“أعدكِ يا سيرافينيا.. لن أخذل آل فالدوريا. اليوم سيعلم الجميع أن الأميرة لم تعد فقط ، بل عادت وهي تحمل حكمة السنين وقوة الصبر.”
صدحت الأبواق الفضية في أنحاء القصر ، وفُتحت الأبواب العاجية للقاعة الكبرى.
صمت مئات النبلاء فجأة ، واتجهت الأنظار كلها نحو الشرفة الداخلية.
هبطت ريشيليا الدرج بخطوات موزونة ورشيقة ، وبجانبها سيرافينيا التي كانت تمشي بكبرياء يضاهي الجبال.
كان لكل خطوة من خطوات ريشيليا وقع السحر ؛ لم تكن تلك الفتاة الضعيفة التي توقعها البعض..
بل كانت “الأميرة المثالية” بطلتها ، رقيها ، وهدوئها الذي يفرض الاحترام دون عناء.
حين وصلت إلى منتصف القاعة ، وتعالت الهمسات بإعجاب:
“إنها هي.. جوهرة فالدوريا قد عادت لتضيء عرشها من جديد.”
عندما استقرت ريشيليا في وسط القاعة الكبرى ، تحولت الهمسات إلى صمتٍ مهيب يملؤه التقدير.
لم يكن جمالها هو ما سلب الألباب فحسب ، بل تلك الهالة من الوقار والسكينة التي أحاطت بها ؛ لقد كانت تبدو وكأنها لم تغادر هذا القصر يوماً.
كان ولي العهد يقف في مقدمة المستقبلين بجانب والده الإمبراطور.
وعندما وقعت عيناه على شقيقته وهي تهبط الدرج بجانب سيرافينيا ، شعر بغصة من الفرح والاعتزاز.
تقدم نحوها بخطوات ثابتة ، وحين وصل إليها ، لم يحيّها كأميرة فحسب ، بل أمسك يدها وقبلها بوقار الأخ الذي استعاد روحه.
ثم بهمسٍ لا يسمعه غيرها :
“لقد كنتِ دائماً جميلة يا ريشيليا ، لكنكِ الليلة تبدين كالإمبراطورية نفسها.. عظيمة وراسخة. ليتكِ تعلمين كم انتظرنا هذه اللحظة.”
ريشيليا بابتسامة رقيقة ودافئة :
” وجودك بجانبي يا أخي هو ما يمنحني هذه القوة. شكراً لأنك لم تتوقف يوماً عن البحث عني.”
التفت ولي العهد نحو سيرافينيا ، وأومأ لها برأسه تقديراً للدور الذي لعبته في إعادة تأهيل ريشيليا بهذه السرعة..
ليرتسم على وجه سيرافينيا تعبيرٌ يجمع بين الفخر والمرح الملكي.
كانت عيون النبلاء تلاحقهما.
كانت ريشيليا تدير حوارات قصيرة وذكية مع الوزراء وكبار القادة الذين يقتربون للتحية .
أحد الوزراء الكبار:
“سمو الأميرة ، عودتكِ هي الفجر الذي انتظرناه. هل وجدتم في رحلتكم الطويلة ما يغير نظرتكم للإمبراطورية ؟”
ردت ريشيليا بذكاء ونبل:
“وجدتُ أن الإمبراطورية لا تُقاس بالحدود التي نرسمها على الخرائط ، بل بالحب الذي يسكن قلوب شعبها .”
انبهر الوزير بردها الرصين ، وسرعان ما انتشر الخبر بين الحضور:
” الأميرة لم تعد بجمالها فقط ، بل عادت بعقلٍ يزن الجبال.”
انسحبت ريشيليا لتقف بجانب سيرافينيا عند طاولة الضيافة الملكية.
كانت سيرافينيا تراقب ردود أفعال النبلاء بعين خبيرة ، وتهمس لريشيليا بالمعلومات الضرورية.
” أرأيتِ نظراتهم ؟ لقد سحرتِهم تماماً. الوزير ‘فاليريان’ الذي كان يشكك في قدرة العائلة على الصمود بعد غيابكِ ، ينظر إليكِ الآن وكأنكِ مخلصته الوحيدة.”
” الناس يحتاجون إلى رمز للاستقرار يا سيرافينيا، وأنا سأكون هذا الرمز. لكن أخبريني.. هل تلاحظين تلك النظرات من جهة سفراء الممالك المجاورة ؟”
ردت سيرافينيا بذكاء وحذر:
“نعم ، إنهم يحاولون قراءة قوتنا. لكن بوجودنا معاً ، لن يجدوا فينا إلا جداراً صلباً.”
في نهاية الأمسية ، وقف الإمبراطور وبجانبه ريشيليا وولي العهد و في الجانب الاخر الدوق الأكبر، وسيرافينيا.
ثم أعلن الإمبراطور :
“الليلة ، لم نحتفل بعودة ابنة فقط ، بل احتفلنا بعودة الأمل إلى فالدوريا. بوجود ريشيليا بيننا، تبدأ حقبة جديدة من القوة والازدهار.”
تعالت الصيحات في القاعة باسم الأميرة ، وبينما كانت ريشيليا تبتسم برقة للحضور..
كانت تفكر في داخلها:
“لقد استعدتُ تاجي ، والآن سأبني مستقبلاً لا يجرؤ فيه أحد على سلب حريتي مرة أخرى.”
التعليقات لهذا الفصل " 29"