ الإمبراطورةِ حتى وقتٍ متأخرٍ من المساءِ؟
ليسَ هذا فحسبُ ، بل بدأَ الإمبراطورُ يتحدثُ دونَ ترددٍ بكلماتٍ تثيرُ الفوضى حولَ منصبِ وليِّ العهدِ الذي كانَ مستقرًّا للأميرِ الأولِ ، قائلًا أشياءَ مثلَ: “قد نمنحُ الفرصةَ للأميرِ الثاني”.
بناءً على هذا، كم عددُ الأشخاصِ الذينَ يمكنهم الجزمُ بعدمِ وجودِ تدخلٍ من إيزابيلا؟
الإمبراطورةُ التي سيطرتْ على الإمبراطورِ الضعيفِ لم يكنْ لديها ما يمنعُها.
ليسَ ذلكَ فحسبُ ، بل تحالفتْ مع المعبدِ ، و هو قوةٌ سياسيّةٌ كبيرةٌ ، لتعزيزِ مكانتِها و مكانةِ الأميرِ الثاني.
و كانَ زواجُ اليومِ جزءًا من ذلكَ المخططِ.
‘رغمَ أنَّني أتممتُ المراسمَ لعجزي عن عصيانِ أمرِ الإمبراطورِ … إلا أنَّ هذا بلا شكٍّ وسيلةُ ضغطٍ من الإمبراطورةِ’
و بعيدًا عن ذلكَ ، كانتْ عائلةُ الـماركيز بلانش مليئةً بالجشعِ و أشخاصًا لا يتبعونَ سوى مصالحهم الشخصيّةِ.
بمجردِ التفكيرِ في تلكَ العائلةِ المثيرةِ للاشمئزازِ ، شعرتُ بالغضبِ يتصاعدُ بداخلي مجددًا.
و في الوقتِ ذاتهِ ، تداخلَ وجهُ تلكَ المرأةِ التي تشبهُ الأرنبَ في ذهني.
تلكَ العينانِ الحمراوانِ اللتانِ قيلَ إنَّهما تجلبانِ النحسَ.
‘حتى إنَّ هناكَ شائعاتٍ تدورُ حولَ كونِها ابنةً غيرَ شرعيّةٍ للـماركيز …’
بالنظرِ لجوِّ عائلةِ الـماركيز أثناءَ الزفافِ ، يبدو أنَّ تلكَ لم تكنْ مجردَ إشاعةٍ عابرةٍ.
“… هاه”
التفتَ جينوس الذي كانَ واقفًا كالمسمرِ ، و ابتعدَ عن النافذةِ بحركةٍ تعبرُ عن انزعاجِهِ.
على أيِّ حالٍ ، الأزواجُ في المجتمعِ النبيلِ ليسوا سوى غرباءَ.
فكيفَ بامرأةٍ من عائلةِ بلانش؟
لن تكونَ هناكَ مودةٌ بيننا أبدًا.
لذلكَ ، لن أسمحَ لها بالتقربِ منّي أبدًا.
و فوقَ كلِّ شيءٍ ، كانَ لدى جينوس مشكلةٌ أكثرُ إلحاحًا من رينيه.
طرق— طرق—
“صاحبَ السموِّ ، أنا كارل”
“تفضل”
دخلَ كارل ، رئيسُ الخدمِ الأنيقُ ، إلى المكتبِ بعدَ الطرقةِ.
كانَ يحملُ في كلتا يديهِ صينيّةً عليها زجاجةُ دواءٍ.
“كما توقعتُ ، لقد ظللتَ مستيقظًا حتى الآنَ”
“النومُ أكثرُ عذابًا من السهرِ”
“و لكنْ يجبُ أن تنالَ قسطًا من الراحةِ و لو قليلًا”
“هذا الدواءُ لا مفعولَ لهُ يا كارل. تمامًا مثلَ كلِّ الأدويةِ في هذا العالمِ”
لم يظهرْ خلفَ نظارةِ كارل سوى القلقِ.
تجرعَ جينوس زجاجةَ الدواءِ و هو يبتلعُ تنهيدةً أخرى تصاعدتْ بداخلهِ.
كانَ طعمُ الدواءِ الكثيفِ مرًّا في فمهِ و في قلبهِ أيضًا.
“… الجنونُ لا دواءَ لهُ”
كانَ مرضًا ظهرَ منذُ عهدِ والدهِ.
لم يُعرفْ لهُ اسمٌ فكانوا يكتفونَ بتسميتهِ بالجنونِ ، و لكنْ ربّما كانَ هذا هو الاسمُ الأكثرُ ملاءمةً لهُ.
‘أجل ، ربّما كانَ هذا من حسنِ الحظِّ. فأن أصبحَ زوجًا حقيقيًّا لتلكَ المرأةِ … أمرٌ لن يحدثَ أبدًا’
كانَ جينوس ينوي إنهاءَ كلِّ شيءٍ عندَ جيلهِ.
كلُّ ما يجري في دمهِ. كلهُ. تمامًا.
* * *
الأسبوعُ الأولُ من التجسيدِ في روايةٍ مجهولةِ الاسمِ.
“واو. أشعةُ الشمسِ تشرقُ”
من المدهشِ أنَّ كلَّ يومٍ يمرُّ بسلامٍ.
كنتُ أنظرُ لأشعةِ الشمسِ المنهمرةِ من النافذةِ ، و أرتشفُ شايَ الأعشابِ براحةٍ بالٍ.
كانَتِ الحديقةُ الصغيرةُ المكسوةُ بالثلوجِ هادئةً.
في عالمٍ أبيضَ تمامًا ، كانَ الصباحُ دافئًا مع زقزقةِ طيورِ الجبلِ من بعيدٍ.
تألقتْ بلوراتُ الثلجِ فوقَ الأشجارِ الصنوبريّةِ و فجواتُ الجليدِ المتدليةِ من الحوافِ تحتَ أشعةِ الشمسِ.
بجانبِ الطاولةِ التي أجلسُ عليها ، كانَ الحطبُ يطقطقُ داخلَ المدفأةِ مذيبًا الهواءَ الباردَ.
وضعتُ كوبَ الشايِ بابتسامةٍ راضيةٍ.
“مثاليٌّ”
حقًّا ، إنَّها حياةٌ ريفيّةٌ مثاليّةٌ!
هذا هو نوعُ الحياةِ الريفيّةِ التي يحلمُ بها أيُّ موظفٍ سئمَ من حياةِ المدينةِ!
هذا الهدوءُ الذي لم أستمتعْ بهِ في حياتي قبلَ التجسيدِ.
بعدَ الاستمتاعِ بهذا الفراغِ لبضعةِ أيامٍ ، شعرَ جسدي وروحي بالاسترخاءِ التامِّ.
و لكن …
‘بعدَ البقاءِ هكذا طوالَ الأسبوعِ ، بدأتُ أشعرُ بالمللِ قليلًا …’
السلامُ.
هذا يعني بالضرورةِ أنَّهُ لا يوجدُ شيءٌ أفعلهُ.
و علاوةً على ذلكَ ، بصفتي مدمنةَ عملٍ معروفةً في حياتي السابقةِ ، كانَ مجردُ الجلوسِ هكذا غريبًا جدًّا عليَّ.
حتى تلكَ الساعاتُ الطويلةُ التي كنتُ أقضيها في انتظارِ ابنِ الأستاذِ المشرفِ داخلَ سيارةِ مستأجرةٍ ، و كأنَّني مديرةُ أعمالِهِ … كانتْ أكثرَ متعةً من هذا.
“ألا يوجدُ شيءٌ أفعلهُ؟”
نهضتُ بجسدي الذي بدأَ يشعرُ بالخمولِ و تمددتُ بقوةٍ.
رغمَ أنَّهم قالوا إنَّ الكوخَ قد تمَّ تنظيفُهُ ، إلا أنَّهُ لم يسكنْهُ أحدٌ لفترةٍ طويلةٍ.
لذا كانَتْ هناكَ الكثيرُ من الزوايا التي تحتاجُ للعنايةِ.
بالطبعِ ، مقارنةً بغرفتي الصغيرةِ السابقةِ ، كانَ هذا المكانُ فخمًا للغايةِ.
و بسببِ اهتمامي بهِ بنفسي ، بدأتُ أشعرُ بالارتباطِ بهِ أكثرَ.
كلما احتجتُ لشيءٍ ما ، كانتِ الخادمةُ بيتي ذاتُ الخدودِ الممتلئةِ تحضرُ لي ما أحتاجُهُ و كأنَّها تقرأُ أفكاري.
بما أنَّ لديَّ الكثيرَ من الوقتِ ، مرَّ الأسبوعُ بسرعةٍ و أنا أنظفُ و أمسحُ الكوخَ ، لكنَّ المشكلةَ هي اليومُ.
لم يعدْ هناكَ شيءٌ لأنظفَهُ أو أمسحَهُ.
‘بما أنَّنا في الشتاءِ ، فمنَ الصعبِ العنايةُ بالحديقةِ …’
لكنْ عندما يأتي الربيعُ ، سأتمكنُ من قضاءِ يومي في تنسيقِ حديقةٍ رائعةٍ!
بمجردِ التفكيرِ في تحقيقِ الحياةِ التي طالما حلمتُ بها في الفصلِ القادمِ ، بدأتُ أدندنُ لاإراديًّا.
بينما كنتُ أدندنُ و أتجولُ في الحديقةِ ، رأيتُ مستودعًا صغيرًا في الفناءِ الخلفيِّ.
قررتُ أن أقضي وقتي في ترتيبِ ذلكَ المكانِ اليومَ.
“أوه؟”
بجانبِ المستودعِ تمامًا ، رأيتُ جذوعَ أشجارٍ مقطوعةً و فأسًا يدويًّا موضوعًا بانتظامٍ.
يبدو أنَّهُ مخصصٌ لتقطيعِ الحطبِ.
“… هل أجربُ؟”
في تلكَ اللحظةِ ، تصاعدتْ بداخلي ثقةٌ لا أساسَ لها.
‘على أيِّ حالٍ ، كميةُ الحطبِ التي تُستهلكُ في ليلةٍ واحدةٍ كبيرةٌ جدًّا’
ليسَ لديَّ شكوى كبيرةٌ من العيشِ هنا ، لكنْ هل هذا هو عيبُ العيشِ في عصرٍ من عصورِ القرونِ الوسطى؟
بما أنَّ التدفئةَ تعتمدُ كليًّا على المدفأةِ ، فإنَّ كومةَ الحطبِ كانتْ تنقصُ أسرعَ ممّا توقعتُ.
‘لا أريدُ أن أكلفَ أحدًا بذلكَ. و بما أنَّني لا أملكُ عملًا أصلًا … سأفعلُ ذلكَ بنفسي’
بدأتُ التنفيذَ فورًا.
فتحتُ بابَ المستودعِ و اخترتُ قطعةَ خشبٍ تبدو قويةً ، ثُمَّ وضعتُها بانتظامٍ فوقَ قاعدةٍ خشبيةٍ و أنا أدندنُ.
شعرتُ بالفخرِ بالفعلِ.
‘متعةُ اليومِ’
هاهاها! سأقضي اليومَ كلهُ في تقطيعِ الحطبِ.
أخذتُ نفسًا عميقًا ثُمَّ أمسكتُ الفأسَ بكلتا يديَّ بجديةٍ.
و لكن …
“أوووه!”
الفأسُ الذي رفعتهُ بكلِّ قوتي كانَ أثقلَ ممّا توقعتُ ، فانجرفَ جسدي معهُ!
و معَ انتقالِ مركزِ ثقلي ، انقلبَ جسدي للخلفِ و كأنَّني أقومُ بحركةٍ بهلوانيّةٍ.
“آاااه …”
هذا مؤلمٌ جدًّا!
في تلكَ اللحظةِ ، تجمعتِ الدموعُ في عينيَّ.
“يا إلهي ، سموُّ الدوقةِ!”
من بعيدٍ ، رأيتُ بيتي و هي تصرخُ و تسقطُ الصينيةَ التي كانتْ تحملُها.
التعليقات لهذا الفصل " 3"