انطلقت صيحات الترحيب وقُرعت الأجراس الملكية لتملأ أصداؤها أرجاء العاصمة.
في هذه اللحظة ، تقدّم كاي نحو سيرافينيا ورفع طرحتها الرقيقة، لتبتسم له بعينين يملؤهما الأمل.
و بدا وكأن العالم من حولهما قد توقف.
على الجانب الآخر ، كانت ريشيليا تقف بوقار بجانب الدوقة الكبرى
تشاهد هذا المشهد بقلبٍ يملؤه التأثر الصادق لصديقتها وابنة عمها.
كانت تشعر بدفء نظرات آريوس الذي لم يحرك عينيه عنها قيد أنملة
وكأن وجودها في هذه الساحة الإمبراطورية هو المعجزة الحقيقية
التي تفوق زفاف ولي العهد هيبةً في نظره.
في تلك الأثناء ، اقترب ليون بخطوات هادئة نحو سيسيليا.
رأى ارتعاش يدها وهي تمسك بمروحتها العاجية.
وشحوب وجهها الذي حاولت إخفاءه خلف مساحيق التجميل الفاخرة.
وقف بجانبها كدرعٍ صامت ، دون أن يتحدث ، موفراً لها الحماية من نظرات النبيلات المتلصصة.
أحست سيسيليا بوجوده ، ورغم غيظها من ريشيليا.
إلا أن وجود ليون بجانبها كان القشة الوحيدة التي تمسكت بها للحفاظ على كبريائها أمام الحشود.
بدأ الموكب الملكي بالتحرك ببطء نحو قاعة الاحتفالات الكبرى.
حيث ستُقام مأدبة العشاء الملكي ، و بينما كان الحرس يفسحون الطريق.
كانت النظرات والهمسات تلاحق ريشيليا.
أيقونة فالدوريا التي سحرت بلاط سولاريس في يومٍ واحد.
تحرك الموكب الملكي ببطء نحو أروقة القصر، وبينما انشغل الجميع بتهنئة العروسين.
وجد ليون نفسه يسير بجانب سيسيليا.
كانت سيسيليا تحاول جاهدة الحفاظ على قناع البرود الملكي.
لكن ارتعاش يدها وهي تمسك بمروحتها العاجية.
ونظراتها التي كانت تلاحق آريوس وريشيليا بمرارة، فضحتا انكسارها الداخلي.
توقف ليون فجأة في زاوية شبه منزوية من الرواق المؤدي للقاعة الكبرى.
و أمسك بطرف رداء سيسيليا برفق ليجعلها تتوقف.
نظرت إليه سيسيليا بارتباك وغيظ مكتوم.
و قالت بنبرة حادة حاولت إخفاء اهتزازها:
“ماذا هناك يا ليون ؟ المراسم لم تنتهِ بعد ، وعلينا اللحاق بالموكب.”
نظر ليون في عينيها بعمق ، ولم تكن نظرته هذه المرة نظرة الشقيق أو الصديق.
بل كانت نظرة رجلٍ قرر وضع حدٍ لسنوات من الصمت.
قال بصوت منخفض وهادئ ، لكنه يحمل ثقلاً هز كيانها:
“إلى متى ستستمرين في مطاردة سراب لا يراكِ يا سيسيليا ؟ آريوس لم يكن لكِ يوماً ، وحتى قبل أن تظهر الأميرة ، كان قلبه قد غادركِ منذ زمن.”
شحب وجه سيسيليا أكثر ، وحاولت الرد بغطرسة:
“كيف تجرؤ على..”
قاطعها ليون بصدقٍ جارح:
“أجرؤ لأنني الوحيد الذي كان يراقبكِ وأنتِ تراقبينه. أجرؤ لأنني تعبتُ من رؤيتكِ ، الأميرة التي يفترض أن ينحني لها الجميع، وهي تذبل خلف رجلٍ لا يمنحها حتى التفاتة. سيسيليا.. أنا أحببتكِ منذ أن كنا نلعب في ردهات هذا القصر كأطفال. أحببتكِ بصدقٍ لم يستطعه آريوس يوماً، ومستعدٌ لأن أكون لكِ السند الذي تبحثين عنه، بشرط أن تتوقفي عن تحطيم نفسكِ لأجل من لا يستحق.”
ساد صمت ثقيل ومفاجئ.
سقطت مروحة سيسيليا من يدها على السجاد الفاخر، وتلاقت عيناها بعيني ليون.
رأت فيهما صدقاً وتضحية لم تعهدهما من قبل.
لم تكن تتوقع أن يكون “ليون”، الأمير الذي كان دائماً في ظل شقيقه كاي
يحمل لها كل هذا الكم من المشاعر.
في تلك اللحظة ، شعرت سيسيليا بانهيار كبريائها المصطنع
لم تنطق بكلمة ، لكن دموعاً غلبت كبرياءها بدأت تترقرق في عينيها.
كانت صدمة الاعتراف تفوق قدرتها على الرد.
خاصة وأنها أدركت في قرارة نفسها أن ليون هو الشخص الوحيد الذي لم يتركها حتى وهي في قمة ضعفها وإحراجها.
التعليقات لهذا الفصل " 39"