تداخلت فيها أصوات الضحكات في صالونات الشاي مع صهيل الخيل في الميادين المفتوحة.
لم تعد ريشيليا تلك الأميرة التي تتهيب الخطوات.
بل أصبحت مزيجاً ساحراً من الرقة الفالدورية والحزم الإمبراطوري.
لم يعد ركوب الخيل بالنسبة لريشيليا مجرد “درس” يجب إتمامه.
بل صار لحظة تحرر و انطلاق.
بعد أشهر من الممارسة اليومية الصارمة.
تبدلت نظرات المعلم الملكي من القلق والحرص الزائد إلى الإعجاب الصامت.
كانت ريشيليا تمتطي صهوة “رعد” بخفة مذهلة ، وكأنهما جسد واحد.
لم تعد بحاجة لإصدار الأوامر بصوت عالٍ.
بل كان يكفي ميل بسيط بجسدها أو لمسة رقيقة بزمام الأمور ليفهم الجواد الأسود مقصدها.
كانت تعدو به في الميدان الفسيح، وشعرها الذهبي يتطاير خلفها كوشاح من النور.
بينما تلمع ملامحها بـثقة بالغة أذهلت كل من رآها.
قال المعلم الملكي وهو يراقبها تقفز فوق أحد الحواجز الخشبية بسلاسة:
“سمو الأميرة.. لقد تجاوزتِ مرحلة التعلم. أنتِ الآن تملكين روح الخيالة. سمو الدوق لن يجد زوجة فحسب، بل سيجد فارسة تقاسمه عنفوان أريندور.”
ما إن تترجل ريشيليا عن “رعد” وتغتسل من عناء التدريب ، حتى تجد سيرافينيا بانتظارها.
محاطة بجيش من المصممين وكتالوجات الموضة التي لا تنتهي.
كانت الجلسات مع الصديقات قد تحولت إلى خلية نحل اجتماعية
حيث كانت سيرافينيا تضفي على كل اجتماع نكهة من المرح والخبرة الإمبراطورية.
قالت سيرافينيا وهي تضع حذاءً مرصعاً باللؤلؤ أمام ريشيليا:
“انظري لهذا يا ريشي ! صُمم خصيصاً لتمشي به في ‘ساحة المرايا’ بأريندور. تخيلي وقع خطواتكِ فوق الرخام بينما يراقبكِ الجميع بذهول. لقد أرسلتُ لآريوس أخبره أن يستعد، لأن الدوقة القادمة لن تكتفي بحكم قلبه، بل ستخطف أنفاس مدينته بالكامل!”
ضحكت الصديقات اللواتي اعتدن على زيارة الجناح الملكي يومياً.
وقالت إحداهن بإعجاب:
“لم نعد نرى فيكِ تلك الأميرة الهادئة فقط يا سموك. الطريقة التي تتحدثين بها عن أريندور، وكيف تصفين لنا شوارعها ومهرجاناتها، جعلتنا جميعاً نتمنى لو نرافقكِ في هذا الموكب.”
كانت ريشيليا تدير هذه الحوارات بذكاء.
تارةً تمازح سيرافينيا على مبالغاتها
وتارةً تشرح لصديقاتها كيف ستكون أريندور وجهة سياحية وثقافية تفتح أبوابها للجميع.
كانت تستخدم “غصن الياسمين الفضي” في شعرها كأيقونة دائمة
تذكرها وتذكرهم بأن كل هذا الاستعداد هو لأجل ذلك الموطن الذي ينتظرها خلف الجبال.
أشرقت شمس ذلك الصباح التاريخي على فالدوريا بلونٍ ذهبي دافئ.
اصطف الحرس الملكي بزيّهم القرمزي المهيب.
واستعد الموكب الضخم الذي سيضم الإمبراطور والإمبراطورة، والدوق الأكبر الكسندر وزوجته.
و سيرافينيا التي لا تكف عن مراجعة حقائبها الأخيرة.
كان الجميع في حالة من التأهب ، إلا أن زاوية واحدة في ساحة القصر.
شهدت ؛ لحظة الوداع بين ريشيليا وشقيقها ولي العهد ، كايلوس.
الذي سيبقى وحيداً ليحمل أمانة العرش في غياب والده.
تقدم نحوها بخطى ثابتة ، لكن عينيه كانتا تلمعان بفخرٍ ممزوج بغصة فراق لا تُخفى.
أمسك يديها وقال بصوتٍ حاول جعله مرحاً ليشجعها:
“ريشيليا.. دوقية أريندور محظوظة بقدومكِ ، وأنا واثق أنكِ ستجعلين من تلك الدوقية جنة تضاهي فالدوريا. لا تقلقي ، سأدير الأمور هنا بصرامة حتى تعودي لزيارتنا كدوقة مهابة، وأعدكِ أنني سأكون أول الزائرين لكِ في موطنكِ الجديد.”
ثم ، وبحركة مفاجئة ، أخرج علبة مخملية صغيرة.
عندما فتحها ، انبهر الجميع وساد صمتٌ مطبق.
كانت قلادة على شكل قلب ، لكنها لم تكن عادية.
لقد صُنعت من حجرٍ كريم نادر يمزج ببراعة فائقة بين الأزرق الصافي و الأخضر الزمردي.
كان تداخل الألوان فيها انسيابياً كأنه عناق بين بحرٍ وغابة، يخطف الأنفاس بجماله الفريد.
شهقت ريشيليا بذهول وهي تلمس الحجر بأطراف أصابعها:
“إنها.. إنها أجمل ما رأيت في حياتي ! كيف استطعت دمج الألوان بهذا الشكل يا كايلوس ؟”
جذبها إليه وعانقها بقوة هزت كيانها، وهمس في أذنها بكلمات لم يسمعها غيرها:
“هذه الألوان هي اتحاد روحين يا ريشي.. وهذه القلادة، برغم جمالها ، لا تساوي شيئاً أمام قيمتكِ في قلبي. تذكري دائماً أن لكِ سنداً هنا لا يكسره غياب المسافات.”
مسحت ريشيليا دمعة تمردت على جفنيها، وابتسمت له بامتنان عميق
بينما قام هو بتعليق القلادة حول عنقها، لتستقر فوق صدرها.
التفتت ريشيليا نحو العربة الملكية، حيث كانت سيرافينيا تلوح لها بحماس.
صعدت العربة الملكية..
أدركت ريشيليا أن الرحلة نحو “مدينة أريندور” قد بدأت فعلياً.
تحرك الموكب الملكي المهيب، مخلفاً وراءه أسوار فالدوريا التي بدأت تتضاءل في الأفق.
كانت العربة الملكية المبطنة بالحرير تضم ريشيليا وسيرافينا.
بينما يتقدم الحرس الملكي بزيّهم الرسمي وخيولهم المطهمة.
مما جعل القافلة تبدو كتنين ذهبي يشق طريقه عبر السهول الخضراء.
مع مرور الأيام وتوغل الموكب نحو الشمال ، بدأت الطبيعة تغير رداءها.
تلاشت حقول الياسمين والكرز الرقيقة في فالدوريا.
لتحل محلها غابات الصنوبر الشاهقة والمنحدرات الصخرية التي تكتسي بالخضرة.
كانت ريشيليا تجلس بجانب النافذة، يدها تلامس القلادة التي أهداها إياها شقيقها.
تشعر ببرودة الحجر الأزرق والأخضر الذي يتدلى فوق صدرها.
وكأن ألوان عينيها وعيني آريوس تندمج مع ألوان الطبيعة المتغيرة خارج النافذة.
قالت سيرافينا وهي تشير بحماس نحو الأفق البعيد:
“انظري يا ريشي ! تلك القمم المكللة بالبياض هي حارسات ، حدود ‘إمبراطورية سولاريس ‘. هل تشعرين بنقاء الهواء ؟ إنه يزداد حدة وانتعاشاً كلما اقتربنا .”
ابتسمت ريشيليا وهي تستنشق الهواء الذي بدأ يمتزج برائحة المطر.
وأجابت بنبرة واثقة:
“إنه هواء مختلف فعلاً، لم أعد أشعر بالخوف يا سيرا، بل أشعر وكأن هذا الوطن وطني الأم .”
ضحكت سيرافينا وهي تفتح مروحتها اليدوية:
“انتظري حتى تري ‘ البوابة العملاقة ‘ التي تفصل الدوقية عن بقية الإمبراطورية. كاي كتب لي في رسالته الأخيرة أن الميدان الكبير في أريندور قد فُرش بالزهور، وأن النافورة الكبرى ستُطلق مياهها الملونة لحظة وصولكِ. و آريوس لم ينم منذ ثلاثة أيام وهو يشرف على تدريبات الحرس الاستقبالي بنفسه!”
بينما كانت العربة تهتز بخفة فوق الطرق الحجرية المتقنة.
بدأت تظهر طلائع “فرسان أريندور” بزيّهم الفضي اللامع وعباءاتهم السوداء
جاءوا لاستقبال الوفد الملكي على الحدود الرسمية للدوقية.
ترجل القائد وانحنى بوقار أمام العربة الملكية، معلناً بصوت جهوري:
“باسم إمبراطورية سولاريس و دوقية أريندور ، نرحب بـأميرة فالدوريا ودوقة أريندور القادمة. الطريق ممهد، والمدينة تنتظر سيدتها.”
نظرت ريشيليا من النافذة، لتلمح بعيداً خلف المنحدر الأخير.
أنوار مدينة أريندور وهي تلمع تحت شمس الغروب كأنها قطعة من الماس
استقرت بين أحضان الجبال والشلالات.
كان القصر الدوقي الشاهق يلوح في الأفق كحارسٍ أسطوري.
وبدأت أصوات الأجراس البعيدة تُسمع ، معلنةً بدء المراسم الكبرى.
✨ انضم إلى المجتمع – منتديات الموقع
عالم الأنمي
عـام
منتدى يجمع عشاق الأنمي من كل مكان!
شاركنا انطباعاتك، ناقش الحلقات والمواسم الجديدة، تابع آخر الأخبار، وشارك اقتراحاتك لأفضل الأنميات التي تستحق المشاهدة.
سواء كنت من محبي الشونين، الرومانسية فهذا القسم هو موطنك!
منتدى يجمع عشّاق المانهوا في مكان واحد، من محبي القراءة إلى المترجمين والمهتمين بآخر التحديثات.
هنا نناقش الفصول، نتابع الأخبار ، نشارك التسريبات، ونوصي بأفضل الأعمال...
منتدى مخصص لمحبي الروايات ، سواء المؤلفة بأقلام عربية مبدعة أو المترجمة من مختلف اللغات.
هنا نشارك الروايات الأصلية، نناقش الفصول، نتابع التحديثات، ونتبادل التوصيات...
التعليقات لهذا الفصل " 56"