فتحت الباب بتردد، ليواجهها وجهٌ غريب تكسوه ملامح الشؤم، تجمدت الكلمات في حنجرتها وكادت تغلق الباب رعباً، لولا صوت الرجل المستعجل:
“أنتِ ابنة السيد راين، أليس كذلك؟”.
قالت بنبرة مرتجفة:
“نـ.. نعم، أنا هي.. من أنت؟”.
أجابها وعلامات الأسى تملأ عينيه:
“أنا صديقه، جئت لأخبركِ أن والدكِ في المستشفى”.
قبل أن يتم جملته، شهقت ريشي شهقةً بترت أنفاسها، واغرورقت عيناها بدموع الفزع:
“ماذا؟ ماذا تقول؟”.
أمسك الرجل بكتفها ليهدئها:
“اسمعيني جيداً، تعرض والدكِ لذبحة صدرية مفاجئة، وهو الآن تحت الرعاية”.
لم تنتظر ريشي سماع المزيد؛ انتعلت حذاءها وهرعت معه والكون يدور من حولها.
في المستشفى، كان المشهد يمزق نياط القلب ويحبس الأنفاس برهبة الطب القديم.
رأته ممدداً على السرير الأبيض، شاحباً كقطعة رماد.
كان الطبيب ينحني فوق صدره مستخدماً سماعة طبية خشبية أسطوانية، يصغي بتركيز تام لنبضات قلبه الواهنة.
بينما يقف ممرض في الزاوية يراقب جهاز ‘المانوميتر’ البدائي المليء بالزئبق لقياس الضغط، وهو يصدر صريراً نحاسياً خافتاً.
كانت رائحة “الكلوروفورم” النفاذة تملأ الغرفة، والأطباء يتهامسون بوجوهٍ واجمة تراقب جهاز التلغراف القريب الذي كان يرسل إشاراتٍ متقطعة، كأنه عدّادٌ لزمنٍ يتسرب من بين أيديهم.
وقفت ريشي شاردة، عاجزة، كأن الزمن توقف بها عند تلك اللحظة الصادمة.
قطع ذهولها صوت صديق والدها وهو يهمس برفق:
“يا عزيزتي، لا تقلقي، هو بين أيدٍ أمينة الآن”.
أومأت برأسها، والدموع تنحدر كالسيل على وجنتيها، فسألها الرجل:
“والآن، كيف سنخبر السيدة مارتا؟”.
مسحت دموعها بكفّ مرتجفة:
“سأذهب إليها حالاً”.
طمأنها قائلاً:
“اذهبي، سأبقى أنا هنا، ولا تشغلي بالكِ بأي شيء، حتى تكاليف العلاج سأتدبرها”.
شكرته بامتنان وانطلقت تعدو.
كانت ترتدي فستاناً وردياً باهتاً، وشعرها الذهبي يتطاير خلفها بتمرد.
كان القصر يلوح في الأفق بفخامته الباردة، بعيداً عن ضجيج المدينة.
وصلت والجناح الخاص بالخدم يغلي بالحركة، والعرق يتسلل على وجهها الجميل.
ما إن رأت إحدى الخادمات ريشي حتى صاحت باسمها، لتلتفت مارتا بفزع:
“ريشي! يا حبيبتي، ما الذي أتى بكِ في هذا الهجير؟”.
لم تستطع ريشي الكلام؛ كانت أنفاسها تتقطع وصدرها يعلو ويهبط من شدة الركض.
اقتربت مارتا منها والوجل ينهش قلبها:
“ما الأمر يا ابنتي؟ تكلمي!”.
بين غصة وبكاء قالت:
“أمي.. يجب أن نغادر.. أبي في المستشفى”.
صرخت مارتا صرخة مكتومة:
“ماذا؟ كيف؟ أخبريني يا ريشي!”.
تحلق الخدم حولها يواسونها، بينما حاولت ريشي استجماع قوتها:
“لا تقلقي يا أمي، الطبيب قال إن حالته مستقرة.. دعينا نسرع إليه”.
في تلك الأثناء، كان “آريوس” يجلس في عربته الفارهة، غارقاً في أوراق تقاريره، حتى لمحت عيناه مارتا وريشي تغادران القصر بهيئة مضطربة.
تعجب للحظة، وحاول استعادة بروده المعتاد.
لكن صورة ريشي لم تفارق خياله؛ تلك الفتاة التي تشرق فتنةً حتى في أثوابها الرثة، تجذبه بقوة غير مفهومة تثير قلقه وتستفز كبرياءه.
نزل من العربة بخطوات واثقة، حيث استقبله الخدم بالتحايا الصامتة.
في الداخل، كانت والدته و”سيسيليا” تجلسان في ركن فاخر تحتسيان الشاي..
والدته بابتسامة هادئة :
“آريوس، لقد جئت في وقتك، كنا نناقش قائمة المدعوين لحفلة خطوبتك”.
تحدثت سيسيليا بدلال وهي تضع فنجانها:
“نعم يا آريوس، ولكن خطرت لي فكرة أروع.. ما رأيك لو أقمنا الحفلة في ‘الدفيئة الزجاجية’؟ سيكون المنظر ساحراً وسط النباتات الاستوائية”.
أجاب أريوس بنبرة باردة :
“افعلا ما بدا لكما.. لا يهمني لون الزهور ولا المكان، المهم أن ينتهي هذا الأمر”.
كان حديثهما عن الترف يبدو له أجوفاً..
بينما ظلت صورة ريشي الباكية، وهي تعدو تحت الشمس الحارقة بشعرها الذهبي المنثور، تطارده خلف جفونه وتنتزع منه أي شعور بالراحة.
التعليقات لهذا الفصل " 9"