خيم صمت ثقيل على قاعة الإفطار، لم يقطعه إلا الرنين الخفيف فوق الأطباق الصينية.
جلس الدوق بوقاره المعهود، وبجانبه زوجته إيزابيل.
التي كانت تراقب ابنها آريوس بنظرات قلقة.
فهدوء آريوس هذا الصباح كان يحمل نبرة غريبة ، كأن خلف عينيه الزرقاون قراراً لا يلين.
وضع آريوس السكين ببطء ، ونظر إلى والده مباشرة.
قال بصوت منخفض لكنه هز أركان القاعة بوضوحه:
“أبي، أمي.. لقد اتخذت قراري. سأقوم بفسخ خطوبتي من سيسيليا رسمياً اليوم.”
توقفت يد الدوقة إيزابيل في الهواء، وسقطت قطعة الخبز من يدها.
شحب وجهها تماماً، بينما تجمدت ملامح الدوق.
و ظهرت عروق جبهته من شدة الغضب.
ضرب الطاولة بيده حتى اهتزت الكؤوس ، و هدر بصوته:
“ما هذا الجنون يا آريوس ؟! هل تظن أن الألقاب والعهود ألعاب بين يديك ؟ سيسيليا ليست أي فتاة ، إنها ابنة خالتك ، وفسخ الخطوبة الآن هو إهانة لدمنا وللإمبراطورية !”
قالت الدوقة بنبرة مرتجفة يملؤها الذعر:
“آريوس.. أرجوك ، فكر فيما تقوله ! سيسيليا ابنة أختي الحبيبة ، كيف سأواجه عائلتي ؟ هذا القرار سيمزق الروابط التي بنيناها لسنوات !”
ظل آريوس صامداً ، ولم ترف له جفن أمام غضب والده.
أجاب بهدوء زاد من اشتعال الموقف:
“لقد انتهى زمن الروابط المبنية على المجاملات يا أمي. سأفسخ الخطوبة لأنني سأتقدم لطلب يد الأميرة ريشيليا، أميرة فالدوريا.”
ساد صمت مطبق ، كأن الزمن توقف.
نظرت الدوقة إليه بذهول ، و تمتمت بشفتين يابستين :
” الأميرة ريشيليا ؟ آريوس ، هل فقدت عقلك ؟ حتى لو وافقنا.. هل تظن أن أميرة بوزنها ، استعادت عرشها لتوها ، ستقبل برجلٍ تخلى عن خطيبته ؟”
“إنها تبادلني الشعور يا أمي. ريشيليا تعرف من أنا، وأنا أعرف من هي بعيداً عن بريق التاج. حبنا نبت في عتمة ‘الملحق’ بعيداً عن الأعين ، والآن حان الوقت ليزهر في وضح النهار.”
رأى آريوس والده يهمّ بالانفجار مجدداً.
فاستبق الموقف بكلمة واحدة جعلت الدوق يتوقف مكانه:
“أبي، سيسيليا لن تُهان . الأمير ليون يحبها منذ الطفولة ، وقد اعترف لها بذلك بالأمس تحت سقف القصر الإمبراطوري. سيسيليا لن تكون ‘الخطيبة المهجورة’، بل ستكون الأميرة التي اختارها شقيق ولي العهد.”
هنا ، زفر الدوق زفرة طويلة ، وبدأ التشنج يغادر كتفيه.
تبادلت الدوقة إيزابيل نظرة سريعة مع زوجها ؛ فوجود الأمير ليون في الصورة لم يخفف الصدمة فحسب.
بل حوّل “الفضيحة” إلى فرصة سياسية وعائلية ذهبية.
أرخت الدوقة يدها المتوترة وقالت بصوت هادئ:
“ليون ؟ إذاً الأمر هكذا.. كنتُ ألاحظ نظراته دائماً ، لكنني لم أظن أن الأمر بهذا العمق.”
نظر الدوق إلى ابنه بجدية ، ثم أومأ برأسه ببطء:
“إذا كان ليون هو من سيحمي كرامة سيسيليا ، فقد أزحت عن كاهلي هماً ثقيلاً. لكن تذكر يا آريوس، طريقك إلى فالدوريا لن يكون مفروشاً بالورود.”
نهض آريوس بوقار ، وعدّل سترته و قال بثبات:
“أعلم ذلك يا أبي ، لكنني لن أتراجع عن قراري مشاعري تجاهها اعمق و أكبر من كل شيء.. “
داخل الجناح الملكي الفاخر في القصر الإمبراطوري.
كانت ريشيليا تقف أمام المرآة الكبيرة.
بينما كانت الخادمات يتحركن حولها بحذر ورهبة.
يضعن اللمسات الأخيرة على مظهرها المهيب.
لم تعد ترتدي مئزر الخادمة البسيط الذي اعتادته في أريندور.
بل اختارت فستاناً ناعماً من الحرير الأزرق السماوي، مطرزاً بخيوط فضية دقيقة.
ورفعت شعرها بطريقة ملكية تبرز ملامح وجهها المشرقة وعينيها الزمرديتين.
دخلت سيرافينيا الجناح ، وهي لا تزال تشع بجمال العروس في يومها الأول.
اقتربت من ريشيليا بابتسامة حانية تشوبها مسحة من القلق:
“ريشي ، هل أنتِ مصممة حقاً على الذهاب إلى دوقية أريندور بنفسك ؟ الإمبراطور عرض عليكِ موكباً ملكياً كاملاً لحمايتك ، فالدخول إلى هناك كأميرة يختلف تماماً عما كان عليه الوضع سابقاً.”
التفتت ريشيليا إليها ، وكانت نظرتها تحمل ثباتاً لا يلين:
“سيرا ، مارتا وراين لم يعرفا ريشيليا الأميرة يوماً. لقد أحبا وآويا ريشيليا ‘المحطمة’ حين لم يكن لها مأوى. الذهاب بموكب عسكري ضخم قد يرعبهما ، وأنا أريد أن أطرق باب الملحق كابنة تعود لأهلها ، وليس كحاكمة غريبة تفرض هيبتها بالجنود.”
أمسكت سيرافينيا بيديها وقالت بإعجاب:
“هذا هو النبل الذي يميزك. لكن تذكري ، آريوس والدوقات هناك ، والمدينة كلها ستضج بخبر عودتكِ المفاجئة.”
أجابت ريشيليا بوقار:
“ليقل العالم ما يشاء. لقد قضيتُ وقتاً طويلاً أهتم بما يظنه الناس بي وأنا خلف جدران ذلك الملحق ، أما الآن.. فأنا أميرة فالدوريا ، ووفائي لمارتا وراين يسبق أي بروتوكول ملكي.”
خرجت ريشيليا من الجناح ، واستقلت عربة ملكية.
و اتجهت مباشرة نحو دوقية أريندور.
كانت دقات قلبها تتسارع كلما اقتربت العربة من الأسوار العالية
هناك حيث ذاقت طعم الألم ، ولكنها ذاقت أيضاً طعم الحنان الصادق.
توقفت العربة ليس أمام البوابة الرئيسية للقصر الدوقي ، بل عند الممر الجانبي المؤدي مباشرة إلى الملحق.
ترجلت ريشيليا بوقار ، ووقفت أمام ذلك الباب الخشبي القديم..
اللحظة التي كانت تحلم بها طوال فترة غيابها قد حانت.
مدت يدها الرقيقة و طرقت الباب
طرقات لم تعد تحمل الخوف السابق ، بل تحمل حنين الأميرة التي لم يغيرها التاج.
التعليقات لهذا الفصل " 40"