في زاوية غارقة في العتمة من حانة “الذئب العجوز” القابعة على أطراف المملكة..
جلس “راؤول” كأنه جزء من سواد الليل، تلتحفه عباءة تخفي حتى أنفاسه.
أمامه، كان يجلس رجلان من المرتزقة، وجوههما خريطة من الندوب التي تحكي تاريخاً من القذارة
وعيناهما تلمعان بشبقٍ مسعور للمال.
مدَّ راؤول يده وألقى كيس الذهب على الطاولة الخشبية المتهالكة؛ فكان صليله الخافت كفيلاً بإخراس الضجيج في صدورهم.
قال راؤول بصوتٍ مبحوح كأنه يخرج من بئر سحيقة:
“المهمة بسيطة.. فتاة ملامحها نادرة، بشرة كأنها نُسجت من ضياء اللؤلؤ، وعينان زمرديتان، وشعرٌ ذهبي يسترقُ الضوء. فُقدت قبل ست سنوات.”
تبادل المرتزقة نظرة ساخرة، قبل أن يسأل أحدهما بتهكم:
“ست سنوات؟ يا سيد، الغابة تلتهم العظام في ليلة واحدة، فما بالك بست سنوات؟ ولماذا الآن؟”
اتكأ راؤول على الطاولة، واقترب بوجهه حتى لفحهم برودة صوته:
“أسبابنا لا تُباع بالذهب. ما يهمكم هو العثور عليها، أو على رميم ذكراها في القرى المحيطة بجرف (الهاوية). ابحثوا في الملاجئ، في القصور، وحتى في القبور المهجورة. إن كانت حية، أريدها مكبلة بالصمت.. وإن كانت ميّتة، فأريد دليلاً يقطع الشك باليقين.”
أخرج ورقة رُسمت ببراعة، لا تحمل وجهاً مكتملاً، بل طيفاً لملامحها، ثم همس بوعيد:
“لا تذكروا شيئاً ، وإلا سيكون ثمن الذهب هو رؤوسكم.”
ثم انسلَّ في جوف الليل كأنه لم يكن. في قلب الزحام.. والضياع
في العاصمة الإمبراطورية المجاورة
حيث يختنق الهواء برائحة العطور الملكية الممزوجة بفرائس البحر في الأسواق، كان الثلاثة يتسكعون كأجسام غريبة لفظها المجتمع.
“بارو” يختبئ تحت قبعة ضخمة، بينما “زوكي” و”بيلو” يرتديان أسمالاً ملونة جعلتهما يبدوان كأضحوكةٍ هاربة من سيرك.
توقفوا أمام النافورة الكبرى، وحين مرَّ الحرس الملكي بخيولهم المطهمة، ارتعد “بيلو”؛ ليس هيبةً، بل جوعاً.
همس وهو يعتصر بطنه:
“رئيس، العاصمة تبتلعنا.. ألا نذهب لمطعم؟ يقولون إن بقايا الدجاج المشوي عند أبوابهم الخلفية تشفي العليل.”
زجره بارو بعصبية مكتومة:
“أيها الأحمق! نحن في عرين الأسد. أي هفوة ستجعلنا زينةً معلقة على الأسوار لتنهشنا الغربان.”
أخرج زوكي الرسم المشوه بيده المرتجفة:
“رئيس، فكرتُ في أمرٍ ما.. الفتاة سقطت من جرف الهاوية ، أليس كذلك؟ ربما الارتطام بالصخور قد أعاد تشكيل وجهها ! ربما صار أنفها مكان أذنها، وهذا يفسر لماذا لم يتعرف عليها أحد!”
صفعه بارو على قفاه بخفة وهو يتنهد يأساً:
“اصمت ! الرسم وصفٌ تقريبي لوجهها. اسمعا، قال السيد إنها كانت تتقلد حروف اسمها. وجهتنا هي ‘سوق التحف القديمة’؛ هناك، اللصوص يعرفون تاريخ كل قطعة ذهب تداولت بين أيدي البشر.”
داخل السوق الذي يعج بالمخادعين، اقترب بيلو من تاجر خواتم مزيفة، محاولاً تقمص دور المحقق الصارم:
“أيها التاجر.. هل رأيت فتاة صغيرة، بطول كذا.. سقطت من جرف قبل ست سنوات لكنها تمسكت بالحياة باظافرها؟”
بهت التاجر وقال بذهول:
“هل تبحث عن جنية أم جثة مفقودة؟”
دفع زوكي رفيقه محاولاً استدراك الموقف بذكاءٍ مدّعى:
“تجاهله يا سيدي.. نحن نبحث عن فتاة فاتنة، لدرجة أنك إذا رأيتها ستقول تلقائياً: ‘هذه خُلقت لتكون أميرة!’.. هل صادفت حسناء كهذه؟”
ضحك التاجر بسخرية لاذعة:
“عندي عشرات الجميلات، لكن جميعهن سيهربن من قبح وجوهكم. اغربوا عن وجهي قبل أن أنادي الحرس!”
انسحب الثلاثة إلى زقاق ضيق، وبارو يشعر بمرارة الفشل:
“أنا رئيس عصابة ‘ الذئب العجوز..’ انتهى بي الأمر أقود مهرجين ! اسمعا، السيد متأكد من وجود أثر. غداً نغادر هذا الصخب نحو ‘إقليم الدوقيات’. القرى هناك هادئة، وأي غريب سيظهر فيها سيبدو كجرحٍ واضح في جسدٍ سليم.”
كانت الشمس تميل نحو الأفق، تنثر تبرها السائل فوق طاولة خشبية في حديقة الملحق الخلفية. “ريشي” تقشر الفاكهة بهدوء، بينما “جوليان” منهمك بتنظيف جذور طبية، وكأنه ينبش في أسرار الأرض.
قال جوليان وهو يرفع جذراً ملتوياً بابتسامة:
“هذا الجذر يشبه مزاج السيدة مارتا تماماً.. حاد وملتوٍ حين تغضب.”
ضحكت ريشي برقة:
“لا تقسُ عليها، أمي قلبها من ذهب. ثم إنها تحب سمومك هذه، تقول إنها تمنحها نوماً عميقاً.”
رد بضحكة مرحة:
“السر الطبي هو أنها تنام هرباً من شخير زوجها، لكنني أبقي هذا سراً مهنياً.”
تنهدت ريشي براحة وهي ترقب الأفق:
“أنت دائماً تجد ثغرة للضحك. ألا تتعب من وقار ‘الطبيب جوليان’ في القصر؟”
ارتمى جوليان بظهره على الكرسي:
“بلى، أتعب جداً. هناك، كلماتي تُوزن بميزان الذهب، وظهري يجب أن يظل مستقيماً كالسيف. لكن هنا.. أنا فقط جوليان الذي يحب الأرض والضحك، ولست الرجل الذي يرتعدون منه لأن حقيبته تعج بالإبر.”
نظرت ريشي إلى السماء بامتنان:
“أغبطك.. أن تملك ركناً تكون فيه أنت. أجمل لحظات يومي هي هذه الساعة؛ لا انتظار، لا واجبات.. فقط نحن، وهذا الشاي الذي يبرد في صمت.”
علق جوليان بخبث:
“ونسيتِ العسل مرة أخرى ! شايُكِ مرٌّ جداً يا ريشي ، هل تروضين لسانكِ على الصبر ؟”
ارتشفت ريشي من كوبها وأغمضت عينيها:
“المرارة هي ما يعطي الحلاوة معناها حين تأتي. هكذا علمتني أمي.”
ساد بينهما صمتٌ مهيب، ليس صمتاً للفراغ، بل هو ذلك السكون الذي يغلف القلوب التي تفهم بعضها دون حاجة للغة.
قالت ريشي بهدوء:
“شكراً لأنك تأتي دائماً كصديق.. كجوليان.”
نظر إليها بصدقٍ طافح:
“وشكراً لأنكِ ريشي، التي تتحمل حماقاتي دون أن تطردني.”
وفي تلك اللحظة، بدأت الشمس رحلة هبوطها الأخيرة، فاصطبغت السماء بلون الأرجوان المحترق، وتداخلت خيوط البرتقالي مع زرقة الليل المقترب كأنهما يتعانقان في وداعٍ أبدي.
بينما بدأت الطيور تعزف لحن العودة بصرخاتٍ ناعمة تتلاشى في الأفق البعيد.
ومع اختفاء قرص الشمس خلف التلال، تسلل ظلٌ بارد وهادئ ليلفَّ الحديقة، تاركاً خلفه وعداً ببزوغ فجرٍ جديد، وضحكاتٍ لا تزال أصداؤها عالقة في الهواء الدافئ.
التعليقات لهذا الفصل " 14"