حزن الفراق ، ورهبة العودة ، وشوق جارف لـ “فالدوريا” وعائلتها الملكية التي غابت عنهم لفترة.
من شرفة جناحه المطلة على الحديقة ، لمح آريوس ذلك الخيال الرقيق.
لم يتردد ثانية واحدة ؛ وضع معطفه على كتفيه ونزل إليها بهدوء.
التقت نظراتهما تحت ضوء القمر، ولم تعد هناك حاجة لانحناءات رسمية أو كلمات مرتبكة.
فقد ذاب الجليد بينهما.
سارا معاً في الممرات الرملية للحديقة.
حتى استقرا على مقعد خشبي قديم تحت شجرة صفصاف عملاقة.
كسر آريوس الصمت بصوته الهادئ:
“لم تستطيعي النوم ؟ يبدو أن هدوء الملحق الليلة أثقل من أن يُحتمل.”
ابتسمت ريشيليا ونظرت إلى السماء:
“بل هو التفكير يا آريوس. غداً سأترك هذا المكان.. سأترك مارتا وراين ، سأترك الذكريات التي صنعتني. أشعر وكأنني أنزع جزءاً من روحي وأتركه هنا.”
ثم التفتت إليه وعيناها تلمعان ببريق القمر:
“لكنني في الوقت ذاته ، أشتاق لوالدي.. لأخي.. أنا تائهة بين بيتين ، و بين هويتين.”
وضع آريوس يده ب رفق فوق يدها، وكانت لمسته هذه المرة تبعث على الأمان المطلق:
“لا بأس بأن تكوني تائهة الآن. غداً سأكون معكِ في رحلتكِ و لن اترككِ.”
ساد صمت مريح ، ثم تذكرت ريشيليا أمراً كان يؤرق بالها خلف تلك الابتسامات الرقيقة.
نظرت إلى آريوس ب تساؤل:
“آريوس.. ماذا عن سيسيليا ؟ هل هي بخير ؟ كنتُ أخشى دائماً أن يكون عودتي أو هذا التحالف قد سرق منها سعادتها أو أحلامها.”
ابتسم آريوس ابتسامة مطمئنة ، وهز رأسه نفياً:
“أردتُ إخباركِ بهذا في وقت أنسب، لكن يبدو أن قلبكِ لا يهدأ حتى يطمئن على الجميع. سيسيليا وجدت طريقها يا ريشي. الأمير ليو قد تقدم لخطبتها رسمياً، وهما سيتزوجان قريباً. هي ليست حزينة، بل هي في قمة سعادتها الآن.”
تنفس ريشيليا الصعداء ، وشعرت بحمل ثقيل يزاح عن كاهلها.
همست براحة:
“الحمد لله.. كنتُ أخشى أن أبني سعادتي على أنقاض سعادة غيري. الآن فقط يمكنني أن أرحل بقلب مطمئن.”
استندت ريشيليا برأسها قليلاً نحو الخلف ، وقالت بنبرة ناعسة:
“شكراً لك يا آريوس.. ليس فقط لأنك سترافقني غداً، بل لأنك جعلت هذه الأيام الثلاثة أجمل وداع يمكنني الحصول عليه.”
رد آريوس وهو ينظر إلى الأفق حيث ستبزغ شمس الرحيل:
“هذه ليست النهاية يا أميرة فالدوريا.. بل هي مجرد بداية لقصة سنكتبها معاً في هذا القصر.”
بقيا جالسين هكذا لفترة ، يراقبان القمر..
في لحظة سكون سبقت ضجيج المواكب الملكية التي كانت بانتظار ريشيليا عند الفجر.
أشرقت شمس يوم الرحيل ، وكانت الأجواء في “ملحق أريندور” مفعمة بمزيج من القدسية والشجن.
داخل ردهة الملحق الدافئة ، وقفت ريشيليا أمام مارتا وراين.
عانقت مارتا طويلاً ، وشعرت برعشة يدي والدتها وهي تمسح على ظهرها للمرة الأخيرة كابنة تسكن تحت سقفها.
قالت مارتا بصوت متهدج:
“يا ابنتي.. اذهبي ، ودعواتي تسبق خُطاكِ.”
أما راين ، فقد وضع يده الثقيلة على كتفها بوقار الأب الفخور، وهمس لها:
“ريشي .. نحن هنا بخير ، طالما أنكِ بخير.”
ودعتهما ريشيليا بدموع صامتة ، ثم صعدت العربة الملكية التي ستنقلها إلى القصر الرئيسي لدوقية أريندور.
حيث كان الجميع بانتظارها للمغادرة الرسمية.
أمام مدخل القصر المهيب ، كان الدوق والدوقة إيزابيل يقفان بزيّهما الرسمي الكامل.
تغيرت نظرة الدوقة تماماً ؛ لم تعد ترى في ريشيليا “الفتاة مجهولة النسب”.
بل رأت فيها الأميرة التي ستُعلي شأن عائلتهم.
اقتربت الدوقة إيزابيل من ريشيليا، وأمسكت يديها برقة غير معهودة.
و قالت بابتسامة دافئة:
“سمو الأميرة ريشيليا.. لقد أسرتِ قلوبنا بنبلكِ قبل لقبكِ. يسعدني جداً أنكِ ستصبحين قريباً ابنتنا وكنّتنا التي سنفتخر بها أمام العالم.”
أما الدوق ، فقد ابتسم بوقار وقال بنبرة حازمة ومطمئنة:
“سافري بسلام يا سمو الأميرة . لن يطول غيابنا عنكِ ؛ سألحق أنا و إيزابيل بكِ إلى فالدوريا بعد فترة وجيزة لطلب يدكِ رسمياً من الإمبراطور وإتمام تنسيقات الزفاف الملكي الذي يليق بكِ وبآريوس.”
تحرك الموكب نحو العاصمة ، وعند وصول ريشيليا إلى القصر الإمبراطوري ، كان الاستقبال مهيباً.
التقت بـ سيرافينيا ، عانقتها بحرارة ووعدتها بزيارات متبادلة لا تنقطع بين الإمبراطوريتين.
كما ودعت الإمبراطور والإمبراطورة اللذين نظرا إليها بفخر واعتزاز.
كجوهرة استعادت بريقها وضمنت تحالفاً تاريخياً.
قالت سيرافينيا وهي تودعها عند بوابة العربة الملكية:
“فالدوريا محظوظة بعودتكِ يا ريشي.. كوني سعيدة يا عزيزتي ، فأنتِ تستحقين كل الحب.”
اصطفت العربات الملكية التابعة لفالدوريا بقيادة الدوق الأكبر وزوجته
صعدت ريشيليا إلى العربة الملكية الفاخرة المبطنة بالحرير الزمردي
ولم تكن وحيدة ؛ فقد صعد آريوس ليجلس بجانبها، مرافقاً لها في رحلتها الطويلة نحو موطنها الأصلي.
عندما تحركت العربة ، نظرت ريشيليا من النافذة لترى معالم الإمبراطورية تتلاشى خلفها.
شعرت بيد آريوس تمسك يدها بقوة، وهو يقول بصوته الرخيم:
” ريشي ، سأكون بجانبكِ دائماً ، لا تقلقي .”
ابتسمت ريشيليا وهي تشعر بالأمان ؛ فالمستقبل الذي كان يبدو ضبابياً
بات الآن مشرقاً كشمس فالدوريا التي تنتظرها خلف الجبال.
التعليقات لهذا الفصل " 46"