بعدما جمعت سلتها الفارغة بيدين ترتجفان، واندفعت نحو الأبواب الجانبية المخصصة للخدم، متجاهلةً نداء إحدى الخادمات التي استوقفتها شحوب وجهها المفاجئ.
خرجت إلى فناء القصر، فلطم وجهها هواءٌ بارد، لكنه لم يكن ببرودة نظرات الدوق أريوس التي لا تزال تخترق ظهرها.
ركضت عبر الممر الشجري الطويل، ولم تتوقف حتى وصلت إلى منزلها.
دخلت ريشي وأوصدت الباب خلفها بقوة، وأسندت ظهرها إليه وهي تلتقط أنفاسها المتلاحقة بصعوبة.
كان المنزل يفوح برائحة خشب البلوط المحترق في الموقد، ممتزجةً بعبير الزيزفون المجفف وشذى الخبز الطازج الذي خبزته مارتا صباحاً.
كانت رائحةً مألوفة تشبه العناق، تُشعرها بالأمان الذي طالما لاذت به، لكن المكان اليوم بدا ضيقاً جداً أمام سيل الأسئلة التي بدأت تهاجم عقلها..
جلست على الأرض، وأخرجت القلادة من تحت ثوبها ببطء، وضعتها على كفها وتأملتها بعينين دامعتين، متسائلة:
“لماذا نظر إليها بتلك الطريقة؟”
“ما الذي رآه فيّ ولم ألحظه أنا طوال هذه السنوات؟”
تحسست بأصابعها الحروف المنقوشة
(R-E-S-H-I).
تذكرت حينها كلمات والدها بالتبني “راين” عن يوم وجدها أمام بابهم :
“كنتِ مبللة بدموعكِ والمطر، تحتضنين هذا الخيط الذهبي وكأنه حبل نجاتكِ الوحيد”.
أغمضت عينيها محاولةً استحضار أي ذكرى تسبق ضياعها في الغابة، لكن لم يأتِها سوى صداعٍ حاد.
فجأة، فُتح الباب، ودخل “راين”؛ الحداد ذو المنكبين العريضين والوجه الذي خطت عليه سنوات العمل تجاعيد الكد.
توقف مكانه بذهول حين رأى ريشي تجلس على الأرض والسلة محطمة بجانبها.
“ريشي ؟ ابنتي.. ماذا حدث ؟ ألم تذهبي لمساعدة مارتا في القصر؟”
رفعت رأسها إليه، وبدلاً من الإجابة، سألت بصوتٍ مبحوح:
“أبي.. أفمن سبيلٍ لإستعادة ذاكرتي يوماً ما ؟”
تغيرت ملامح راين فوراً؛ خفت بريق عينيه وحل محله قلق دفين.
اقترب منها وجثا على ركبتيه، مغطياً يدها الصغيرة بكفه الخشنة:
“لماذا تسألين هذا الآن يا ريشي ؟”
ترددت ريشي، ثم قالت بخفوت:
” لا شيء حقاً .. فقط أسأل يا أبي.”
ساد صمت ثقيل في الغرفة، لم يقطعه سوى نبضات قلب ريشي المتسارعة.
تنهد راين بعمق، ونظر نحو الباب بحذر وكأنه يخشى أن يتلصص عليهما أحد.
حاول طمأنتها بكلماتٍ خافتة، لكن ريشي لم تكن تسمعه تماماً..
فقد شعرت وكأن إبرةً محميةً بالنار غُرست في صدغيها.
انقبضت تقاطيع وجهها، وأغمضت عينيها بشدة وهي تضغط على جبهتها.
“ريشي ؟ هل أنتِ بخير ؟ وجهكِ أصبح شاحباً كالجص !”
سألها راين بقلق وهو يضع يده على كتفها.
ابتلعت ريقها بصعوبة، وحاولت رسم ابتسامة باهتة ومزيفة على شفتيها المرتجفتين.
ثم استجمعت قواها وقالت بصوتٍ حاولت جاهدةً جعله ثابتاً:
“أنا بخير يا أبي.. لا بد أنه مجرد إرهاق من الشمس، والارتباك الذي أصابني في القصر.”
نهضت ببطء مستندةً إلى الجدار، بينما كان الصداع ينبض خلف عينيها بإيقاعٍ وحشي.
في تلك اللحظة، ومع كل نبضة ألم، كان يمرُّ طيفٌ خاطف أمام بصيرتها..
صورة مشوشة لم تستطع تمييزها.
هزت رأسها بعنف لتطرد تلك الصور؛ فلم تكن تريد فتح باب الماضي، ففي كل مرة يهاجمها هذا الصداع، تشعر وكأن كياناً غريباً يحاول انتزاعها من حياتها الهادئة
“سأذهب لأرتاح قليلاً قبل أن تعود أمي،”
تمتمت وهي تتجه نحو غرفتها الصغيرة.
وبمجرد أن أغلقت الباب، انهار جسدها على السرير.
لم تكن الغرفة مظلمة تماماً، لكن الألم جعل العالم يدور من حولها.
أمسكت قلادتها بقرارٍ حاسم، نزعتها ووضعتها في صندوق صغير خبأته في عمق الأرضية تحت السرير.
كان هذا في نظرها القرار الأكثر صواباً لحمايتها.
على الجانب الآخر، انعكس ضوء الشموع على وجوه الحاضرين في قاعة المآدب الملكية.
كان الجو مشحوناً بهيبةٍ طاغية؛ فاجتماع الأميرة إيزابيل وشقيقتها الأميرة كاترينا يعني أن قراراتٍ مصيرية تُطبخ خلف كؤوس الكريستال.
كانت سيسيليا تبدو كلوحة فنية فريدة؛ فهي ابنة الماركيز وأميرة بدمائها، تجلس بظهرٍ مستقيم تماماً يبرز أناقة ثوبها الحريري.
كانت ترمق أريوس بنظراتٍ واثقة، فهي تدرك أن هذا الزواج هو “الصفقة المثالية” التي ينتظرها الجميع.
وضع الدوق ماكسيموس كأسه جانباً، وقال بنبرةٍ تحمل ثقل السنين والسلطة:
“لقد ناقشتُ مع الماركيز في العاصمة تفاصيل تأمين الحدود الجنوبية.. واتفقنا أن اتحاد عائلتينا هو الضمان الوحيد لاستقرار الإمبراطورية.”
ابتسمت الأميرة كاترينا، وهي تميل نحو شقيقتها إيزابيل:
“سيسيليا متحمسة جداً لهذا الاتحاد، لقد رفضتْ عروضاً من دوقياتٍ أخرى فقط لتكون هنا، أليس كذلك عزيزتي؟”
أجابت سيسيليا بصوتٍ ناعم كالحرير، لكنه لا يفتقر لحدة النصل:
“بالطبع يا أمي. أريوس ليس مجرد دوق وابن خالة، إنه الفارس الذي يحمي العرش.. وأنا أرغب بشدة في أن أكون شريكته.”
كان أريوس يراقبها ببرودٍ جليدي.
في المعتاد، كان سيتقبل هذا المديح كجزء من بروتوكولات واجباته المملة، لكنه اليوم شعر بنفورٍ غريب.
كلما نظرت إليه سيسيليا بعينيها الزرقاوين الباردتين، تذكر تلك العينين اللتين رآهما في الممر..
العينين اللتين تفيضان بالحياة، بالخوف، وبالصدق.
اكتفى بنظرة باردة صامتة، فشحب وجه سيسيليا قليلاً، بينما تبادلت إيزابيل وكاترينا نظراتٍ قلقة.
تدخلت الأميرة إيزابيل لإنقاذ الموقف بابتسامة ديبلوماسية:
“سيسيليا، لا بد أنكِ متعبة من عناء السفر، غداً سنصطحبكِ في جولة داخل أرجاء القصر.”
بينما كان الخدم يرفعون الأطباق، اقتربت سيسيليا من أريوس وهمست له والجميع منشغلون:
“تبدو مشتتاً الليلة يا أريوس.. هل هناك ما يزعجك؟”
نظر إليها أريوس بجمود وردّ بكلماتٍ مقتضبة:
“لا.. لا شيء.”
لم يرق لها رده الجاف، لكنها ابتلعت غضبها وتظاهرت بالهدوء مستمرةً في حديثها.
بينما ظل عقل أريوس عالقاً في ذلك الممر الجانبي.
التعليقات لهذا الفصل " 7"