كان الفجر لا يزال يغالب عتمة الليل حين استيقظت ريشي.
نسيم الصيف المبكر بدأ يتسلل من نافذتها، حاملاً معه رائحة العشب النديّ ونبضات قلبها المتسارعة.
اليوم هو بداية الامتحانات النهائية، والجو بدأ يميل للحرارة المنعشة التي تسبق اشتداد الصيف.
في المطبخ الصغير، كانت “مارتا” قد ارتدت مئزرها الأبيض النظيف، تتأكد من ترتيب سلالها قبل ذهابها اليومي للعمل في مطبخ القصر الدوقي.
أما “راين”، فقد جلس بهدوء يحتسي قهوته المرة .
“صباح الخير يا ريشي،”
قالت مارتا بنبرة حنونة وهي تضع طبقاً من البيض المقلي والخبز المحمص أمامها،
“كلي جيداً يا ابنتي، هذا أسبوعكِ الأهم.”
ابتسمت ريشي بجهد:
“شكراً أمي. هل ستذهبين الآن؟”
أومأت مارتا وهي تعدل غطاء رأسها:
“نعم، الدوقة إيزابيل طلبت تحضيرات خاصة لغداء اليوم بسبب الضيوف.”
غادرت مارتا المنزل، وبقي راين وريشي لوحدهما لثوانٍ معدودة.
“ركزي في أوراقكِ اليوم يا ريشي،”
تحدث راين بصوت هادئ..
“ولا تدعي أي شيء آخر يشتت انتباهكِ.. هل فهمتِ يا ابنتي ؟”
أومأت برأسها بصمت، وحملت حقيبتها لتخرج نحو الطريق الترابي الذي بدأ يتوهج بشمس الصباح.
عند المنعطف المعتاد، كانت إيميليا تقفز في مكانها بحماسها المعهود
بينما كانت أرنا تراجع بصوت منخفض قائمة من المصطلحات العلمية.
“ريشي! أخيراً!”
صاحت إيميليا وهي تلوح بيدها،
“أشعر أن عقلي سيذوب من الحرارة ومن القلق!”
ضحكت أرنا بوقارها المعتاد:
“لا تقلقي يا إيميليا، إذا تعثرتِ فقط انظري لجهة ريشي هدوءها وحده كفيل بترتيب المعلومات “
إبتسمت لهن ريشي ابتسامة هادئة.
سارت الفتيات الثلاث تحت ظلال أشجار البلوط التي بدأت تكتسي بخضرة الصيف الزاهية.
تحدثن عن أحلامهن بعد انتهاء الامتحانات، وعن النزهات التي سيقمن بها عند النهر..
كنّ يخططن لمستقبل يملؤه النور ، بينما هي تشعر بظلال الماضي تطاردها خلف كل منعطف.
بمجرد وصولهن إلى ساحة المدرسة الكبيرة، كان الجو مشحوناً.
الطلاب يتجمعون في حلقات صغيرة، والتوتر يكاد يُلمس باليد.
وفي المنتصف، كانت اريانا تتوسط حلقتها كملكة غير متوجة، تمسك بمروحة حريرية صغيرة وتنظر للجميع بتعالي.
ما إن رأت ريشي وصديقتيها حتى أغلقت مروحتها بضربة حادة، وقالت بصوت عالٍ:
“أوه، انظروا… هل تظنين يا ريشي أن الحظ سيحالفكِ مجدداً هذا العام؟”
تجاهلت ريشي الاستفزاز في البداية، لكن اريانا اقتربت أكثر، وتابعت بسخرية:
“لقد تدربتُ طوال الربيع مع أفضل الأساتذة. المركز الأول في قائمة المتفوقين النهائية لن يكون لـ ‘ابنة حداد’ بعد اليوم. اسمي سيوضع في أعلى اللوحة، وأنتِ ستعودين لمكانكِ الطبيعي.”
توقفت ريشي تماماً، والتفتت نحو اريانا بهدوء أذهل الجميع.
نظرت في عينيها وقالت بصوت واثق:
“المرتبة الأولى يا اريانا لا تُشترى بالمعلمين الخصوصيين، بل تُنال بالاستيعاب والكد. إذا كنتِ واثقة من تفوقكِ، فأثبتي ذلك على الورق، وليس في الساحات بالصراخ.”
اشتعل وجه اريانا غضباً وهمت بالرد، لكن جرس الامتحان رنّ معلناً البداية.
سارت ريشي نحو قاعة الاختبار بظهر مستقيم، بينما همست إيميليا بابتسامة نصر:
“أحسنتِ! لقد ألجمتِها تماماً.”
جلست ريشي خلف طاولة الخشبية القديمة.
استلمت ورقة الامتحان، وبدأت تكتب بإتقان.
كانت الأسئلة تنساب أمامها بسهولة، لكن مع اشتداد حرارة الشمس التي بدأت تضرب زجاج النافذة، بدأ ذلك الإحساس الغريب يعود.
بينما كانت تكتب عن “تاريخ السلالات الحاكمة”، شعرت وكأن الحبر على الورقة بدأ يتحول إلى صور.
الأسماء الملكية في الورقة بدأت تتردد في أذنيها بأصوات حقيقية..
( “سمو الأميرة..” ، “احذري يا ريشيليا !” )
ضغطت على جبهتها بقوة، وحاولت جاهدة إكمال السؤال الأخير.
بينما كانت اريانا في المقعد المقابل تراقبها بنظرة حاقدة.
التعليقات لهذا الفصل " 8"