بينما كان الحرس الملكي يحيطون بالعربة كجدارٍ فولاذي من الدروع والسيوف.
لضمان حماية أميرتهم وسط هذا الحماس الجارف.
راقب آريوس هذا المشهد بذهول وإعجاب شديد.
رأى كيف تلمع عيون الناس بالدموع والفرح لمجرد رؤية وجه ريشيليا.
و رأى نبلها وهي تبادلهم الحب بالتواضع.
في تلك اللحظة ، شعر آريوس أن حبه لها قد تعمق جذوره أكثر ؛ فهي ليست مجرد أميرة..
بل هي روحٌ تسكن قلوب أمة بأكملها.
عندما وصل الموكب إلى ساحة القصر الإمبراطوري المهيبة ، كان المشهد يفوق الوصف.
القصر بأسواره العالية وأبراجه التي تعانق السحاب كان مزيناً بأعلام فالدوريا الخضراء والذهبية.
لم يستطع الإمبراطور ، بوقاره وصرامته المعروفة.
أن يحافظ على بروتوكول الانتظار داخل القاعة.
وقف عند مدخل الدرج العظيم، وعيناه مسمرتان على باب العربة.
و بجانبه كانت الإمبراطورة التي لم تستطع الصبر أكثر منذ سماع خبر اقتراب الموكب.
تمسك بمنديلها وتترقب رؤية صغيرتها.
نزلت ريشيليا من العربة ، وبمجرد أن رأت والديها، نسيت كل قواعد الإتيكيت الملكي.
و ارتمت في أحضان والدها الإمبراطور الذي ضمها بقوة وكأنه يريد أن يتأكد أنها ليست سراباً.
همس بصوتٍ مخنوق:
“لقد عادت ابنتي.. عاد نور فالدوريا.”
ثم احتضنتها والدتها بلهفة و حنان ، وهي تقبل جبينها مراراً وتكراراً.
بينما كان أخوها يقف بجانبهما والابتسامة لا تفارق وجهه.
يترقب دوره ليعانق أخته ، كان إشتياقهم لها لا يُوصف.
بعد لحظات العناق العائلية ، التفت الإمبراطور نحو آريوس الذي كان يقف بوقار واحترام خلف ريشيليا.
تقدم الإمبراطور ووضع يده على كتف آريوس بتقديرٍ عالٍ وقال:
“دوق اريندور الشاب ، أهلاً بك في بيتك الثاني لك منا كل المودة و التقدير.”
رد آريوس بإيماءة نبيلة وصوت واثق:
“جلالة الإمبراطور، شرفٌ لي أن أكون جزءاً منكم.”
استقبلت الإمبراطورة آريوس بترحيبٍ حار وحفاوة كبيرة، معتبرةً إياه فرداً من العائلة .
دخل الجميع إلى ردهات القصر الفاخرة، حيث كانت الموائد قد أُعدت والخدم يصطفون للترحيب.
كانت أجواء العشاء الملكي مهيبة تليق بعودة “زمردة فالدوريا”.
حيث اجتمعت العائلة حول مائدة مرصعة بالفضة والخزف النادر.
ساد الهدوء الذي تقطعه الأحاديث عن الرحلة.
و كان الدوق الأكبر وزوجته يتبادلان نظرات الرضا وهما يريان ريشيليا تتوسط والديها بفرحة غامرة.
لكن في لحظةٍ ما، ساد صمتٌ مفاجئ حين وقف آريوس بوقارٍ شديد.
واضعاً يده على صدره ، ونظر إلى الإمبراطور بعينين يملؤهما العزم الممزوج بالرهبة.
و نطق بالكلمات التي كانت تجول في خاطره طوال الطريق:
“جلالة الإمبراطور.. بقلبٍ مخلص ، و بكل ما أحمله من احترام لهذا العرش، جئتُ اليوم لا أطلب جاهاً ، بل أطلب القرب من عائلتكم.. أطلب يد الأميرة ريشيليا لتكون شريكة حياتي.”
تجمدت حركة الأيدي فوق المائدة.
نظر الإمبراطور إلى آريوس بصمتٍ عميق ، وكان عقله يصارع مشاعر الأبوة.
فابنته لم تعد إليهم إلا منذ أشهر قليلة..
فكيف يفرط بها الآن وهو الذي لم يشبع من رؤية وجهها بعد؟
بدت ملامحه صارمة ، يغلفها ترددٌ واضح.
أما الإمبراطورة ، فقد وضعت منديلها فوق فمها بقلق.
وعيناها تنتقلان بين ريشيليا وآريوس ، تشعر بذات الغصة التي يشعر بها زوجها.
بدت علامات الارتباك واضحة على آريوس..
شحب وجهه قليلاً وهو ينتظر الرد، وخشي أن يكون طلبه قد جاء في وقتٍ يراه الملك “جشعاً” أو استعجالاً.
قطع ولي العهد هذا الصمت الثقيل بصوته الحكيم:
“والدي.. والدتي.. لقد أصبحت ريشيليا أميرة ناضجة تملك حق تقرير مصيرها. إذا كانت موافقة ، فمن واجبنا أن نحترم رغبة قلبها ، فهي التي عانت طويلاً وتستحق السعادة.”
التفتت الأنظار كلها نحو ريشيليا.
شعرت بحرارة تسري في وجنتيها خجلاً من الموقف العلني.
لكنها حين لمحت نظرة الخوف في عيني آريوس ، والارتباك الذي كاد يفقده ثباته.
أدركت أنها لا تريد خسارته أبداً.
خفضت رأسها قليلاً ثم رفعته بابتسامة رقيقة وصوتٍ واثق:
“والدي العزيز.. لقد واجهتُ الكثير من العواصف ، وكان الدوق آريوس دائماً هو المرفأ الذي أشعر فيه بالأمان. إن كان لي أن أختار مستقبلي ، فإني أختاره بجانبه كشريك.”
ذهل الإمبراطور والإمبراطورة في البداية..
لم يتوقعا أن تكون إجابة ابنتهما بهذه السرعة والحسم.
لكنهما حين نظرا إلى “شرارة الحب” المتبادلة بين الشابين..
وكيف تنفس آريوس الصعداء وكأن روحاً ردت إليه ، ذابت قسوة التردد في قلبيهما.
ابتسم الإمبراطور أخيراً ، ونهض من مقعده ليقترب من آريوس ، واضعاً يده على كتفه بتقدير:
“لقد كنتُ أريد احتجازها لنفسي لسنوات أخرى تعويضاً عما فات.. لكنني أرى في عينيك صدقاً لا يمكنني رده. الدوق آريوس.. حافظ على ابنتي ، فهي أغلى ما تملك فالدوريا.”
هتفت الإمبراطورة بدموع الفرح وهي تعانق ريشيليا:
“مبارك لكِ يا حبيبتي.. الدوق آريوس نبلُه يشبه نُبلكِ ، وأنتما تليقان ببعضكما.”
صاح ولي العهد مهنئاً ب حماس:
“مبارك لكما! ستكون فالدوريا شاهدة على أجمل زواج ملكي في تاريخها!”
غمرت السعادة وجه ريشيليا وهي تنظر إلى آريوس.
الذي بدت عليه علامات الفرح الغامر والراحة ، وكأنه ملك العالم بأسره في تلك اللحظة.
كانت القاعة تضج بالتهاني ، تأخذ طابعاً من البهجة لم يسبق له مثيل.
التعليقات لهذا الفصل " 47"