حبست ريشي صرختها في حنجرتها، وأغمضت عينيها مستسلمةً لمصيرها وهي ترى ظل النصل يقترب..
لكن، وفجأة، انطلقت من بين الأعشاب الكثيفة قطة ضالة.
جفلت من حركة المرتزقة فقفزت تموء بجنون وتختفي بين الأشجار الكثيفة.
توقف المرتزق “بيلو” عن التقدم، وأعاد خنجره إلى غمدِه وهو يطلق ضحكةً ساخرة من نفسه:
“تباً.. لقد خُيّل إليّ أن أحداً يتنصت علينا ! لم تكن سوى قطة لينة كادت تجعل قلبي يتوقف.”
رد بارو بصوتٍ غليظ من داخل الكوخ:
“كفّ عن الأوهام يا بيلو، الضباب يزداد كثافة والخيول تحتاج للراحة. ادخل وأوصد الباب، فلدينا عملٌ كثير عند الفجر.”
انتظرت ريشي حتى انقطع صوت حركتهم تماماً، وحينها فقط، شعرت بضعفٍ شديد يسري في أطرافها.
زحفت بعيداً ببطء، وحين ابتعدت مسافة كافية، انطلقت تركض بجنون..
لم تكن تلتفت خلفها، كانت الأغصان تخدش وجهها وثوبها، والريح تصرخ في أذنيها كأرواحٍ تطاردها.
وصلت إلى الملحق مع آخر خيوط الشفق التي تلاشت في سواد الليل.
تسللت إلى غرفتها وأوصدت الباب بخوفٍ لم تعرف له مثيلاً من قبل.
ارتمت فوق سريرها وهي لا تزال ترتجف، وبسبب الإرهاق النفسي والجسدي الهائل، سقطت في هاوية نومٍ ثقيل..
لكنه لم يكن نوماً للراحة، بل كان غرقاً في لُجّة ذكرياتٍ أرادت نسيانها.
رأت نفسها طفلة في الحادية عشرة من عمرها، مكبلة اليدين داخل عربةٍ خشبية تفوح منها رائحة الخوف.
كانت العربة تهتز بعنف وهي تخترق غابةً موحشة.
توقفت العربة، وترجل منها ثلاثة رجال بملامح قاسية، كانوا يتهامسون في ما بينهم .
في لحظة غفلة منهم وهم يشعلون ناراً للاستراحة.
انسلت ريشي الصغيرة من العربة، وركضت ورئتاها تكادان تنفجران.
سمعت صرخاتهم خلفها:
“هربت! اتبعوها بالخيول!”.
لم تكن تسمع سوى وقع الحوافر الذي يقترب كطبول الموت.
وصلت إلى حافة جرفٍ صخري شاهق، حيث لا طريق أمامها سوى الفراغ.
تعثرت ساقها بصخرةٍ غادرة، وشعرت بالهواء يسحبها وهي تهوي في الهاوية
والوجوه التي طاردتها تطلُّ من الأعلى بملامح مشفية بالغدر.
“لاااااااااااااا!”
استيقظت ريشي بصرخةٍ مزقت سكون الملحق، والعرق يتصبب على جبينها كالمطر.
كان صدرها يعلو ويهبط بجنون، وقلبها يقرع ضلوعها كطبلٍ حربي.
انفتح الباب بذعر، ودخلت مارتا تتبعها خطوات راين القلقة.
ارتمت مارتا على السرير وضمت ريشي إلى صدرها بقوة وهي تهمس بكلمات مهدئة.
بينما كان راين يقف بشحوبه المعتاد، وعيناه تفيضان بذعر الأب الذي يخشى أن تُسلب منه ابنته مجدداً.
“ريشي! ابنتي، ماذا حدث ؟ هل هو الكابوس ذاته ؟”
قالت مارتا وهي تمسح دموع ريشي.
لكن ريشي لم تكن هي ذاتها.
كانت الصور في ذهنها قد اكتملت؛ وجوه الرجال الذين اختطفوها، وصوت الرجل الذي أعطى الأمر بقتلها..
تذكرت كل شيء؛ اسمها الحقيقي، دمها النبيل الذي كان وبالاً عليها
والسبب الذي جعلها تُرمى في تلك الهاوية قبل ست سنوات.
نظرت ريشي إلى مارتا وراين بامتنانٍ يمزقه الألم.
أدركت أن وجودها هنا ليس خطراً عليها فحسب، بل هو “حكم إعدام” موقوف التنفيذ لهذين العجوزين اللذين منحاها الحب والأمان.
“لقد وجدوني..”
فكرت بمرارة.
“المرتزقة في الكوخ لم يكونوا صدفة. إنهم يبحثون عني. وإذا بقيتُ هنا، سأجلب الخطر لهما أيضاً.”
مسحت ريشي دموعها بحزمٍ مفاجئ، ونظرت إلى والديها نظرةً أخيرة تملؤها الوداع.
لقد اتخذت قرارها؛ يجب أن ترحل.
ليس هرباً من قدرها، بل حمايةً للأرواح التي تحبها.
ستخرج من دوقية “أريندور”، وتدفن مشاعرها تجاه الدوق آريوس في أعمق نقطة بقلبها.
لكي لا يحترق أحدٌ بنار ماضيها.
التعليقات لهذا الفصل " 19"