بينما كانت السيدة “ماير” تهمُّ باعتلاء عربتها والزهو يفيض من تقاطيع وجهها، وكأنها أنجزت فتحاً مبيناً بتأديب “تلك الفتاة”، كانت ريشي لا تزالُ جاثيةً فوق الثرى.
هناك، حيث امتزج طعمُ الدم في فمها بمرارة التراب، ولسعة المهانة التي لا يغسلها ماء.
اقتربت مارتا بخطواتٍ مهزوزة، كأنَّ الأرض تميدُ تحت قدميها، وارتمت تحتضنُ رأس ريشي إلى صدرها الدافئ.
لم تجد مارتا كلماتٍ تسعفها، فتركت لدموعها حقَّ السبق؛ دموعٌ انهمرت فوق شعر ريشي الذهبي قبل أن تنطق الابنة بكلمة.
همست مارتا بصوتٍ مخنوق:
“سامحيني يا ابنتي.. سامحيني لأن عجزنا جعل العالم يقذفكِ بكل هذا القبح.”
رفعت ريشي رأسها ببطء، ولم تكن عيناها الزمرديتان غارقتين في البكاء فحسب، بل برز فيهما بريقٌ غريب..
بريقٌ ليس من الحزن، بل هو صلابةُ الماس التي تتشكل تحت الضغط.
مسحت بظهر يدها أثر الصفعة المحمرة، وراقبت العربة وهي تتلاشى في الأفق.
ثم سألت بصوتٍ هامسٍ جارح:
“أمي.. هل نُعدُّ حقاً حشراتٍ تحت أقدامهم، لمجرد أننا لا نملك بريق ذهبهم؟”
لم تملك مارتا جواباً، فاكتفت بضمها بقوة، مدركةً أن براءة ريشي التي عهدتها قد ذُبحت في ذلك الصباح تحت ضياء الشمس البارد.
في هذه الأثناء، كان آريوس قد نزل من شرفته كإعصارٍ صامت لا يُبقي ولا يذر.
دخل مكتبه الفاخر، حيث تكاتفت رائحة الورق العتيق وجلد الأثاث الفاخر لتخلق هالةً من الرهبة الوجلة.
جلس خلف مكتبه الضخم، وعيناه مسمرتان على الباب كأنهما فوهتا مدفعٍ جاهز للانطلاق.
طُرق الباب، ودخلت السيدة ماير وهي لا تزال تتدثر بابتسامتها المتعالية، ظناً منها أن الدوق قد استدعاها ليمتنَّ لها أو ليناقش صفقاتٍ تجارية.
“سمو الدوق، هل طلبت رؤيتي؟”
قالتها وهي تحييه برقةٍ زائفة.
لم يأذن لها آريوس بالجلوس، بل ترك الصمت يتمدد بينهما كثقبٍ أسود يبتلع كل كبرياء، ثم قال بنبرةٍ هادئة..
هدوءاً يسبق الكارثة.
“سيدة ماير.. هل غاب عن ذاكرتكِ الضعيفة لمن تعود ملكية هذا الملحق؟”
وقف آريوس ببطءٍ مهيب، وتجاوز مكتبه ليقف أمامها مباشرةً؛ طوله الفارع وزيه الرسمي وشخصيته الطاغية جعلتها تبدو ضئيلة كقشةٍ في مهب الريح.
“لقد انتهكتِ حدودي، واعتديتِ على مَن يعيشون تحت كنف حمايتي. مدُّ يدكِ على فتاةٍ داخل أسواري هو طعنةٌ مباشرة في هيبتي الشخصية. هل خُيل إليكِ أن ذهب زوجكِ يمنحكِ صكاً لتلعبي دور الجلاد في ملكيتي؟”
اصفرَّ وجهها وبدأت الحروف تتلعثم على شفتيها:
“لكن يا سيدي.. ابني جوليان.. تلك الفتاة تفتنه بسحرها، وهي بلا أصل ولا..”
قاطعها آريوس بزمجرةٍ خافتة هزت أركان المكتب :
“أصلها وفصلها شأنٌ لا يخص أمثالكِ! منذ هذه اللحظة، أنتِ وابنتكِ محظورتان من دخول أي شبرٍ من أملاكي. أما جوليان، فسيظل يمارس مهامه الطبية بأمري أنا، وأي تعرضٍ له أو للفتاة مستقبلاً، سأعتبره إعلاناً رسمياً للحرب على دوقية أريندور. اخرجي الآن.. قبل أن ينفد ما تبقى من صبري.”
خرجت السيدة ماير وهي ترتجف كعصفورٍ مبلل، لا يملؤها الغضب هذه المرة، بل الرعب الصرف.
في المساء، عاد جوليان ليجد أريانا تترصده عند مدخل القصر، تبرد أظافرها ببرودٍ مستفز.
“لقد فعلتها أمي يا جوليان،”
قالتها بابتسامةٍ خبيثة.
“لقد أعادت تلك الفتاة إلى حجمها الطبيعي بصفعةٍ ستظلُّ وسماً على وجهها للأبد.”
تصلب جوليان، وسقطت حقيبته الطبية من يده، لتتناثر أدواته المعدنية بضجيجٍ يشبه تحطم قلبه.
“ماذا فعلتِ؟”
سأل وصوته يرتجف بذهول.
“أمي لقنتها درساً، والدوق طرد أمي بسببك! انظر إلى أي جحيمٍ دفعتنا من أجل ‘فتاة لقيطة ‘!”
لم ينطق جوليان بكلمة؛ بل استدار وركض كالمجنون نحو الملحق، متجاهلاً صراخ والدته.
وصل إلى الحديقة، حيث كانت ريشي تجلس تحت ضوء القمر ، كانت تنظر إلى النجوم، والندوب الزرقاء على وجهها تبدو كظلالٍ حزينة تحت الضوء الخافت.
التفتت إليه ريشي ببطء. لم يكن في عينيها حقد، بل كان فيهما حزنٌ هادئ وعميق.
حين رأت ارتجاف يديه وانهياره أمامها، شعرت برغبة في مواساته رغم أنها هي الضحية.
“أنا أعتذر.. ريشي، أرجوكِ سامحيني، لم أكن أتخيل أبداً أن يصل جنون عائلتي واندفاع أمي إلى هذا الحد.. أنا السبب في كل ما حدث لكِ.”
قالها وصوته يتهدج، وكأنه يحمل أوزار العالم فوق كتفيه.
ابتسمت ريشي ابتسامةً شاحبة، و قالت بصوتٍ رقيق يغلفه الصدق:
“لا بأس يا جوليان.. لا تعتذر عن ذنبٍ لم تقترفه يداك. لستَ مسؤولاً عن كبرياء عائلتك أو غضب والدتك.”
نظر إليها بذهول، لم يتوقع هذا النبل:
“لكنها أهانتكِ.. لقد صُفعتِ بسببي!”
أمالت رأسها قليلاً وقالت بهدوء:
“لقد آلمتني الصفعة حقاً، لكنها علمتني أيضاً الكثير عن هذا العالم. أنت كنت الصديق الوحيد الذي جعلني أنسى أنني ابنة حداد، وهذا يكفيني. لذا لا بأس، اذهب الآن وهدئ من روعك، فأنا لا أحملك أي ضغينة.”
رغم كلماتها المسامحة، شعر جوليان بغصة..
فقبولها للاعتذار بهذا اللطف جعله يشعر بعظم خسارته..
وأدرك أن “لا بأس” التي نطقت بها هي في الحقيقة وداعٌ ضمني لعلاقةٍ كانت أرق من أن تتحمل صخور الواقع المر.
التعليقات لهذا الفصل " 16"