في ممر المستشفى الضيق، حيث تتقاطع رائحة المطهرات القوية مع أنفاس المرضى المثقلة بالتعب.
كانت “ريشي” ووالدتها “مارتا” تجلسان على مقعد خشبي صلب، وكأنهما جزء من جدران المشفى الصامتة.
بدت ريشي ضئيلة جداً في ذلك الممر الشاسع؛ فستانها الوردي الباهت الذي كان يبدو زاهياً في الصباح، صار الآن مجعداً وباهتاً كحال روحها.
كانت خصلات شعرها الذهبي قد تحررت من قيدها، لتنسدل فوق وجهها الشاحب الذي غسلته الدموع مراراً.
لم تكن تبكي بصوتٍ مسموع، بل كان حزنها يسيل بصمتٍ يمزق نياط القلب.
بينما كانت تحتضن والدتها المنكسرة التي غابت في نوبة من النحيب المكتوم، محاولةً أن تكون هي “السند” رغم أن قلبها يرتجف كعصفور بلله المطر.
فجأة، انفتح باب الغرفة الثقيل، وخرج الطبيب بملامحه الواجمة.
كان يلف حول عنقه سماعته الخشبية الأسطوانية، ويحمل في يده تقريراً طبياً كتبه بريشة بدت حادة على الورق.
هرعت ريشي نحوه، وتشبثت بكلماته قبل أن ينطق بها.
حبست أنفاسها وهي تسأله بعينين محتقنتين بالرجاء:
“أرجوك أيها الطبيب.. أخبرني أن أبي بخير”.
تنهد الطبيب بأسى، ومسح على جبينه المتعب قائلاً:
“لقد بذلنا ما بوسعنا لاستعادة استقرار نبضه باستخدام جهاز الضغط الزئبقي، لكن قلبه واهن جداً يا أنسة. هو الآن يصارع تحت تأثير ‘الكلوروفورم’ والمسكنات.. لكننا نحتاج بشكل عاجل إلى عقار ‘الديجيتاليس’ المركز لتقوية عضلة القلب”.
صمت الطبيب للحظة، ثم أضاف بصوتٍ خفيض:
“هذا الدواء نادر جداً وباهظ الثمن، ولا توفره المشافي العامة مجاناً.. وبدونه، أخشى أن الساعات القادمة ستكون قاسية جداً عليه”.
سقطت الكلمات على رأس ريشي كالصاعقة.
شعرت ببرودة تسرى في أطرافها، والتفتت إلى والدتها التي كانت تراقب المشهد بضياع.
في تلك اللحظة، أدركت ريشي مرارة الفقر الحقيقية؛ أن تكون حياة أغلى إنسان لديها مرهونة بحفنة من الذهب لا تملكها.
نظرت إلى كفيها الخاليتين، ثم إلى الممر الطويل الخالي، وشعرت بجدران المستشفى تضيق عليها.
كان العجز ينهش روحها، وهي ترى والدها يرحل ببطء خلف ذلك الباب، بينما هي تقف مكتوفة الأيدي، لا تملك إلا دموعاً لا تشفي جراحاً..
بينما كانت ريشي تبتلع غصة ، كان الخبر قد تسلل بالفعل عبر ردهات الرخام ليصل إلى مسامع “الدوق ماكسيموس”، والد آريوس.
لم يكن الدوق رجلاً تغلبه العاطفة عادة، لكنه كان يقدّر الإخلاص.
في قاعة المكتبة الكبرى، حيث رائحة الورق القديم وخشب الصندل، وقف آريوس بصمت يراقب والده الذي كان يوقع بعض الأوراق بريشته الذهبية.
قطع الدوق الصمت بنبرة رخيمة تحمل هيبة السلطة:
“سمعتُ ما حل بـ ‘راين’.. من المؤسف أن يسقط رجلٌ مثله هكذا فجأة.”
نظر آريوس إلى والده بترقب، ليدلي الدوق بقراره الحاسم:
“آريوس، أرسل طبيب العائلة الخاص إلى المستشفى فوراً، وليُشرف على الحالة بنفسه. أخبرهم أن الدوق ماكسيموس سيتكفل بكافة التكاليف، من عقار ‘الديجيتاليس’ حتى أصغر تفاصيل الرعاية. لا أريد طاهيتنا أن تذرف دمعة خوفٍ على المال بينما هي تخدم في عقاري .”
لم يكتفِ الدوق بذلك، بل أضاف وهو يغلق محبرته:
“وبما أن الشقة التي يسكنونها بعيدة وتُرهق مارتا في التنقل، فقد قررتُ منحهم ‘المنزل الصغير’ الملحق بحديقة القصر الشرقية. هكذا ستكون مارتا قريبة من زوجها ومن عملها.”
وقع الخبر على مسامع آريوس بمزيج من الراحة والارتباك.
لقد حُلّت الأزمة المادية بكلمة واحدة من والده، لكن وجود ريشي في “المنزل الملحق” بالقصر يعني أنها ستكون تحت ناظريه كل يوم.
ستكون قريبة جداً، وهذا أكثر ما كان يخشاه ويتمناه في آنٍ واحد.
في المستشفى، وصلت البشرى إلى ريشي ومارتا كأنها معجزة هبطت من السماء. عندما دخل عليهما مبعوث الدوق بالدواء وبقرار السكن الجديد، بكت مارتا فرحا..
نظرت إلى نافذة غرفة والدها، وهمست بقلبٍ مثقل بالامتنان:
التعليقات لهذا الفصل " 10"