داخلَ عربةِ الأمتعةِ ، حيثُ تتناثرُ الصناديقُ الخشبيّةُ و أكوامُ القشِّ معًا—
استيقظتُ بعدَ نومٍ قصيرٍ ، ففركتُ عينيَّ بقوةٍ ثُمَّ استلقيتُ فوقَ كومةِ القشِّ.
هل بدأَتِ الشمسُ بالغروبِ ، أم أنَّنا نتجهُ نحو منطقةٍ باردةٍ؟
أم كلاهما معًا؟
لففتُ ذراعيَّ حولَ جسدي لاإراديًّا بسببِ البردِ الذي بدأَ يتسللُ إليَّ ، فانسدلَ شعري الفضيُّ ليداعبَ ذراعيَّ.
عبثتُ بخصلاتِ شعري الناعمةِ دونَ سببٍ ، و تذكرتُ للحظةٍ عندما كنتُ أغيّرُ ثيابي قبلَ ركوبِ العربةِ.
‘كمِ اندهشتُ عندما نظرتُ في المرآةِ أثناءَ تبديلِ الفستانِ’
شعرٌ فضيٌّ مائلٌ للبياضِ ينسدلُ متجاوزًا الكتفينِ حتى الخصرِ.
و الأكثرُ لفتًا للانتباهِ هو تلكَ العينانِ الحمراوانِ القانيتانِ.
مظهرٌ يذكّرُ بالأرانبِ البيضاءِ فوقَ حقولِ الثلجِ.
كانَتْ هناكَ فتاةٌ نحيلةٌ تبدو أصغرَ من عمرِها ، تنظرُ إليَّ في المرآةِ بعينينِ مستديرتينِ.
<يا إلهي ، هل هذهِ … أنا؟>
ههه. لقد جاءَ اليومُ الذي أنطقُ فيهِ بمثلِ هذهِ الكلماتِ!
بما أنَّني توقعتُ التجسيدَ ، لم يكنْ تقبّلُ الأمرِ صعبًا كما ظننتُ.
لكنَّ الصعوبةَ كانتْ في طريقةِ التعاملِ مع التابعينَ.
كما يقالُ ، من ذاقَ اللحمَ يعرفُ كيفَ يأكلهُ.
بصفتي طالبةَ دراساتٍ عليا سابقةٍ ، كانتْ تقضي يومها في التذللِ للأستاذِ المشرفِ … كحم! أقصدُ ، كطالبةٍ مجتهدةٍ ، لم يكنْ بإمكاني توبيخُ الخادمةِ التي بدَا عليها الحرجُ و هي تخبرني بوجوبِ ركوبِ عربةِ الأمتعةِ.
بالطبعِ لم أرغبْ في ذلكَ ، و لم تكنْ هناكَ حاجةٌ لهُ أصلًا.
<أن تستقلَّ سموُّ الدوقةِ عربةَ الخدمِ …>
<سيكونُ الأمرُ مزعجًا ، أليسَ كذلكَ؟ لا بأسَ ، سأركبُ عربةَ الأمتعةِ فحسبُ>
على أيِّ حالٍ ، بالنسبةِ للخادماتِ ، الدوقةُ تُعتبرُ الرئيسَ الأعلى في المجتمعِ الحديثِ.
لا أعرفُ كم سيستغرقُ الوصولُ لقلعةِ الدوقِ ، لكنْ هل يُعقلُ أن يُجبرنَ على البقاءِ محشوراتٍ مع شخصيّةٍ رفيعةٍ يرينها لأولِ مرةٍ؟
أنا أيضًا كنتُ أرفضُ ذلكَ بشدةٍ.
فالأمرُ غريبٌ و مزعجٌ بالنسبةِ لي أيضًا!
و فوقَ كلِّ شيءٍ …
<تحدثي براحةٍ يا سموَّكِ>
<أوه ، حسنًا. على أيِّ حالٍ ، أنا متعبةٌ للغايةِ الآنَ ولا أفهمُ شيئًا ، أريدُ فقط الاستلقاءَ. من الجيدِ وجودُ الكثيرِ من القشِّ هناكَ. يبدو مريحًا ، أليسَ كذلكَ؟>
دونِ الاهتمامِ بنظراتِ أحدٍ ، كنتُ أتوقُ بشدةٍ للاستلقاءِ …
“أجل ، هكذا كانَ الأمرُ. ركبتُ عربةَ الأمتعةِ و غرقتُ في النومِ كالمغشى عليَّ”
ألم نصلْ إلى قلعةِ الدوقِ بعدُ؟
كانَ الهدوءُ يسودُ المكانَ ، و لم يقطعِ الصمتَ سوى صوتُ العجلاتِ و هي تتدحرجُ فوقَ الطريقِ.
في وسطِ ذلكَ الضجيجِ الهادئِ ، بدأتُ أسترجعُ ذكرياتي بتمهّلٍ.
لحظةٌ. بمناسبةِ الحديثِ عن ذلكَ!
ماذا حدثَ لـ ‘أنا’ في عالمي الأصليِّ؟
كيفَ لم أتذكرْ هذا الأمرَ المهمَّ إلا الآنَ!
بمجردِ إدراكي للأمرِ ، خطرتْ ببالي آخرُ ذكرياتي في العالمِ الأصليِّ ، تلكَ التي تمنيتُ نسيانَها.
أشعرُ و كأنَّها حدثتْ بالأمسِ فقط.
إذا كانَ هذا هو الواقعُ و عالمي الأصليُّ هو الحلمُ ، فلا شكَّ أنَّهُ كانَ كابوسًا.
“…”
بحثُ الدكتوراهِ الذي ظننتُ أنَّه نهايةُ معاناتي ، قد توقفَ في النهايةِ.
و السببُ كانَ سخيفًا.
لأنَّ الأستاذَ المشرفَ عليَّ قد سُجنَ بتهمةِ الاختلاسِ.
هل يوجدُ طالبُ دراساتٍ عليا منحوس غيري في هذا العالمِ تأجلَ تخرجُهُ لسببٍ كهذا؟
“لذا بالتأكيدِ بالأمسِ ، مـمـم …”
بالأمسِ ، عدتُ إلى غرفتي بعدَ غيابٍ طويلٍ ، و قررتُ أنَّني سأشربُ حتى الموتِ ، و لم يكنْ هناكَ من يمنعني.
نمتُ في تلكَ الغرفةِ الصغيرةِ التي تحولتْ إلى ما يشبهُ مكبَّ النفاياتِ بسببِ إهمالي لها لأشهرٍ أثناءَ بقائي في المختبرِ …
ماذا حدثَ بعدَ ذلكَ؟
أتذكرُ بشكلٍ غامضٍ أنَّني كنتُ أرتجفُ من البردِ الشديدِ قبلَ أن أفقدَ الوعي.
بسببِ انشغالي القاتلِ لأشهرٍ ، لم أدركْ حتى تغيرَ الفصولِ ، و رغمَ أنَّني عدتُ للمنزلِ بعدَ وقتٍ طويلٍ.
… هل مِتُّ؟
هل يعقلُ أنَّني مِتُّ متجمدةً في سيولِ القرنِ الحادي و العشرينَ بسببِ الإفراطِ في الشربِ؟
“سموُّ الدوقةِ”
“آااخ!”
“يا إلهي!”
بينما كنتُ غارقةً في أفكاري الجادةِ ، فزعتُ من صوتِ شخصٍ يناديني و صرختُ لاإراديًّا و أنا ألتفتُ للخلفِ.
خلفَ ستارةِ العربةِ التي فُتحتْ فجأةً ، وقفتْ خادمةٌ بدَا عليها الفزعُ أكثرَ منّي بمرتينِ.
هل كانَ اسمُها بيتي؟
فتاةٌ ذاتُ خدودٍ ممتلئةٍ تليقُ باسمِها اللطيفِ ، تمالكتْ نفسها ثُمَّ تحدثتْ مجددًا.
“… كحم. سموَّكِ، لقد وصلنا إلى قلعةِ الدوقِ”
قالتْ بيتي ذلكَ ثُمَّ تنحتْ جانبًا لتسمحَ لي بالنزولِ.
خلفها ، كانتْ قلعةُ الدوقِ الضخمةُ تظهرُ بهيبتِها.
بمجردِ نزولي من العربةِ ، بدأَ الخدمُ الذينَ خرجوا من القلعةِ في ترتيبِ عربةِ الأمتعةِ.
“سأرافقكِ إلى مقرِّ إقامتكِ”
أنهتْ بيتي كلامَها و تقدمتْ بخطواتٍ سريعةٍ.
تجاوزتِ البوابةَ الفخمةَ التي تبدو كمدخلِ القلعةِ ، و اتجهتْ نحو طريقٍ غابويٍّ بجانبها.
هل سقطَ الثلجُ منذُ فترةٍ قصيرةٍ؟
كانَ صوتُ دهسِ الثلجِ المتراكمِ ممتعًا.
يبدو أنَّهُ طريقٌ لا يرتادُهُ الناسُ كثيرًا ، بما أنَّ آثارَ أقدامي و أقدامِ بيتي كانتِ الأولى.
‘أولُ ثلجٍ أدهسهُ!’
رسمُ آثارِ أقدامٍ جديدةٍ فوقَ الثلجِ الأبيضِ أمرٌ ممتعٌ دائمًا!
تبعتُ بيتي و أنا أبتسمُ بصمتٍ.
لكنَّ شعوري الجيدَ لم يدمْ طويلًا ، فالرياحُ الباردةُ التي هبّتْ كانتْ تكادُ تجرحُ وجنتيَّ ، حتى أنَّ ابتسامتي تجمدتْ.
لففتُ الشالَ حولَ كتفيَّ ، لكنَّهُ لم يكنْ كافيًا لصدِّ الرياحِ القارسةِ.
“يجبُ أن تعودي لارتداءِ الثيابِ التي تليقُ بكِ ، أليسَ كذلكَ؟”
قبلَ ركوبِ العربةِ ، أخذتني الـماركيزةُ بلانش جانبًا بعيدًا عن الأنظارِ بحجةِ مساعدتي في تبديلِ ملابسي.
ثُمَّ وضعتْ فستانَ الزفافِ الذي كنتُ أرتديهِ ، بالإضافةِ إلى الحذاءِ و المجوهراتِ ، داخلَ حقيبتِها.
و بعدَ ذلكَ ، ألقتْ إليَّ بفستانٍ قديمٍ و شالٍ صوفيٍّ مليءٍ بالوبرِ.
في ذلكَ الوقتِ ، لم أكنْ أعرفُ أينَ تقعُ قلعةُ الدوقِ ، لذا اعتبرتُ الأمرَ عاديًّا …
“أوووه ، بردٌ”
الجوُّ باردٌ جدًّا هنا!
أليسَ من القسوةِ إعطائي شالًا واحدًا فقط في هذا البردِ القارسِ؟
من المؤكدِ أنَّها كانتْ تعلمُ أنَّنا نتجهُ لمكانٍ باردٍ!
‘و معَ ذلكَ ، فإنَّ الابتعادَ عن الوالدينِ اللذينِ يكرهانني فورَ تجسدي هو حظٌّ رائعٌ حقًّا’
في الرواياتِ الأخرى ، يعاني الأبطالُ كثيرًا بسببِ عائلاتِهم.
مقارنةً بهم ، أنا محظوظةٌ.
فقد حصلتُ على تذكرةِ هروبٍ من الاضطهادِ بكلِّ معنى الكلمةِ.
“قد توجدُ أغصانٌ صغيرةٌ تحتَ قدميكِ ، لذا كوني حذرةً”
لقد خُصصتْ لي خادمةٌ لطيفةٌ رغمَ نبرتِها الجامدةِ.
و الطريقُ الصغيرُ الهادئُ كانَ يحملُ سحرَ الطبيعةِ و جمالَها.
ما السيء في ذلكَ!
مشيتُ لبضعِ دقائقَ حتى قالت—
“هذا هو المكانُ الذي ستُقيمينَ فيهِ يا سموَّكِ”
في نهايةِ الطريقِ ، كانَ هناكَ كوخٌ جميلٌ مصنوعٌ من جذوعِ الأشجارِ.
كانَ المكانُ يفيضُ بأجواءٍ ريفيّةٍ هادئةٍ ، و يتربعُ بسكونٍ تحتَ ضوءِ القمرِ الخافتِ.
‘مذهل’
العودةُ للريفِ فورَ التجسيدِ؟
حلمي البسيطُ الذي كنتُ أحلمُ بهِ و أنا أنقرُ على لوحةِ المفاتيحِ في المختبرِ قد تحققَ!
علاوةً على ذلكَ ، كانَ كوخًا جميلًا كأنَّه خرجَ من أفلامِ ‘غيبلي’ أو كتبِ الحكاياتِ.
كتمتُ رغبتي في القفزِ فرحًا كالأطفالِ و التفتُّ إلى بيتي.
لكنَّ بيتي قالتْ بوجهٍ مرتبكٍ لسببٍ ما—
“لقد انتهينا من تنظيفٍ بسيطٍ ، لكنَّ هذا الملحقَ كانَ مهجورًا لفترةٍ طويلةٍ ، لذا فهو ينقصهُ الكثيرُ لتستخدمَهُ آنسةٌ من عائلةِ الـماركيز …”
“عن ماذا تتحدثينَ؟ إنَّه منزلٌ جميلٌ حقًّا”
“… نعم؟”
“هل يوجدُ سريرٌ هناكَ أيضًا؟”
“معظمُ الأثاثِ متوفرٌ ، و لكن …”
“مثاليٌّ”
فأنا في الأصلِ مواطنةٌ بسيطةٌ.
شخصٌ يقتنعُ بالقليلِ و يشعرُ بسعادةٍ كبيرةٍ من الأشياءِ الصغيرةِ.
في الواقعِ ، كنتُ سعيدةً جدًّا بالوضعِ الحاليِّ.
عندما ابتسمتُ و أنا أنظرُ تارةً لبيتي و تارةً للكوخِ ، غدَتْ تعبيراتُ وجهِها غامضةً.
بدَتْ و كأنَّها تحاولُ معرفةَ ما إذا كانَ كلامي حقيقيًّا أم أنَّني أسخرُ منها ببراعةٍ.
يا إلهي ، لستُ شخصًا معقدًا إلى هذا الحدِّ!
بينما كنتُ أفتحُ بابَ الكوخِ بسعادةٍ—
“بيتي! بيتي! لقد وصلتْ تلكَ الآنسةُ! يقولُ الجميعُ إنَّها وصلتْ للتوِّ في عربةٍ فخمةٍ للغايةِ ، و قد تجاوزتْ بوابةَ القلعةِ للتوِّ …!”
“دورا ، اششش!”
دوى صوتٌ آخرُ من خلفِ ظهري.
التفتُّ لأرى خادمةً تبدو في عمرِ بيتي.
لم تكنْ تعلمُ بوجودي ، ففزعتْ و انحنتْ بظهرِها بشدةٍ.
“آااه! سموُّ الدوقةِ هنا أيضًا … أنا أعتذرُ!”
“تلكَ الآنسةُ؟”
هل تقصدني أنا؟
سألتُ بتعجبٍ ، فاحمرَّ وجهُ الخادمةِ و اضطربتْ.
هنا تدخلتْ بيتي.
رغمَ ملامحِ القلقِ على وجهِها ، إلا أنَّ نبرتَها كانتْ حازمةً.
“لا داعي لأن تشغلي بالكِ بهذا الأمرِ يا سموَّكِ”
“تلكَ الآنسةُ ليستْ أنا ، أليسَ كذلكَ؟”
“بالطبعِ لا ، بالطبعِ لا!”
فتحتْ بيتي عينيها على وسعهما و هي تؤكدُ براءتَها.
مـمـم ، فهمتُ. حسنًا!
أومأتُ برأسي ببساطةٍ و أكملتُ فتحَ البابِ.
بالفعلِ ، كما قالتِ الخادمةُ الأخرى ، لقد وصلت في عربةٍ فخمةٍ للغايةِ ، لذا من الواضحِ أنَّها ليستْ أنا.
‘لكنْ هل هناكَ سببٌ لمجيءِ آنسةٍ أخرى إلى هنا غيري؟ لا توجدُ مأدبةٌ حتى’
خطرَ لي هذا التساؤلُ للحظةٍ ، و لكن—
‘مهما يكن ، ليسَ من شأني. أريدُ الاستلقاءَ أولًا’
رغمَ أنَّني كنتُ مستلقيةً فوقَ القشِّ طوالَ الطريقِ ، إلا أنَّهُ لا شيءَ يضاهي السريرَ الحقيقيَّ!
بينما كنتُ أتأملُ داخلَ الكوخِ البسيطِ برضا و أهمُّ بالدخولِ-
“…”
لسببٍ ما ، وقفَتِ الخادمتانِ في الساحةِ كالمسمرتينِ بوجهينِ مذهولينِ.
سألتُ دونَ إخفاءِ دهشتي.
“ألم يكنْ لديكما أمرٌ عاجلٌ؟ اذهبا بسرعةٍ”
“سموُّ الدوقةِ. هل أنتِ غاضبةٌ منّا؟”
“عن ماذا تتحدثينَ؟”
منذُ قليلٍ و هاتانِ الخادمتانِ تقولانِ أشياءَ غيرَ مفهومةٍ.
في هذهِ الأثناءِ ، كنتُ أختلسُ النظرَ داخلَ الكوخِ.
يبدو أنَّ النارَ قد أُشعلتْ مسبقًا في غرفةِ الجلوسِ ، حيثُ كانَ الحطبُ يطقطقُ داخلَ المدفأةِ!
أردتُ الغوصَ في ذلكَ السلامِ التصويريِّ فورًا ، و لكن …
‘مـمـم ، الأولويةُ الآنَ هي إعادةُ هاتينِ النعجتينِ الخائفتينِ ، أليسَ كذلكَ؟’
يبدو أنَّهما ترتعبانِ من كلِّ ما أفعلهُ لأنَّني بالنسبةِ لهما صاحبةُ أعلى منصبٍ.
لا حاجةَ لذلكَ أبدًا.
حاولتُ أن أبتسمَ ابتسامةً غيرَ مؤذيةٍ قدرَ الإمكانِ و تحدثتُ مجددًا.
“لستُ غاضبةً. يبدو أنَّ لديكما أمرٌ عاجلٌ ، لذا اذهبا. و بلّغا تحياتي لتلكَ الآنسةِ التي ذكرتماها”
و لكنْ لسببٍ غريبٍ ، ازدادتْ وجوهُهما شحوبًا أكثرَ فأكثرَ.
التعليقات لهذا الفصل " 2"