تجمدت أطرافها، وبغريزة البقاء، ارتمت خلف جذع شجرة بلوطٍ عتيقة يكسوها اللبلاب.
كتمت أنفاسها بيديها المرتجفتين، وألصقت أذنها بالجذع البارد، وكأنها تستمد من الأرض ثباتاً فقدته.
“هل أنت متأكد؟”
جاء صوتٌ أجش كاحتكاك الصخور الصدئة.
أجابه صوتٌ آخر، يقطر خبثاً وحدّة:
“أخبرتك، المواصفات لا تخطئ. الشعر الذهبي كسبائك النور، وتلك العيون الزمردية الفريدة.. لقد طال البحث وتعبت خيولنا، لكن الجائزة أصبحت الآن على مرمى حجر.”
ارتجفت ريشي ارتجافةً زلزلت كيانها، وشعرت بأن الأرض تميد تحت قدميها.
تابع الصوت ببرودٍ قاتل:
“السيد لن يرحمنا إن عدنا بخفي حنين. يجب أن نتأكد أنها هي قبل أن نقترب من عرين الدوقية.. الفتاة التي فُقدت قبل ست سنوات.. لا بد أنها هي الخادمة التي يتحدث عنها الجميع.”
سقطت دمعة باردة على وجنتها، لم تكن دمعة حزن، بل دمعة إدراكٍ مرير.
تلك الكلمات لم تكن حديثاً عابراً، بل كانت “صكَّ إعدامٍ” لماضيها وحاضرها معاً.
المرتزقة لم يأتوا خلف كنزٍ مفقود، بل خلف “رأسها”.
وفجأة، وفي لحظة غياب ذهن، تعثرت قدمها بغصنٍ جاف..
“طررررررق”.
انقطع الهمس داخل الكوخ فوراً.
ساد صمتٌ مرعبٌ ثقيل، ثم انفتح الباب ببطءٍ أليم، مُصدراً صريراً مزق أحشاء السكون.
“بيلو.. هل سمعت ذلك؟”
همس أحد المرتزقة وهو يستل نصله، ليلمع الفولاذ ببريقٍ غادر.
انكمشت ريشي خلف الشجرة، وهي تسمع وقع خطواتٍ ثقيلة تهرس الأوراق الجافة.
تقترب منها شيئاً فشيئاً.
كان صدرها يعلو ويهبط بعنف، وفي تلك اللحظة التي رأت فيها ظل المرتزق يتمدد فوق العشب ليصل إليها.
لم تتمنَّ سوى شيءٍ واحد.. وجه آريوس.
بينما كان النصل يلمع تحت خيوط الشمس المتسللة.
كان المرتزق على بعد شبرٍ واحد من كشف سرها.. وسلب حياتها.
التعليقات لهذا الفصل " 18"