انتهت الكلمات الرسمية للإمبراطور، وبدأت مراسم التحية التي تفرضها القواعد الصارمة لبلاط “سولاريس”.
كانت ريشيليا تقف بجانب عمها وزوجته ، بملامح يملؤها الهدوء والسكينة.
وعيناها الزمرديتان لا تحملان أي ضغينة ، بل نظرة ناضجة تليق بأميرة تدرك قيمة العفو عند المقدرة.
تقدمت الدوقة إيزابيل ، بخطوات تتسم بالرزانة التي لم تفارقها يوماً.
رغم الارتباك الداخلي الذي اعتصرها وهي تتذكر قسوتها السابقة تجاه “الخادمة”..
إلا أنها بذكائها السياسي وكبريائها كأميرة قررت تدارك الموقف.
وقفت إيزابيل أمام ريشيليا بوقار حقيقي ، رفعت رأسها بابتسامة دبلوماسية دافئة..
و قالت بصوت مسموع:
“أهلاً بعودتكِ يا سمو الأميرة ريشيليا. لقد كنتِ دائماً تملكين روحاً سامية حتى حين كنتِ بيننا في الدوقية، والآن ندرك أن تلك الروح كانت تنتمي لمكانها الطبيعي في قلب العرش.”
كانت كلمات إيزابيل كوقع الصاعقة على سيسيليا التي كانت تقف خلفها.
شعرت سيسيليا بمزيج من الغيظ والاستياء.
فخالتها التي كانت يوماً لا تتوقف على إهانة ريشيليا.
هي الآن أول من يرحب بها ويحتفي بمقامها.
تقدمت سيسيليا مضطرة ، وأدت التحية بقلب يملؤه الارتباك.
وحاولت رسم ابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيها.
ردت ريشيليا على إيزابيل بإيماءة رقيقة وكلمات موزونة:
“أشكركِ يا سمو الدوقة إيزابيل ، وأنا أقدر لكِ هذا الترحيب الكريم.”
لم يكن في صوت ريشيليا أي نبرة تشفي ، بل كانت أخلاقها العالية هي التي تتحدث.
مما ضاعف من شعور الإحراج لدى النبيلات اللاتي كن يسخرن منها.
فلو كانت ريشيليا متغطرسة لسهل عليهن كرهها.
لكن نبل أخلاقها جعل سخريتهن الماضية تبدو كخطيئة لا تُغتفر.
أما آريوس ، فقد وقف أمامها أخيراً.
كان ينظر إلى تلك الفتاة التي قلب الإمبراطورية بحثاً عنها، ليجدها الآن أمامه.
وقد أصبحت رمزاً للنبل والجمال.
حياها ، و في عينيه نظرة شوق صامت لم يستطع البوح به أمام الحشود.
رأى ريشيليا تعامله بتقدير رسمي هادئ ، كأنها تمحو ببرودها المهذب كل صلة شخصية كانت بينهما.
لتضعه في خانة “الدوق آريوس” لا أكثر ولا أقل.
انتهى الموقف بانسجام ظاهري ، لكن النيران كانت تشتعل في صدر سيسيليا.
التي أدركت أن ريشيليا لم تستعد لقبها فحسب ، بل استولت بجمال أخلاقها على إعجاب البلاط..
بل وحتى على ولاء خالتها إيزابيل التي أصبحت ترى في ريشيليا “حليفاً ملكياً” لا يمكن معاداته.
انتقلت المراسم من قاعة العرش المهيبة إلى مأدبة العشاء الملكي
حيث كانت الأجواء أكثر دفئاً بفضل ضوء الشموع والروائح الفاخرة.
لكنها لم تخلُ من توترٍ خفيّ يغلف المائدة المستطيلة الضخمة.
ترأست العائلة الإمبراطورية المأدبة ، وجلست ريشيليا بجانب عمها وزوجته
بينما جلس باقي النبلاء و عائلة الدوق أريندور في الجهة المقابلة.
كانت ريشيليا تتناول طعامها بهدوء وأناقة مفرطة، لكنها كانت تشعر بوطأة نظرات آريوس التي لم تفارقها.
كلما رفعت ريشيليا عينيها الزمرديتين
كانت تصطدم بنظرات آريوس العميقة التي تحمل مزيجاً من الاشتياق والذهول.
في تلك اللحظات، كان الارتباك يغزو ملامح ريشيليا للحظة خاطفة فترتبك يدها وهي تمسك بالملعقة.
أو تخفض بصرها بسرعة نحو طبقها، محاولةً استعادة برودها الأرستقراطي.
لم ينطقا بكلمة واحدة ، لكن الصمت بينهما كان يضج باعترافات لم تُقل.
كانت سيسيليا تراقب هذا التبادل الصامت بعينين يملؤهما الغيظ
كانت ترى كيف يذوب برود خطيبها الجليدي أمام نظرة واحدة من ريشيليا.
وبجانبها ، كانت والدة سيسيليا تعتصر منديلها الحريري تحت المائدة
يشوبها خوف حقيقي من أن مكانة ابنتها كزوجة مستقبلية لدوقية أريندور أصبحت مهددة.
أمام “الأميرة الإمبراطورية” التي تملك الآن كل شيء:
الجمال ، و النسب ، وقلب آريوس.
على الجانب الآخر ، كانت سيرافينيا تتابع المشهد بابتسامة خفية لا تخفى عليها تفاصيل القلوب.
فهي الوحيدة التي تدرك عمق ما مرت به ريشيليا.
كانت تنظر تارة إلى ابنة عمها وتارة إلى آريوس ، وتشعر بفرحة غامرة.
أما ولي العهد كاي ، فقد كان يراقب الموقف بعينٍ فاحصة وذكاء حاكم.
كان يدرك تماماً قصة “الخادمة” التي قلبت كيان ابن عمته آريوس يوماً ما.
والآن ، برؤيته لريشيليا في مقامها الملكي ، أيقن أن آريوس لم يخطئ في اختياره أبداً.
لم يغفل كاي عن نظرات آريوس المستسلمة تماماً لسحر الأميرة.
فقرر في سره أن هذا الحب يجب أن يكتمل.
و أن وجود ريشيليا كأميرة لفالدوريا هو المفتاح الذهبي لتعزيز التحالف بين الإمبراطوريتين عبر رباطٍ عاطفي لا ينكسر.
كان العشاء يمضي في ظاهره بتبادل عبارات المجاملة بين الإمبراطور والدوق الأكبر.
لكن تحت سطح هذا الهدوء ، كانت هناك قلوب تحترق..
وعيون تعاهدت على ألا تفترق مرة أخرى.
التعليقات لهذا الفصل " 36"