استيقظت “ريشي” على وقع ارتجاج العربة العنيف، وصداعٍ يفتك برأسها كأنه مطارق من حديد.
فتحت عينيها بصعوبة لتجد الرؤية مشوشة، لكنَّ برودة الأصفاد التي نهشت معصميها الرقيقين أعادتها إلى الواقع المرير.
أمامها، في عتمة العربة الضيقة، كان يجلس “بارو” و”بيلو”؛ وجوهٌ محفورة بالندوب، وعيونٌ خالية من أي بريق للرحمة.
كان “بارو” غارقاً في العتمة، يقلب قطعة ذهبية قديمة بين أصابعه الغليظة، يتأمل لمعانها بجشع وكأنها كل ما يملكه في هذا العالم..
بينما كان “بيلو” يراقب الطريق من فتحة العربة بحذرٍ مريب.
ابتلعت ريشي ريقها بصعوبة، وشعرت بجفاف حلقها.
كانت تدرك أن المسافة بينها وبين قضبان سجن الدوق “لوسيوس” تتقلص مع كل دورة لعجلات العربة.
وفي تلك اللحظة الحرجة، استدعت ذاكرتها صوتاً خافتاً من خلف ست سنوات.
يوم سمعت تابعي الدوق يتهامسون بظنهم أنها غائبة عن الوعي:
“الدوق لا يترك شهوداً خلفه.. بمجرد أن نتخلص من الأميرة ، ستكون رؤوسنا هي الثمن القادم لإخفاء السر”.
أخذت “ريشي” نفساً عميقاً، وقررت أن ترمي ورقتها الأخيرة.
كبحت رعدة صوتها وقالت بنبرةٍ هادئة وجريئة:
“هل تظنان حقاً أن تلك القطع الذهبية ستبقى في جيوبكما طويلاً بعد أن تسلّماني ؟ “
توقف “بارو” عن تقليب عملته، ونظر إليها شزراً، بينما زمجر “بيلو” بصوتٍ أجش:
“اصمتي أيتها الصغيرة ، ولا تدسي أنفكِ فيما لا يعنيكِ”.
لم تتراجع ريشي، بل تابعت بذكاءٍ حاد:
“بل يعنيني جداً.. تماماً كما يعنيكما. لوسيوس لا يشتري الولاء بل يشتري الصمت ، وأضمن وسيلة للصمت هي الموت . أنتما بالنسبة له مجرد أدلةٍ متحركة يجب إبادتها فور انتهاء المهمة. لكن.. أنا عرضي مختلف. أنا لستُ مجرد فتاة مختطفة.. أنا ريشيليا فالدوريا، الأميرة .”
ولم يتخيلوا قط أن تكون هي الفريسة التي بين أيديهم.
تابعت ريشي، ملقيةً طعم النجاة:
“ساعداني ، غيِّروا الاتجاه نحو العاصمة ، وسأضمن لكما ليس الذهب فحسب ، بل عفواً إمبراطورياً وحمايةً لا تصل إليها يد الدوق . إذا سلمتماني له ، ستموتان في الغد.. أما إذا سلمتماني للإمبراطور ، فستعيشان كأبطالٍ أعادوا روح الإمبراطورية.”
بدأ التردد ينهش ملامح “بارو”؛ فالجشع للبقاء كان أقوى من الولاء لرجلٍ يغدر بظله.
نظر نحو رفيقه الذي أومأ برأسه ببطء، ثم أعاد قطعته الذهبية إلى كيسه وقال بصوتٍ غليظ:
“إذا كان هذا رهاناً خاسراً يا أميرة ، فسأكون أنا من يسلمكِ للموت بيديه. لكن.. لنرَ إن كان كلامك صحيح كما تدعين.”
وبحركةٍ مفاجئة، صرخ “بيلو” بالخيول وشقَّ طريقاً وعراً غير مسلوك.
التعليقات لهذا الفصل " 22"
التعليقات