تسابقت حوافر الخيول على الحصى الأبيض للممر الشرقي، تجرُّ خلفها عربة “الدوق” الفارهة التي كانت تسير بوقارٍ مريب.
لم تبهر الفخامة “ريشي”، بل ظلّت عيناها مسمرتين فوق وجه والدها “راين”، الذي بدا شاحباً كقطعة رخام قديمة، مسنداً رأسه المتعب إلى الوسائد الوثيرة التي لم تنجح في امتصاص أوجاعه.
حين توقفت العربة أمام “المنزل الملحق”، تجمد الهواء في رئتي “ريشي”.
لم يكن مجرد بناء، بل كان قصيدة ريفية نُحتت من حجر دافئ، تفتحت على جدرانه زهور الكاميليا البيضاء كأنها حراس من ثلج، بينما تكاتفت أشجار البلوط العتيقة لتصنع سياجاً من الهيبة يفصل هذا الملاذ عن صخب القصر الكبير.
“هل سنعيش هنا حقاً يا أمي؟”
همست ريشي، وأصابعها ترتجف وهي تلمس مقبض الباب النحاسي البارد.
أجابت مارتا، والدموع تلمع في عينيها كآلئٍ من امتنان:
“نعم يا ابنتي، بفضل كرم الدوق.. هنا سيتنفس والدكِ هواءً نقياً، بعيداً عن أزقة المدينة الصاخبة “
حين دخلت ريشي غرفتها الجديدة، شعرت وكأن المكان قد هُيئ لاستقبال أميرة لا ابنة طاهية.
فالمساحة شاسعة، والأثاث منتقى بعناية تامة تتجاوز بكثير احتياجات الخدم.
اتجهت نحو النافذة، وشعرت فجأة ببرودة تسري في عمودها الفقري.
كانت نوافذها تطل مباشرة على جناح “آريوس” في القصر الكبير.
تجاهلت حدسها، لكن القشعريرة لم تفارقها؛ وكأن هناك عيناً خفية تراقبها من خلف الستائر المخملية البعيدة.
لم تكن واهمة، فقد كان “آريوس” واقفاً هناك بالفعل، يراقب حركاتها وهي تفتح النافذة..
يشاهد خصلات شعرها الذهبي وهي تداعب النسيم، ويستشعر لأول مرة أن “ملكه الخاص” قد حظي بكنزٍ لا تضاهيه كل جواهر التاج.
بعد يومين، كسر هدوء الملحق طرقات رصينة.
دخل شاب يفيض وقاراً، مرتدياً معطفاً طبياً أبيضاً يمنحه هيبة العلماء ووسامة النبلاء.
كان “جوليان ماير” ، الذي أُرسل بتوصية خاصة ليرعى الحالة الصحية لوالدها.
توقع جوليان أن يجد عائلة منكسرة، لكن حين رفعت ريشي رأسها لتستقبله، تسمرت قدماه عند العتبة.
لم يرَ “ابنة طاهية”؛ بل رأى وجهاً صِيغ من ضياء، وعينين زمرديتين تتقدان بذكاءٍ حاد أربك تشخيصه الطبي في لحظة.
“أنا.. أنا الطبيب جوليان ماير ، جئت لفحص السيد راين،”
قال بصوتٍ خانته نبرته الواثقة للحظة.
سارت ريشي أمامه لتدله على غرفة والدها، وكان جوليان يراقب رقتها.
كانت تشرح له بدقة مذهلة مواعيد الدواء وتفاصيل الحالة.
“أنتِ تملكين بصيرة نادرة يا آنسة ريشي،”
قال جوليان وهو يغلق حقيبته :
“قلما أجد مثل هذا الفهم العميق للطب في مثل سنكِ.”
ابتسمت ريشي بتواضع يقطر عزة:
“لقد درستُ بجد في ‘سانت لوران’.. فالعلم هو سلاحي الوحيد في هذا العالم.”
في تلك اللحظة، ولد في صدر جوليان نبضٌ لم يكن له علاقة بالطب
بل بفتنة العقل والجمال التي لم يجدها في فتيات الطبقة الراقية.
تكررت زيارات جوليان، ولم تعد تقتصر على الفحص فقط ، بل صارت “موعداً ” لتبادل الأفكار.
في إحدى الأمسيات، أحضر معه كتاباً مغلفاً بجلد أخضر عتيق.
“لقد لاحظتُ شغفكِ بالكيمياء الحيوية،”
قال جوليان بنبرة دافئة :
“هذا الكتاب من مجموعتي الخاصة، وأشعر أن مكانه الصحيح هو بين يديكِ.”
كانت ريشي تلمس الغلاف ببهجةٍ غامرة، وبينما كانت تشكره بابتسامة رقيقة أضاءت وجهها، كان هناك “ظل” يحترق في صمت.
على شرفة القصر العالية، كان “آريوس” يشد قبضته على السور الرخامي حتى كادت مفاصل أصابعه تنفجر.
لم يعد الأمر يتعلق بالقوانين أو الطبقات؛ كان يرى من بعيد كيف يميل جوليان برأسه نحوها، وكيف تضحك هي بخفةٍ جعلت قلبه ينقبض بشكلٍ مؤلم لم يعهده.
في تلك اللحظة، استعر بداخل آريوس شعورٌ مسموم لم يألفه..
لم تكن مجرد رغبة في التملك، بل كان جحيماً من نوعٍ آخر.
أحسَّ بنصلٍ بارد يخترق بروده المعتاد
كانت غيرةً شعواء نبعت من إدراكه المفاجئ بأن هناك من بدأ يشارك ريشي “لغة خاصة” لا يفهمها هو.
أحرقه مشهد تلك الابتسامة التي وُهبت لغيره، وشعر بأن خيوطاً من “هوس” بدأت تشده نحوها..
وكأن قلبه الذي ظنه حجراً بدأ ينبض فقط ليُعصر ألماً من فكرة أن شخصاً آخر قد يلمس شغفها قبله.
كانت لديه رغبة وحشية في انتزاعها من أمام ذلك الطبيب..
التعليقات لهذا الفصل " 11"