استبدَّ هجير الصيف بإقليم الدوقيات، فباتت الأنفاس ثقيلة والهواء ساكناً، إلا أن برداً من نوع آخر كان يستوطن جدران قصر عائلة “ماير” الباردة.
لم تكن أريانا تتجرع لذة عطلتها كما اعتادت؛ فانتصار “ريشي” الكاسح في ذروة الاختبارات ظلَّ غصةً مسمومة في حلقها.
وزاد من اشتعال حقدها علمها بأن تلك “ريشي ” لن تطأ عتبات مدرسة (سانت لوران) مجدداً؛ فمرض والدها بالتبني قد استنزف مدخرات العائلة، وأحال أحلامها الكبرى إلى رمادٍ تذروه الرياح.
كان يُفترض بـ “أريانا” أن تنتشي بهذا النصر، لكنَّ شيئاً ما كان يسرق منها تلك اللذة.. شقيقها جوليان.
لاحظت أريانا أن شقيقها، الذي كان يقضي صيفه في الانغماس بين المجلدات الطبية أو التباهي في محافل النخبة.
صار يختفي لساعاتٍ غامضة كل يوم، وكأنَّ يداً خفية تجذبه بعيداً عن عالمه.
وفي ضحى يومٍ قائض، وقفت أريانا خلف نافذة جناحها العلوي، تراقب جوليان وهو يخرج من القصر محتضناً سلةً دثرها بقماشٍ ناصع.
تفوح منها رائحة الفطائر الدافئة التي أعدتها طاهيتهم بعناية.
تمتمت أريانا بحنق وهي تضغط على حافة الستائر:
“إذن.. بينما نتصنع نحن الوقار، يقضي وريث عائلة ماير وقته في إطعام اللقيطة من فتات مائدتنا؟ أظننتَ نفسك بطلاً في رواية رومانسية بائسة يا جوليان؟”
عند عودة جوليان في الغسق، كانت أريانا تترصده في الردهة، تتلاعب بخصلات شعرها بصلفٍ معهود:
“أوه، أخي العزيز.. صرتَ تحمل عبق الملاحق ورائحة الكدح في ثيابك مؤخراً. هل بات الدوق يوكل إليك تنظيف الإسطبلات، أم أنك وجدت ‘مشروعاً خيرياً’ ناعماً هناك؟”
توقف جوليان، ورمقها بنظرةٍ جليدية:
“أنا لا أقوم إلا بواجبي يا أريانا .”
ردت أريانا بضحكةٍ تقطر سماً:
“واجب ؟ أخبرني، هل تعتزم سداد أقساطها المدرسية أيضاً ؟ أم تكتفي بتلك الفطائر والكتب النادرة كعزاءٍ وضيع لأصلها المجهول ؟”
أشاح جوليان بوجهه وصعد درجات السلم بصمت، لكن أريانا أبصرت في عينيه بريقاً ذائداً لم تعهده من قبل.
تيقنت حينها أن الأمر تجاوز الشفقة فشقيقها قد وقع في أسر تلك الفتاة.
هرعت أريانا إلى جناح والدتها، السيدة ماير، التي كانت تسترخي واضعةً قناعاً من الأعشاب الباردة.
“أمي ! ابنكِ الموقر يمرغ اسمنا في وحل المهانة ! لقد رأيته بأم عيني.. يغدق عليها بكتبنا، ويحمل إليها زادنا، ويتودد إليها كما لو كانت من دماءٍ زرقاء ! إن جهر الخبر، فلن يجرؤ نبيلٌ على التقرب مني، وسيضحك القاصي والداني على ‘الطبيب الذي استبدل النبيلات بالخادمات’!”
نزعت السيدة ماير القناع ببطء، واستحالت ملامحها إلى قسوةٍ حجرية:
“جوليان ؟ أيفعل هذا بنا ؟”
زادت أريانا النار اشتعالاً:
“والأنكى يا أمي.. نظرة الدوق والدوقة لنا حين يريان وريثنا يتذلل لفتاة لا أصل لها ولا فصل!”
انتصبت السيدة ماير بصرامة وقالت بصوتٍ متهدج من الغضب:
“لن أنتظر حتى يلطخ جوليان ما تبقى من شرفنا. غداً، سأذهب إلى ذلك الملحق بنفسي.. سألقن تلك الفتاة درساً .”
في صبيحة اليوم التالي، كانت خيوط الشمس تداعب جدران الملحق، وزقزقة العصافير تملأ المدى.
كانت ريشي تقف في الحديقة الخلفية، ترفع يديها الرقيقتين لتنشر ثياب والدها البيضاء؛ كان شعرها الذهبي منثوراً بعفوية، وبشرتها تتلألأ كمرمرٍ نقي.
رغم شحوب التعب من ليالي السهر، كانت تبدو كآيةٍ من الجمال الفطري.
وفجأة، تمزق هذا الهدوء بعويل حوافر خيولٍ قوية واصطكاك عجلات عربةٍ فارهة بالحصى.
توقفت ريشي، وسقط من أناملها مشبك الغسيل، وشعرت بانقباضٍ ينبئ بالعاصفة؛ فهذه العربة السوداء بزخارفها النحاسية لا تخطئها عين.. إنها عربة عائلة ماير.
ترجلت السيدة ماير بخطىً ثقيلة تئزُّ تحتها الأرض، محاطةً بهالةٍ من الكبرياء الخانق.
لم تمهل ريشي لحظةً لاستيعاب الموقف، بل اندفعت صوبها كالإعصار.
قالت بنبرةٍ مفعمة بالازدراء وهي تتفرس في ملامح ريشي:
“إذن.. خلف هذا القناع الملائكي تقبع أفعى ماكرة تجيد نسج الشباك؟”
شحبت ريشي وارتجفت خطىً للوراء:
“سيدتي.. لا أفهم سبب تشريفكِ لهذا المكان..”
“بل تدركين يقيناً!”
صرخت السيدة ماير، ودنت منها حتى لفحت ريشي أنفاس الغطرسة.
“ابني جوليان، الذي هُيئ لأسمى المراتب، بات يسرق من سمعة عائلته ليتسكع في حظيرة الخدم ! أظننتِ أن ملامحكِ المريبة ستفتح لكِ رتاج قصورنا ؟”
حاولت ريشي أن تستجمع كبرياءها المذبوح:
“الطبيب جوليان يراقب حالة والدي فحسب، وهو يعاملنا بإنسانيةٍ لا تعرف التمييز بين..”
“تيتش!”
شقَّ دويُّ الصفعة سكون الصباح.
ارتدَّ رأس ريشي بعنف، واستعرت وجنتها بحرارةٍ لاذعة كأنَّ نصلًا محمىً قد اخترق جلدها.
لم تكن صفعة يد ، بل كانت إهانةً صريحة لكل سنوات صبرها وعفتها.
خرَّت ريشي على ركبتيها من هول الصدمة ، وتجمدت دمعةٌ حارقة في عينيها الزمرديتين.
تابعت السيدة ماير بحدةٍ هستيرية:
“لا تجرئي على نطق اسمه بلسانكِ الدنس ! أنتِ مجرد لقيطة.. بلا لقب، بلا تاريخ ، وبلا مستقبل . إن لمحته يقترب من هذا المكان ، أو علمتُ بوشايةٍ منكِ إليه، سأجعل الدوق يقذف بكم في العراء، وسأرى حينها إن كان هذا ‘الجمال’ سيسدُّ رمق والدكِ المحتضر!”
في تلك اللحظة، خرجت مارتا على صوت الجلبة، لتتجمد الدماء في عروقها وهي ترى ابنتها منكسرةً على الأرض، والسيدة النبيلة تقف فوقها كجلادٍ لا يرحم.
لم يكن هناك من يردع هذا الطغيان سوى عينين زرقاوين باردتين كانت تراقب المشهد من خلف زجاج شرفة القصر العالية..
عينين بدأ السواد يطغى على لونهما من فرط الغضب المستعر.
التعليقات لهذا الفصل " 15"