“يا ابنتي، هل نمتِ جيداً ؟ خشيتُ أن تكوني قد اعتدتِ وسائد الريش في فالدوريا ولم يعد هذا الفراش الخشن يريحكِ.”
ضحكت ريشيليا برقة وأمسكت يد مارتا:
“يا أمي، لم أذق طعم النوم بعمق كما ذقته البارحة. الجدران هنا تشبه حضنكِ، تحميني من ضجيج العالم ومن ثقل التاج الذي لا يغادر رأسي حتى وأنا نائمة.”
أجاب راين بنبرة حانية وهو ينظر لملامحها الصافية:
“لقد كبرتِ يا ريشي.. وأصبحتِ أجمل مما كانت تتخيله أحلامنا. لكن قلبي لا يزال يراكِ تلك الفتاة الصغيرة التي كانت تختبئ خلفي حين يشتد الرعد.”
استمرت الحوارات العائلية العفوية، يتذكرون نوادر الماضي وكيف كانت ريشيليا تتعثر في مئزرها الطويل
بينما كانت هي تستمع بقلبٍ ممتن، مدركةً أن هؤلاء هم “عائلتها” الثانية.
قطع هذا الهدوء الجميل صوت طرقات خفيفة وواثقة على الباب.
انفتح الباب ليطل منه آريوس، مرتدياً ثياباً غير رسمية لكنها تفيض بالرقي.
وبدت على وجهه ملامح الراحة حين رأى ريشيليا وسط والديها.
حيا آريوس بخفة احتراماً لمارتا وراين
ثم وجه نظره لريشيليا التي كانت عيناها تلمعان ببريق الصباح:
“يبدو أنني جئتُ متأخراً عن أشهى فطور .”
ابتسمت ريشيليا وهي تقف لاستقباله:
“لقد فاتك الكثير يا سيادة الدوق.”
اقترب آريوس خطوة، وقال بنبرة هادئة تحمل رجاءً خفياً:
“سمو الأميرة.. هل تسمحين لي بأن أسرقكِ لبعض الوقت؟ المدينة اليوم تضج بالحياة، وأود أن نتمشى معاً في أزقتها.. ليس كدوق وأميرة، بل كصديقين يستكشفان العالم معاً .”
التفتت ريشيليا نحو مارتا وراين، فأومأ لها راين بابتسامة مشجعة
بينما قالت مارتا ب حماس خفي:
“اذهبي يا ابنتي، تنفسي هواء المدينة الذي اشتقتِ إليه.”
خرجت ريشيليا من الملحق، وقد استبدلت تاجها بقلنسوة بسيطة
لكن ملامحها كانت تشع بصفاءٍ لا تخطئه العين.
كان آريوس ينتظرها عند العربة الخشبية الصغيرة، وقد تخفف من عباءة الدوق الرسمية
وبدت عليه حماسة صبيٍ يكتشف العالم لأول مرة.
ركبا العربة بعيداً عن عيون الحرس، وما إن وصلا إلى مشارف المدينة حتى اختلطا بالناس.
استنشقت ريشيليا رائحة الخبز الساخن الممزوجة بعبير الياسمين في الطرقات
وقالت وهي تبتسم لآريوس:
“أتعلم ؟ كنتُ أسمع ضجيج هذا السوق من بعيد يبدو لي ك لحن جميل.”
ضحك آريوس وهو يفسح لها الطريق وسط المارة ب رفق:
“بل أنتِ اللحن كله يا ريشيليا. انظري حولكِ، المدينة تبدو أجمل لأنكِ ترينها بعينيكِ.”
توقفا عند ساحة صغيرة، حيث كان الأطفال يركضون خلف طائرة ورقية ملونة علقت بأغصان شجرة عتيقة.
دون تفكير، تقدم آريوس ب خفة الفرسان، ورفع أحد الأطفال على كتفه ليطال الخيط المقطوع.
علت صيحات الفرح، والتفت آريوس لريشيليا وهو يغمز لها بمرح:
“يبدو أن مهارات الفروسية تنفع في إنقاذ الطائرات الورقية أيضاً!”
ردت ريشيليا بضحكة صافية:
“سيادة الدوق، لقد كسبتَ ولاء جيشٍ صغير من الأطفال اليوم!”
تابعا سيرهما، ودخلا مطعماً صغيراً على زاوية الطريق، يفوح منه عبق التوابل المنزلية.
لم يكن مطعماً ملكياً، بل مكاناً بسيطاً يرتاده البسطاء.
جلسا على طاولة خشبية صغيرة، وتشاركا طبقاً واحداً من الحلوى الشعبية.
كان آريوس يراقبها وهي تتذوق الطعام بمتعة حقيقية.
و شعر بأن هذه اللحظة أثمن من كل المآدب التي حضرها في حياته.
قالت ريشيليا وهي تنظر للباعة والمارة ب حنان:
“أريندور جميلة يا آريوس.. ليس بأسوار قصرها، بل بوجوه هؤلاء الناس. لقد كنتُ واحدة منهم يوماً، وهذا الفخر لن ينتزعه مني أي تاج.”
مع اقتراب الغروب، مرا ب ممرٍ ضيق تتدلى منه زهور الزينة.
توقف آريوس ونظر إليها طويلاً ب صدقٍ يلمس الروح:
“ريشي.. شكراً لأنكِ منحتِني هذا اليوم. لقد جعلتِني أدرك أن السعادة لا تحتاج لبروتوكول، بل تحتاج فقط لقلبٍ نابض بالوفاء مثل قلبكِ.”
أمسكت يده برقة، وسارا معاً نحو الملحق في صمتٍ مريح.
تاركين خلفهما أصداء ضحكاتهما في أزقة المدينة.
كأنهما روحان استعادتا فطرتهما بعيداً عن صخب العالم.
التعليقات لهذا الفصل " 43"