ستُّ سنواتٍ مضت، والزمنُ في ردهات القصر الإمبراطوري قد تجمّد عند تلك اللحظة التي انتُزع فيها نبضُ المكان.
لم يعد القصرُ ذلك الصرح المهيب الذي تهابه الممالك.
بل استحال وطناً للوحشة، وملاذاً للصمت الجنائزي..
حيث تهمسُ الجدرانُ بذكرى “ريشي” الغائبة.
ويفتش الصدى في الزوايا عن ضحكةٍ تاهت في غياهب التيه.
أما الإمبراطور، فقد غدا شبحاً لرجلٍ كان يوماً يحكم القبب والساحات؛ طودٌ عظيم تآكلت قواعده أمام أعاصير الفقد.
سكنت الهيبةُ ملامحَه لكن أطفأها ذبولٌ مرير، وبات يجلس مسنداً ظهره بوهنٍ كملكٍ مخلوعٍ من روحه.
عيناه اللتان كانتا تقدحان شراراً في الميادين، استحالتا بحيرتين راكدتين من الأسى..
تنظران نحو الأفق بانتظار معجزةٍ تعيد له “نور عينيه”.
كان صمتُه المطبق أشدَّ إيلاماً من أنين الاحتضار.
وكأنه يرفضُ النطق حتى يلقي تحية العودة على ابنته التي لم تعد.
وبجانبه، كانت الإمبراطورة تجسد معنى الفناء الصامت.
لم تكن تبكي؛ فقد جفت مآقيها واحترقت دموعها منذ أمد.
لكن حزنها كان يسكن في ارتعاشة أناملها وهي تطبقُ بذكاءٍ على وشاح “ريشي” الصغير..
كأنها تمسك بطرفِ ثوبِ الأمل كي لا ينفلت.
كانت تجلس بوجهٍ شاحب، يلفحها برد الذاكرة كلما لاح لها مقعدُ ابنتها الخالي.
لقد انكسر في روحها شيءٌ ، وغدت تمشي في الممرات كأنها طيفٌ يقتفي أثر ظلٍ تائه.
خلف الأبواب الموصدة، كان ولي العهد كايلوس يذرع الردهات جيئةً وذهاباً..
وقلبُه يغلي كمرجلٍ من الجمر.
كان يرى انهيار والديه يوماً بعد يوم، مما زاد من شراسة بحثه المحموم.
كان يقلب التقارير بعينين محتقنتين بالدم، يطالب بـ “خيطٍ” واحد، ولو كان واهياً كنسيج العنكبوت، يصله بشقيقته الصغرى.
ولم يكن يدرك أن “السمَّ” كان يسكن معهم في ذات الرواق، يرتدي مسوحَ الولاء ويشاطرهم ألمهم الزائف.
حيث يقف الدوق لوسيوس، الصديق الذي استأمنه الإمبراطور على أسراره وروحه.
كان لوسيوس يرقبُ ذبول الإمبراطور وانكسار الإمبراطورة ببرودٍ شيطاني
وتلذذٍ مكتوم، يغتالُ في الخفاء كل فرصةٍ لظهور الحقيقة، ويمحو ببراعةٍ أي أثرٍ قد يقود فرسان “كايلوس” إلى الحقيقة.
لم يكن اختطافه لـ “ريشي” مجرد جريمةٍ عابرة..
بل كان القطر الأخير في كأس “الغلِّ الدفين” الذي تجرعه لسنوات.
لوسيوس، الذي نشأ في ظل الإمبراطور كساعده الأيمن، كان يقتاتُ في خلواته على مرارة التبعية.
ويرى في نفسه الأحق بالذكاء والحكمة وحتى العرش.
كان يبتسم في وجه الإمبراطور نهاراً، ويهمس لنفسه بحقدٍ أسود ليلاً:
“لقد أعطيتُك كل شيء، فكنتَ أنت الإمبراطور ، وكنتُ أنا مجرد تابعٍ يصفق لانتصاراتك. والآن، سأنتزع منك أغلى ما تملك ، لأرى العجز ينخر في عينيك اللتين طالما نظرتا إليّ من علياءِ الفوقية.”
اختار “ريشي” لأنها كانت نقطة الضعف الوحيدة في درع هذا الملك
كان يدرك أن قتلها رصاصةُ رحمةٍ تنهي العذاب.
أما تغييبها فهو “العذاب الأبدي ” التي ستجعل الإمبراطور يموت في اليوم ألف مرة وهو على قيد الحياة.
بينما كان لوسيوس يمثل دور “الصديق المخلص” بجانب سرير الإمبراطور المتهالك.
يربتُ على كتفه ويدعي النحيب، كانت العربة السوداء تعبر الحدود بعيداً.
حاملةً في جوفها سر الخيانة العظمى.
كان ينظر إلى كايلوس وهو يقلب الخرائط بيأس، ويسخر في أعماقه من هذا العبث الجميل.
التعليقات لهذا الفصل " 21"
التعليقات