وقفت مدرسة “سانت لوران” شامخةً كقلعةٍ أثرية تضرب جذورها في قلب المدينة
تلتفُّ حول أسوارها خيوط اللبلاب المتسلقة كحارسٍ ، بينما كانت نوافذها الزجاجية الملونة تغازل ضوء الشمس، فتعكسه على الأرضيات كشظايا من الألماس المنثور.
في ممراتها الرخامية الباردة، كان ثمة صدىً يهمس بحكايات الأجيال الراحلة
ورغم أن تكاليف الانتساب لهذا الصرح كانت تنهك كاهل حدادٍ بسيط مثل “راين”، إلا أن نظرة الفخر الدافئة في عيني “مارتا” وهي تلمس ياقة قميص ابنتها “ريشي” كانت في نظره تساوي كنوز الأرض قاطبة.
في الساحة الفسيحة، وتحت ظلال شجرة بلوطٍ معمرة شهدت على تعاقب الفصول، جلست “ريشي” بين صديقتيها.
ابتسمت “إيميليا” قائلة:
“هل رأيتِ كيف تجمّد معلم التاريخ أمام ورقتكِ اليوم يا ريشي؟ خلتُه سيضعها في إطارٍ مذهب!”
“أنتما تبالغان.. أنا فقط أبذل ما بوسعي لأرى بريق الفخر في عيني والديّ.”
لكن ذلك الصفاء لم يدم؛ فقد قطعه صوت كعب حاد يصطدم بالبلاط الحجري كدقاتٍ تنذر بالشؤم.
كانت “أريانا”، ابنة أكبر تجار المدينة، تتبختر بخيلاء وخلفها حاشيةٍ من الفتيات اللاتي يقتتنّ على ظلها.
قالت “أريانا” بسخريةٍ تقطر سماً:
“انظروا من يتحدث عن الفخر! ابنة الحداد التي نبتت في أزقة الغموض.. هل تظنين حقاً أن هذه الجدران العريقة تليق بلقيطة مثلكِ؟”
وعلى الفور، التقطت إحدى تابعاتها طرف الخيط:
“سمعتُ أن “مارتا” ليست سوى خادمة في قصر الدوق “أريندور”.. ومن شابهت أمها فما ظلم؛ مكانكِ الحقيقي هو غسل الصحون، لا الجلوس بين النخبة.
دنت “أريانا” أكثر، وبنبرة فحيح تابعت:
“هذه المدرسة لذوي الدماء الزرقاء، لمن لهم تاريخٌ محفور في السجلات، وليس لمن وُجدوا على عتبات الأبواب كصدقةٍ بائسة. أنتِ مجرد خادمة بزيٍّ مدرسي غالي الثمن، ولن يغسل الثوب الفاخر وضاعة أصلكِ.”
انتفضت “أرنا” كدرعٍ بشري أمام صديقتها، واشتعلت عيناها غضباً:
“اخرسي يا أريانا ! نفوذ والدكِ قد يشتري لكِ القصور، لكنه لن يمنحكِ الحق في دهس كرامة من هم أنقى منكِ!”
أزاحت “إيميليا” يد “أريانا” المستهزئة بقوة:
“ابتعدي! ريشي تملك قلباً لا تسعه مدينة كاملة من المتغطرسين أمثالكِ.”
أما “ريشي”، فقد شعرت وكأن العالم ينهار تحت قدميها.
كانت كلمات “لقيطة” و”خادمة” تخترق صدرها كسهامٍ مسمومة جُهزت بعناية.
نظرت إلى كفيها اللتين طالما ساعدتا والديها، ولأول مرة، شعرت بوطأة نظرات المجتمع التي لا ترحم.
لم تصرخ، ولم تقابل القبح بالقبح؛ بل أحنت رأسها بوقارٍ مكسور، تبتلع عبراتها بمرارة، تقاوم ببطولةٍ تلك الدمعة التي كادت أن تسقط فتعلن انتصار “أريانا” على كبريائها.
“لا تنظري إليهن يا ريشي.. إنهن يحترقن غيرةً من ضيائكِ.”
ومسحت “أرنا” على كتفها بحنان:
“أنتِ أعظم منهن جميعاً. مارتا وراين اختاراكِ بقلبيهما، وهذا نُبلٌ لا تمنحه الألقاب.”
رفعت “ريشي” رأسها، ورغم الحزن المقيم في عينيها، إلا أن دفء الصداقة جعل رئتيها تتنفسان من جديد.
وفي الجانب الآخر من المدينة، داخل المطبخ الواسع لقصر الدوقية الكبرى “أريندور”، حيث تختلط روائح التوابل العبقة بحرارة الأفران الصاخبة، كانت “مارتا” تشرف على مأدبةٍ كبرى ببراعتها المعهودة.
لكن روحها كانت شاردةً بعيداً عن أواني النحاس اللامعة.
تجمعت الخادمات حول طاولة الخضروات، وبدأ ضجيج الأحاديث المعتاد.
قالت الخادمة “سيرا”:
“مارتا، مرت ست سنوات منذ أن رأينا ريشي الصغيرة.. لقد افتقدنا ضحكتها التي كانت تملأ الممرات الخلفية بالبهجة.”
وأضافت “جين” بإعجاب:
“نعم، كانت طفلةً تخطف الأنظار بجمالها.. هل لا زالت خصلاتها الذهبية تتلألأ كما كانت؟ لا شك أنها أصبحت فاتنة الآن.”
توقفت يد “مارتا” عن تحريك الإناء لبرهة، ثم استعادت رباطة جأشها:
“لقد كبرت ريشي، ودراستها في (سانت لوران) تستنزف كل وقتها.. لم يعد من اللائق أن تجوب مطابخ القصور وهي تطمح لمستقبلٍ مختلف.”
ساد هدوء مريب، قبل أن تقترب خادمة مسنة، وسألت بنبرةٍ خافتة يملؤها الفضول:
“مارتا.. أخبرينا بصدق، من أين جاءت تلك الملاك؟ الجميع يعلم أنكِ وراين لم ترزقا بأطفال لسنوات، ثم فجأة ظهرت هذه الطفلة.. من أين أتت حقاً؟”
سقطت المغرفة من يد “مارتا” لترتطم بالأرض برنينٍ حاد شق صمت المكان.
التعليقات لهذا الفصل " 4"