كان القصر غارقاً في سكونٍ مهيب؛ فقد غادر الدوق “آريوس” برفقة والديه وخطيبته “سيسيليا” لحضور مأدبةٍ ملكية.
وكأنَّ غيابهم كان الإشارة الأخيرة التي تنتظرها “ريشي” لتنفيذ قرارها الانتحاري.
تسللت “ريشي” نحو غرفة والديها بخطواتٍ تشبه طيفاً عابراً يخشى أن يترك أثراً.
وقفت عند عتبة الباب، تراقب وجه “راين” الشاحب في نومه، وملامح “مارتا” التي حفر التعبُ والسهرُ أثرهما عليها.
لم تجرؤ على لمسهما، خشية أن يذوب عزمها أمام دفء أيديهما، أو أن تقتلعها غصة الوداع من قرارها.
همست بكلماتٍ لم يسمعها أحد، ضاعت في أثير الغرفة:
“..سامحاني.”
لم تحمل معها شيئاً من ذلك المكان سوى قلادتها، التي باتت الآن دليل هويتها..
لفت وشاحها حول رأسها، وخرجت من باب الملحق الخلفي، ميممةً وجهها نحو المجهول، بعيداً عن أسوار القصر التي كانت تظنها يوماً ملاذاً لها.
كانت الغابة في منتصف الليل مكاناً موحشاً..
تنعق فيها الغربان وتصرُّ فيها الأشجار كأنها صرخات تحذيرٍ تنهى عن التقدم.
كانت “ريشي” تظن أنها تفرُّ نحو الحرية، ولم تكن تعلم أنها تركض مباشرة نحو “العرين”.
فجأة، انقطع سكون الليل بصوت غصنٍ انكسر خلفها.
تجمدت “ريشي”، وشعرت ببرودةٍ تسري في عمودها الفقري تفوق صقيع الشتاء.
وقبل أن تلتفت، برزت من خلف الأشجار أظلالٌ ضخمة.
حاولت صرخة ذعر أن تفر من حنجرتها، لكن يداً خشنة كممت فمها
بينما وضعت اليد الأخرى قطعة قماشٍ مبللة برائحةٍ نفاذة سلبتها وعيها.
قاومت “ريشي” بكل ما أوتيت من قوة، ضربت بيدها الهواء في محاولة يائسة للتمسك بالحياة..
لكنَّ جسدها بدأ يرتخي، والعالم من حولها أخذ يتلاشى في ضبابٍ أسود.
آخر ما رأته كان لمعة عينين قاستين وصوت “بارو” الأجش وهو يهمس بانتصار مقيت:
“أخيراً.. عاد الطائر إلى قفصه.”
حملها المرتزقة كجثةٍ هامدة وألقوا بها في مؤخرة عربةٍ سوداء كانت تتربص عند أطراف الغابة.
انطلقت العربة بسرعة جنونية، مخلفةً وراءها غباراً يغطي أثر الجريمة.
متجهةً نحو حدود إمبراطورية “فالدوريا”.
كان “بيلو” يقود العربة وهو يحث الخيول بصوتٍ خافت، بينما جلس “بارو” في الداخل يراقب “ريشي” الغائبة عن الوعي بجشع.
“لقد فعلناها،”
تمتم بارو..
“السيد سينتظرنا عند المعبر الحدودي بجرار الذهب. سواء كانت حية أو ميتة، المهم أننا أحضرنا له الفتاة.”
بينما كانت العربة تبتعد مخترقةً حدود الإمبراطورية..
كان القصر لا يزال يغط في نومه، غير مدركٍ أن قلب الملحق قد انتُزع من مكانه.
وفي طريق العودة من المأدبة، كان “آريوس” يجلس في عربته الملكية بملامح جامدة..
لكنه شعر فجأة بانقباضٍ حاد في صدره..
كأنَّ خيطاً رفيعاً كان يربطه بالحياة.. قد انقطع للأبد.
التعليقات لهذا الفصل " 20"