في دوقية أريندور ، حيث يسود النظام والمنطق ، كان آريوس يجلس خلف مكتبه الضخم ، وأمامه تقارير البحث المبعثرة.
دخل مساعده بخطوات ثقيلة، ملامحه كانت تشي بالفشل قبل أن ينطق بكلمة واحدة.
“سيدي الدوق ، لقد استكملتُ البحث في جميع سجلات العائلات النبيلة ، ليس فقط في إقليمنا بل وفي الأقاليم المجاورة أيضاً. بحثتُ عن أي عائلة فقدت ابنة لها قبل ست سنوات بمواصفات الآنسة ريشي..”
“لا شيء يا سيدي. لا يوجد اسم واحد، ولا حتى وصف يقترب من ملامحها في سجلات النبلاء. العائلات التي فقدت بناتها إما أن أعمارهن لا تتطابق ، أو أن أوصافهن بعيدة كل البعد عن جمال الأنسة النادر. وكأن هذه الفتاة لم يكن لها وجود قبل وصولها إلى هنا.”
ساد صمتٌ خانق في الغرفة.
نهض آريوس ببطء ومشى نحو النافذة ، يضغط بيده على حافتها الرخامية حتى ابيضت مفاصله.
كان يشعر بضيق في صدره ، شعور غريب لم يألفه من قبل.
إنه العجز..
هو الدوق القوي ، يجد نفسه الآن تائهاً خلف سر خادمة .
بصوتٍ ممتلئ بالمرارة تكلم :
“غير معقول.. لا يمكن أن تكون نبتت من العدم. هل يعقل أن تكون عائلتها قد محت أثرها تماماً ؟”
“ربما يا سيدي هي من عامة الشعب ولكن..”
قاطعه أريوس بحزم :
“لا ! عامة الشعب لا يملكون تلك النظرة ، ولا ذاك الكبرياء الذي يظهر حتى في صمتها. إنها لغزٌ يأبى أن ينحل ، وهذا العجز..”
صمت قليلاً ثم أكمل بهمس:
“..هذا العجز يقتلني.”
لأول مرة ، شعر آريوس أن سلطته ونفوذه وأمواله لا قيمة لها أمام حقيقة ريشي الغائبة.
كانت هي الوحيدة التي استطاعت أن ترحل وتترك خلفها فراغاً لا يملؤه جيش من المساعدين ولا آلاف التقارير.
بينما كان آريوس يتجرع مرارة العجز في قصره المظلم..
كانت شمس إمبراطورية “فالدوريا” تشرق على واقع جديد تماماً.
في الجناح الملكي الفاخر ، حيث تتدلى الثريات المرصعة بالكريستال، كانت التحضيرات للحفل الكبير قد بلغت ذروتها.
كانت سيرافينيا تتحرك في الغرفة كإعصار من الأناقة.
تشرف على كل صغيرة وكبيرة.
وحين انتهت الوصيفات من تصفيف شعر ريشيليا، طلبت سيرافينيا منهن الخروج لتبقى مع ابنة عمها وحدها أمام المرآة الكبرى.
وقفت سيرافينيا خلف ريشيليا، ووضعت يديها على كتفيها، ونظرت إلى الانعكاس بذهول ممزوج بالفخر.
“انظري يا ريشي .. أنتِ لا ترتدين الفستان ، بل الفستان هو من يتشرف بلمس بشرتكِ.”
كانت ريشيليا ترتدي فستاناً من الحرير “الأخضر الغامق” الذي يبرز لون عينيها الزمرديتين..
مطرزاً بخيوط الذهب التي تحاكي أوراق شجر البلوط العتيق لدى العائلة.
كان شعرها منسدلاً بتموجات راقية ، وتتوسط جبينها قطعة ماسية نادرة كانت تخص جدتها الإمبراطورة.
بابتسامة هادئة ورزينة:
“سيرافينيا ، الفضل يعود لكِ. لولا ذوقكِ وإصراركِ، لما شعرتُ أنني استعدتُ هويتي بهذه السرعة. لكن.. هل تعتقدين أنني سأنجح في تمثيل دوري كأميرة مثالية أمام كل هؤلاء النبلاء بعد غياب طويل؟”
إلتفت سيرافينيا حولها و هي تمسك يديها :
” تمثيل ؟ ريشيليا ، أنتِ لا تمثلين ! النبل يجري في عروقكِ كما يجري الدم . انظري إلى وقفتكِ ، إلى نظرة عينيكِ.. حتى صمتكِ له هيبة. ريشيليا التي كانت تعمل في قصور الغرباء قد رحلت ، واليوم ستظهر ‘ الاميرة ريشيليا فالدوريا’ التي سيتحدث عنها التاريخ.”
أمسكت سيرافينيا بقلادة الزمرد الكبرى ووضعتها بعناية حول عنق ريشيليا.
وفي تلك اللحظة، التقت أعينهما في المرآة ؛ سيرافينيا بجمالها الصارخ وشعرها الأشقر البلاتيني ، وريشيليا بسحرها الهادئ وعينيها الزمرديتين.
” تذكري يا ابنة عمي ، في القاعة الكبرى ، لن تكوني وحدكِ. أنا سأكون معكِ ، نحن حصنُكِ المنيع . أريد منكِ فقط أن تبتسمي بتلك الرقة التي عهدتها منكِ، وتتركي الباقي لنا.”
التعليقات لهذا الفصل " 28"