2 - شظايا الإسم المفقود
فتحت ريشي عينيها ببطء شديد، وكأن جفونها كانت مثقلة بحجر الجبل.
لم تستقبلها الغابة المظلمة ولا صوت الرعد المرعب، بل استقبلها سقف خشبي بسيط تتخلله خيوط الشمس الدافئة التي تسللت من نافذة صغيرة.
كان المكان يعبق برائحة غريبة لكنها مريحة؛ رائحة خشب الصنوبر، والطحين المختمر، ورائحة معدنية خافتة تشبه رائحة الأرض بعد المطر.
حاولت الاعتدال، فصدرت منها أنة ألم مكتومة.
كانت ضمادات بيضاء نظيفة تلف ساعديها وصدرها، وجسدها الصغير مغطى بلحاف صوفي ثقيل يفوح برائحة النظافة.
“لقد استيقظتِ أخيراً.. الحمد لله !”
التفتت ريشي بجزع لتجد امرأة ذات وجه مستدير وعينين تشعان طيبة، كانت مارتا.
اقتربت منها بابتسامة هادئة وهي تحمل كوباً من الحليب الساخن.
خلفها، وقف رجل ضخم كأنه جبل من العضلات، يرتدي مئزراً جلدياً ملوثاً بآثار الفحم..
كان راين، الذي بدا متوتراً وهو يحاول إخفاء يديه الخشنتين خلف ظهره خوفاً من إفزاعها.
ابتلعت ريشي ريقها بصعوبة، ونظرت إليهما بعينين واسعتين يملؤهما الضياع.
حاولت الكلام، لكن صوتها خرج مبحوحاً وضعيفاً:
“أين.. أين أنا؟”
جلست مارتا على حافة السرير وربتت على يدها برفق:
“أنتِ في منزلنا، يا صغيرة. وجدكِ راين عند الباب في ليلة العاصفة. لقد كنتِ تنزفين بشدة، وبقيتِ تصارعين الحمى لثلاثة أيام بلياليها.”
سكتت ريشي لبرهة، وكأنها تبحث في دهاليز عقلها عن خيط يربطها بالماضي.
لكنها لم تجد سوى ضباب أسود وصرخات مكتومة.
سألها راين بصوته الرخيم والهادئ:
“ما اسمكِ يا ابنتي؟ ومن أين أتيتِ؟”
انكمشت ريشي على نفسها، وشعرت برعب مفاجئ حين أدركت أن اسمها سقط منها في تلك الغابة.
لكن، فجأة، شعرت بشيء بارد يلامس جلد رقبتها.
رفعت يدها المرتجفة لتلمس القلادة التي كانت لا تزال تطوق عنقها.
تلمست الحروف المحفورة، ونطقت بغير وعي، كأن الاسم يخرج من أعماق روحها:
“ريـشـي…”
كررتها مرة أخرى بيقين أكبر:
“اسمي.. ريشي.”
تبادلت مارتا و راين ، نظرة خاطفة، كانت كلمات الفتاة غريبة، مخارج حروفها تنتمي لمملكة لا يعرفونها..
ظنا في قرارة نفسيهما أنها قد تكون ابنة غير شرعية لنبيل ما، تم التخلص منها بعيداً عن الأعين لتموت في الغابة.
ابتسم راين بوقار وانحنى قليلاً لمستواها:
“حسناً يا ريشي.. يبدو أن القدر اهدك لنا . منذ اليوم، هذا الكوخ هو منزلكِ، ونحن عائلتكِ.”
مرت الأيام، وتحولت الجروح الجسدية إلى ندوب صغيرة، لكن الفراغ في ذاكرتها ظل كما هو.
كانت ريشي تحت ظلال مطرقة راين ووصفات مارتا الشهية.
بدأت ريشي تذهب مع مارتا كل صباح إلى قصر دوقية أريندور الفاخر.
كانت تساعد السيدة مارتا في المطبخ العظيم، تنظف الخضروات وتراقب بصمت كيف تتحول المكونات البسيطة إلى أطباق ملكية.
وعندما يحل المساء، كانت تعود مع مارتا تحت ضوء القمر، يداها الصغيرتان تفوحان برائحة الأعشاب
وقلبها يتساءل دائماً وهي تنظر لقلادتها المخبأة تحت ثوبها البسيط
من أين اتيت ؟
و لماذا كنت في الغابة؟
كان كل شيءٍ حولها غريباً ، اللغة
و الوجوه و المكان..
تماماً كفراغ ذاكرتها التي لم تعد تذكر شيئاً.. سوى إسمها.
Chapters
Comments
- 2 - شظايا الإسم المفقود منذ ساعتين
- 1 - زهرة وسط الإعصار منذ 6 ساعات
التعليقات لهذا الفصل " 2"